الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الواقعي والمتخيل في «واحة الغروب» لبهاء طاهر

تم نشره في الجمعة 7 آب / أغسطس 2009. 03:00 مـساءً
الواقعي والمتخيل في «واحة الغروب» لبهاء طاهر * د. محمد عبد القادر

 

 
ولقد كان بهاء طاهر معيناً لقراء الرواية ودارسيها وأميناً مع إبداعه حين ثبت في نهاية "واحة الغروب" ملحقاً توضيحياً ألقى الضوءعلى عدد من جوانب الواقع التاريخي والسياسي والاجتماعي للرواية ، والمصادر التي استلهم منها نصه ، فاعتمد على كتاب د. أحمد فخري حول "واحة سيوة" وإشارته الى شخصية مأمور الواحة عام 1897 محمود عزمي وعلاقته بما حدث لمعبد أم عبيدة. ولعله كان المصدر الذي استوحى منه شخصية محمود واحتفظ بالاسم ذاته للمأمور الفني الذي خلقه بهاء طاهر. ويضيف المؤلف أن سيوة هي أرض الاسكندر الاكبر ، مشيراً ألى أنه استعان بعدد من كتب التاريخ لتمثل هذه الشخصية ولتصويرها فنياً. أما فيما يتصل بقبر الاسكندر فيقول بهاء طاهر أن جهوداً عديدة في علم الآثار قد بذلت للبحث فعلاً عن قبر الاسكندر في سيوة ، وأن باحثة يونانية عملت على هذا البحث لمدة سبع سنوات من عام 1989 الى عام 1996 ، ثم توقفت لخلاف مع مصلحة الآثار المصرية. كذلك استند في إشارته الفنية لأحداث الثورة العرابية الى مرجعين أساسيين أحدهما لعبد الرحمن الرافعي والثاني لألفريد بلنت.

على أن الواقع والتاريخ وطبيعة العلاقات والممارسة الاجتماعية ، والحروب القبلية التي أملتها عادات وتقاليد ومصالح فئوية راسخة في الواحة في ذلك الزمان ، قد تم توظيفها توظيفاً جمالياً في ثنايا السرد ، فالمناخات السائدة: انقسامية ، قبلية ، عدائية ، تناحرية ، على السلطة الاقتصادية والاجتماعية ، بين تجمعات بشرية مغلقة ، تعاني فيها المرأة أقسى أنواع القمع والكبت ، وبخاصة المرأة الأرمل التي يفرض عليها المجتمع ألا تغادر البيت قبل مرور أكثر من مائة وثلاثين يوماً ، لا تغير ملابسها ولا تستحم. وتحضر في الرواية أسماء أعلام وشخصيات مصرية مثل: عبدالله النديم وعرابي ، وفلاسفة وشخصيات تاريخية مثل: الاسكندر ، هيرودوت ، أفلاطون ، سقراط ، أرسطو ، هوميروس. علاوة على صحيفتي المؤيد والمقطم ، ومعبد أم عبيدة وأماكن أثرية وقروية ذات بعد واقعي واجتماعي حقيقي. وبالاستناد إلى جوانب من واقع الحياة المصرية ، والتجمعات البشرية في سيوة في ذلك الزمان ، أنشأ بهاء طاهر عالمه المتخيل عبر بناء سردي محكم ، تأسس على حكاية المأمور محمود وزوجته الإيرلندية كاترين ، الباحثة التي تتقن خمس لغات ، وتصر على مرافقة محمود إلى واحة سيوة ، وفي ذهنها هدف أساسي يتمثل في العثور على قبر الاسكندر الأكبر ، ثم ما تلبث أن تحدد هدفاً آخر هو حل اللغز الكامن وراء تقوقع أهل سيوة وعجزها عن كسب ودهم لغاياتها الخاصة. وبوصول فيونا (شقيقة كاترين) ووصفي (جاسوس الانجليز على محمود) ، وظهور شخصية الشيخ يحيى في تضاعيف السرد ، تكتمل دائرة من العلاقات شديدة التوتر في داخل الشخصية الواحدة ، وبين الشخصية ومحيطها الاجتماعي.



دائرة التوترات



وإذا ما رصدنا ملامح التوتر الداخلي للشخصيات الرئيسة ، ستبرز أمامنا المشاهد التالية:

- التوتر الداخلي: وهذا يكاد يسم جميع الشخصيات:

محمود : متوتر أصلاً في داخله من عجزه عن تحديد موقف وطني حاسم إزاء الانجليز وثورة عرابي. ومتوتر جراء قبوله أوامرهم والاذعان لها وتنفيذها بالاكراه ، بما في ذلك ابتعاثه في مهمة خطيرة إلى سيوة ، وإن اتخذت شكل الترقية المهنية.

كاترين : متوترة دائماً ذاتياً لعجزها عن حل أي من الألغاز التي جاءت الى سيوة من أجلها.

الشيخ يحيى: متوتر ذاتياً لعجزه عن تغيير عادات مجتمعه المتخلفة ، والدامية في بعض الأحيان ، وهو الشيخ الأكثر استنارة بين أبناء جيله والذي ينشد السلام الأهلي لمجتمعه ، والحرية الانسانية للمرأة.

فيونــا: متوترة لخسارتها حبيبها الأول الذي اختطفته منها أختها كاترين وتزوجته دون أن يرتبطا بعلاقة حب ، ناهيك عن توترها الأشد الناجم عن مرض لا يرجى منه شفاء.

وصفي: متوتر لطبيعة المهمة الحساسة الموكولة إليه بالتجسس على محمود ، وهو توتر الجواسيس الدائم بطبيعة الحال.

إذاً ، نحن أمام شخصيات التقت في الواحة وهي تحمل توتراتها الخاصة ، فإذا ما أُضيفت الى هذه التوترات الشخصية ، توترات ناتجة عن التفاعل الاجتماعي بين الأشخاص في بيئة الواحة ، سنرى الصورة على النحو الأتي:

محمود:

- متوتر في علاقته مع كاترين التي تطالبه بالاهتمام الشخصي بذاتها ، وتُلح في ذلك باستمرار.

- ومتوتر من مهمته في فرض مزيد من الضرائب على أبناء بلده.

- ومتوتر من وجوده في واحة تحيط بها الصحارى والأسوار من كل جهة.

- ومتوتر من طبيعة الواقع البشري في بيئة لا يمكن التوقع بتطوراتها.

- ومتوتر من هيمنة المستعمر على بلده وإحساسه بالهزيمة الداخلية.

- ومتوتر من وجود زميل جاسوس يعمل لصالح سلطات الاحتلال الى جانبه شخصياً.

وكاترين:

- متوترة من عجزها عن الحركة الحرة في المنطقة ، وإحساسها بالغربة والاغتراب في الوقت ذاته ، وعدم قدرتها على التواصل الإنساني والثقافي والاجتماعي مع المجتمع المحيط.

- ومتوترة لإهمال محمود لها نفسياً وعاطفياً وجنسياً.

- ومتوترة لوصول أختها (فيونا) التي تذكرها بخطيئة سابقة.

كما أن التجمعات البشرية القبلية التي تعيش في المنطقة ، في حالة توتر متواصل ، ومستعدة للتناحر الدموي في أية لحظة صراعاً على السلطة والمصالح. لا بل إن الطبيعة الجغرافية في المنطقة لا تخلو من توتراتها الخاصة من سيول وجفاف وضوار وقوارض لا تتيح للمقيم أن يخلد الى راحة أو اطمئنان.

هذا البناء الفني لشبكة العلاقات المتوترة بين الشخصيات هو بحد ذاته عالم مُتخيل يرخي ظلاله على الواقع ، ما دفع الكاتب لأن يبحث عن شكل سردي ينسجم مع هذا العالم المتخيل. قسّم المؤلف روايته الى قسمين: القسم الأول قدّم فيه الشخصيات والفضاء الروائي والأحداث ، فيما تابع تسلسل الفصول في القسم الثاني الذي تميز بأنه سيشهد رحلة محمود في المواجهة الذاتية وصولاً الى لحظة الحسم. على ان السمة الأبرز للبناء السردي لواحة الغروب ، هي أن المؤلف يقدم الشخصيات الأساس في العمل فرادى ، وينأى بنفسه عن وصفها أو إخبارنا عنها في شكلها الخارجي أو حالاتها النفسية وما إلى ذلك. وكان كمن منح لكل شخصية منبراً بين الحين والآخر تعبر من خلاله عن أفكارها وقلقها وأزماتها ، وتروي عن الآخرين. وبدا الكاتب كما لو كان يعبر عن ممارسة فنية ديمقراطية لا يتدخل فيها في عرض الشخصيات ولا في فرض أفكاره عليها ، وبهذا قدمت الشخصيات نفسها وانفعالاتها وأزماتها بنفسها عبر فصول مستقلة من حيث الشكل ، لكنها في الوقت ذاته تواصل حياكة النسيج السردي للرواية. وحتى حين جمع المؤلف في الفصل الثالث عشر من القسم الثاني ، كلاً من كاترين ، ومحمود ، والشيخ يحيى بعد اغتيال مليكة ، لم يقدمهم في مشهد فني حواري جماعي ، بل قدموا أنفسهم فرادى ، وسرد كل منهم رؤاه وآراءه ، وروى عن غيره ، مواصلاً سرد الحكاية.

وإمعاناً في تعميق الانقطاع الاتصالي بين الشخصيات ، لجأ الكاتب إلى أسلوب لغوي سردي ينحو في التعامل مع الموقف الحواري منحى لا يسجل الحوار بصيغته المباشرة بل يتحول في معظم المواقف إلى كلام منقول غير مباشر ، يرد على لسان الشخصية التي تتولى السرد في الموقف ، فأسهم ذلك في تشكيل خطاب روائي يدلل على عمق العلاقات المتوترة ، وغياب التواصل الانساني بين الشخصيات ، إلا فيما ندر. كما أن هذا النمط السردي اللغوي إنما يعكس حالة العزلة والاغتراب التي تعيشها الشخصيات ، والتي تقضي الكثير من وقتها في استرجاع الماضي ونبش الذاكرة والتأمل القلق. إن انغلاق السرد عن الحوار الطبيعي والمباشر بين الشخصيات ، إنما يتكامل فنياً مع انقطاع الاتصال الفعال بينها أيضاً ، مثلما يتماهي أيضاً مع بيئة الصحراء المحيطة بالواحة. إن الصحراء بحد ذاتها مكان مفتوح ، ويبدو كما لو كان مكاناً لانهائي الامتداد ، لكنه مغلق في أبعاده الإنسانية والاجتماعية.

على أن أبرز تجليات التخييل في واحة الغروب هي حضور الاسكندر الأكبر كشخصية من شخصيات العمل الفني ، ليحكي قصته ، مبتدئاً بمخاطبة (كاترين) التي جاءت لتقلق منامه بحثاً عن قبره. إن المخيلة التي استنطقت شخصية الاسكندر ووضعته في إطار متخيل سردي لاشك أنها دفعت بالتخييل إلى أقصاه لتصل به الى عالم ينطوي على ملامح الفانتازيا أو الاسطورة. لقد تجرأ بهاء طاهر على أن يبعث بالاسكندر الاكبر حياً على الورق بعد (2363) عاماً من ولادته ، لنواجه به أمامنا يسرد قصته بلسانه ، ويروي لنا أخبار فتوحاته وانتصاراته ، ويحدثنا عن ولادته الميتافيزيقية وألوهيته فيما بعد. فأي وظيفة فنية حققها المؤلف من خلال هذا البعث التخييلي لقائد عسكري أمضى حياته في حروب قُتل فيها الآلاف من البشر؟

بداية ، لابد من القول أن البحث عن قبر الاسكندر كان محركاً أساسياً للرواية ، وهو سبب مرافقة كاترين لزوجها محمود في الرحلة ـ المهمة الى سيوة ، فمن حيث السياق الفني والبناء السردي لا يشكل حضوره عملية مفتعلة ، لكن السؤال الذي يبرز هنا لماذا حضر شخصية ناطقة ، ولم يقدم من خلال سرد غير مباشر؟ يقيناً أن بهاء طاهر لو فعل ذلك لسقط في فخ التأريخ المباشر لشخصية يمكن للقارئ أن يستقي معلومات عنها من المصادر المتوافرة العديدة. ولكن الكاتب بعث فيه الحياة مجسداً لشخصية فنية ذات حضور ملموس ، وبالتالي وضعه في سياق سردي منسجم مع البناء السردي للرواية التي تقدم فيها الشخصيات نفسها بنفسها ، فبدا واحداً من شخصيات العمل. هذا على مستوى الشكل ، أما على مستوى المضمون ، فإن حضور الاسكندر يعمق رؤية المؤلف في الثيمة الأساسية للرواية والمتمثلة في تصوير التوتر التاريخي لعلاقة الشرق بالغرب. إن الاسكندر ، الذي يبعث على الورق ، ممثلاً للقوة الغربية الغاشمة ، ما يزال على العنجهية والعجرفة ذاتهما ، والتفوق العنصري والعسكري ، واحتقاره "للآخر" ، والتغني بأمجاد القوة والقهر والاستعباد ، والانتصارات على جثث الآلاف من البشر. وليست كاترين في نهاية الأمر إلا إفرازاً من إفرازات هذه الثقافة الاستعلائية ، وهي التي نطقت منذ الصفحات الأولى للرواية: "والدي أول من علمني أن أحب الشرق وأعشق آثاره ... بشرط أن أبقى بعيداً عن ناس الشرق الأحياء. هم فقط مستودع للتاريخ ، يجب أن أتذكر دائماً أنني إيرلندية وكاثوليكية".

والحقيقة أن تأملاً فنياً للفصل السابع من الرواية ، وهو الفصل السابق على انبثاق الاسكندر كشخصية من شخصيات النص ، يمنحنا مفتاح الولادة الفنية للاسكندر في الفصل الثامن من الرواية. ذلك أن الفصل السابع كان فصلاً لكاترين ، فيما كانت تقوم بجولة لحل لغز الاسكندر ، وفي حالة من الإحباط الشديد تواردت خواطرها على النحو التالي:

"لو تساعدني روح الاسكندر، معي ذلك الكتاب عن تحضير الأرواح فهل أستخدمه؟ لكني لا أؤمن بتحضير الأرواح ، وعندي أسئلة حتى عن الأرواح نفسها. كفى عبثاً ... إلى العمل،؟ "



استحضار الاسكندر



في الفصل الثامن مباشرة يحضر الاسكندر شخصية من شخصيات الرواية سارداً سيرته الذاتية. والتفسير الفني التخييلي ، غير الاسطوري لهذا الحضور ، هو أن الاسكندر الذي يحتل مساحة واسعة من الحالة الذهنية والوجدانية لكاترين ، إنما وُلد في الفصل اللاحق انطلاقاً من لا وعيها. إن كاترين التي تعتز بنهجها العلمي في البحث والتفكير ، تكشف هنا عن حالة من التناقض الصارخ مرتين: مرة بتوسلها لروح الاسكندر لمساعدتها ، ومرة أخرى باصطحابها لكتاب في تحضير الأرواح في الوقت الذي تزعم فيه أنها لا تؤمن بتحضير الأرواح ، بل أنها تشك في الأرواح أصلاً. هذه الحالة المتناقضة هي التي تدفعنا للقول أن انبثاق الاسكندر الأكبر في الفصل الثامن ما هو إلا فصل عن الاسكندر في لا وعي كاترين ، رغبةً منها في استحضار روحه عبر استحضار سيرته ، فتتخيله أمامها قائداً عسكرياً فريداً يبدأ سيرته بالحديث إليها. وما كان حضوره في فصل مستقل وكشخصية من شخصيات الرواية إلا انسجاماً فنياً مع البناء السردي للرواية.

وعلى الرغم من هذا التفسير الفني لحضور الاسكندر كشخصية مرجعية في الرواية ، والذي قد ينطوي على شيء من المنطق النقدي ، إلا أن السؤال الثاني الذي انبرى بعد السؤال الأول يقول: ما الدلالة الواقعية الآنية لهذا الحضور؟

من يقرأ فصل الاسكندر بنوع من التدقيق في اللغة والوصف والمضمون ، سيعثر على مؤشرات ذات صلة بالواقع. فلنتأمل هذه العبارات التي ترد على لسان الإسكندر:

- هي الآن حربي باعتباري إلهاً للعدل أبسطه في الكون.

- حرب الأخيار ضد الأشرار.

- وكان عدلاً بعد ذلك أن أدمر تلك العاصمة وأن أحرقها.

- لم أهتم بتململ جندي من اليونان والمقدونيين.

- دانت لي الأرض.

- سأصنع عالماً جديداً على غير مثال ، عالم تتحد فيه أجناس البشر وتتكلم لغة واحدة.

- هو [أرسطو] يريد دولةً وسطاً لا هي بالكبيرة ولا بالصغيرة ليسهل حكمها أما أنا فبنيت امبراطورية بامتداد العالم.

هل يمكن لنا أن نقرأ هذه العبارات من دون أن نعثر على معادلها السياسي في عالم اليوم ؟ الناطق هو الاسكندر ، أما اللغة فما تزال تصمّ إذاننا في خطابات الرئيس الأمريكي المنصرف جورج بوش.

إن السرد ممتع ومثير ، وقد يكون سلساً إلى درجة تفلت منا فيها مفردات وعبارات يوظفها الكاتب بمهارة عالية متولدة عن الخبرة والاحتراف. وفي هذا السياق فإن انبثاق الاسكندر ، علاوة على التسويغ الفني الذي تضمنته هذه الورقة ، إنما جاء ليسقط التاريخي على الواقعي ، والماضي على الحاضر ، في لعبة تخييل ماكرة وسرد يتوالى بدهاء شديد ليخفي معلماً هاماً من معالم الرواية. ألا يُسقط بهاء طاهر ماضي الغرب على حاضره في علاقته بالشرق؟ أليست هي العلاقة ذاتها المتوترة منذ ما قبل الميلاد؟ أليس هو الخطاب ذاته ، خطاب القوة والهيمنة؟ أليست (فيونا) مجرد حالة استثنائية تستحق التقدير ، ولكنها في محصلة الأمر تمثل حالة أخلاقية جزئية لا تمثل بالقطع جوهر العلاقة بين طرفين وحضارتين؟

هذا العالم التخييلي الذي بناه سردياً بهاء طاهر في "واحة الغروب" لم يكن عالماً منبتّ الصلة بالواقع ، بل كان الواقع في ثيماته الأساسية يتمدد في ثنايا السرد ، فيما يتولى التخييل بناء هذا العالم بفضائه وبشخوصه ولغته وتفاصيله. إنه عالم اللاتواصل والتناقض وغياب الحوار ، والتأزم وغياب اليقين ، وعدم الثقة. عالم كان لابد له أن يواجه مصيراً حتمياً. فما الذي فعله الكاتب بهذا العالم الذي شيّده ببراعة ومهارة عاليتين؟

سيشهد محمود حالة من التحول واستعادة الثقة بالنفس ونبذ الخوف والتردد ، فيعلن عن موقفه صراحة في تأييده لثورة عرابي ضد الانجليز.

فيونا ، شقيقة كاترين ونقيضها الإنساني ، يشتد عليها المرض فتلفظ أنفاسها في الواحة. أما كاترين ، رمز الغرب المتسربل بالعقلانية والعلم والموضوعية والانتاج ، والذي يخفي تحت ذلك كله احتقاراً للشرق المتخلف وأناسه غير الحضاريين ، فتبقى رهن المجهول بعد أن يقوم محمود بتفجير المعبد ، مختاراً أن يموت تحت ركامه في عمل رمزي فردي هو في حد ذاته انتحار شخصي رأت فيه الضحية وسيلة لتفجير الماضي والتطهر من أدرانه.

في واحة الغروب تقابل الغرب والشرق في رحلة حملت من التخييل الشيء الكثير لكنهما لم يلتقيا ، وهو ما يحيل إلى عالم غني برمزيته ودلالاته الواقعية.



ناقد اردني





Date : 07-08-2009

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش