الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محاولة الخروج على النص أم محاولة إخراج النص عن سياقه

تم نشره في الجمعة 4 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

مهدي نصير *



في روايتها الخامسة « س « تقترب كفى الزعبي عضوياً من النص السائد وتعمل على تفكيكه برويَّةٍ وواقعيةٍ ودون تدخُّل أيدولوجي وشعاراتي ودون تدخُّلٍ مباشرٍ في حركة وتطوُّر الشخصية المحورية في النص والتي تحمل عقدة النص الروائي وعقدة النص التاريخي الذي نعيشه والتي حملت الرمز الجبري « س « والذي يدلُّ أيضاً على أن هذا المتغير « س « ما زال متغيراً وغيرَ محدَّد الهوية والقيمة.

 س شخصيةٌ واقعيةٌ وموجودةٌ ولكنها شخصيةٌ غيرُ نمطيةٍ وغيرُ سائدةٍ وتتحرَّكُ ضمن نصوصٍ متعدَّدةٍ وليس في نصٍّ واحدٍ، فسياق المؤلفة نصٌّ آخرُ متحقِّقٌ وإن كانَ غيرَ سائدٍ، وسياقُ الحيِّ الذي تعيشُ به س نصٌّ مسيطرٌ وسائدٌ ومتخلِّفٌ في الوقتِ نفسه، كذلك فسياق صديقة س اليسارية والمهتمة بحقوق المرأة وسياق الشاب اليساري والذي كان الحبَّ الأول لِ س وسياق صاحب المكتبة كلُّها نصوصٌ جزئية من نصٍّ أكبرَ تتحرَّك في فضائه س، ولكن النص المسيطر والخانق والمتخلف هو السياق الحقيقي والفعلي الذي يؤثر في حياة وحركة س.

كيف تواجه س هذا النص الخانق والمتخلف وتدخل في النص الحقيقي الذي يمثلها ويمثل حياتها، هذا هو سؤال الرواية الجوهري والذي أعطت فيه المؤلفة حريةً واقعيةً في تتبُع تطور بحث س عن الخلاص من خلال بحثها عن حركة س الفعلية في مواجهة مصيدة النص السائد.

في المحكمة أو ما يمكن تسميتها « عدالة النص المسيطر « والقضية التي رفعتها س ضد محاسب المحكمة الذي أهانها لأنها « أنثى «، تتمثل في هذه المحكمة هزالة عدالة النص المسيطر الشكلية والفارغة من محتواها مما يؤسِّس لمقولةٍ جديدةٍ في سياق بحث س عن خلاصٍ من اختناقها وبؤسِها بعد تنازلها عن القضية لانحرافها عما تريد.



في الرواية ينمو الخواءُ والخوفُ والجهلُ والموتُ الذي يظهر في كلِّ شكلٍ من أشكال الحياة في النص / لذلك تعلق المؤلفة أو ربما س - حيث يتداخل أحياناً صوتاهما في الرواية - أن هذا السياق المرعب والمتخلف والخالي من الحياة لا يمكن أن ينصفني.

ما الحل؟

هذا سؤالٌ أساسيٌّ حاولت كفى الزعبي أن تتأنَّى في الإجابة عليه وأعطت الحرية لِ س لتُشكِّلَ محاولاتها للخلاص.

مشهد خلاص س وتمردها على النص لم يخرجها من مصيدته ولم يحرف النص السائد عن مساره ولكنه نقل - ذهنياً - س من نصٍّ سائدٍ تاريخيٍّ إلى نصٍّ ذهنيٍّ غيرِ قادرٍ على مواجهة خواء النص السائد وتحجيمه ولكنه أعطى س المفترضة فسحةً مؤقتةً للخروج من شِباك النص للحظات تتنفس بها وتعود خاسرةً ومُتعبةً ومهزومة.

هناك وعيٌّ حاد في الرواية بالفرق بين التمرد على النص وبين محاولة تغيير النص، نقرأ ذلك في الحوار العميق الذي دار بين صاحب المكتبة و س بعد تمردها على الحيِّ والنص السائد بشكلٍ علنيٍّ،:

« - ولكن - قال - إذا كنتِ تشفقينَ عليه، أو عليهم جميعاً، فلماذا تحاولين الخروج من النص، أقصد نصَّهم؟ لماذا لا تحاولين تغيير هذا النص؟

-إن هذا لمضحك حقاً! قالت وهي تنفجر بالضحك، من يغيِّر النص هو المؤلف ولستُ أنا! أنا إحدى شخصيات هذا النص! « ص 243

ويجب أن نلاحظ أن س الرواية كانت شخصيةً مهيأةً لقبولِ نصٍّ جديدٍ بسبب ثقافتها ووعيها، ولكن س الأخرى التي تشفق عليها الرواية شخصيةٌ أخرى وغيرُ مهيأةٍ ولا تمتلك نصَّاً بديلاً تتحرَّكُ في فضائهِ.

ربما كانت س التي تبحث عنها الرواية هي امرأةٌ أخرى غير المرأة التي تمرَّدت على الحي وعلى الشيخ علي وعلى أبي إبراهيم وأبي محمود وأم قاسم وأم إبراهيم، ربما كانت س هي امرأةٌ غير مثقفةٍ ولا تعرف محمد عابد الجابري ولا تعرف مسخ كافكا ولا تعرف عوالم دستوفسكي ولا موسيقى بتهوفن وترفض النص السائد لأسبابٍ أخرى بعيداً عن السياقات الثقافية التي شكَّلت بظروفٍ غير نمطيةٍ وغير سائدةٍ وعيَ س؟؟.

هذه الرواية بلغتها الرفيعة وثقافة مدخلاتها وتحليلاتها المبررة - حيث كان صوت المؤلفة صوتاً من أصوات الرواية الأساسية مما أعطى الرواية هذا التضاد بين وعيٍّ متقدمٍ يبحث عن أن يكون وعياً سائداً وبديلاً لهذا الوعي الزائف الجامد والخالي من الحياة - تشكِّل قراءةً روائيةً للواقع العربي بخوائه وضجره وتخلفه وتبحث عن تفكيك هذا الخواء في اتجاه تحجيمه ومنح الحياة والناس في هذا المجتمع المنكوب بصيصَ أمل.

ملاحظة أخيرة حول نهاية الرواية وفي الحوار الذي دار بين المؤلفة وصاحب المكتبة وعيٌّ دفينٌ أن س التي يتحدث عنها صاحب المكتبة ليست س التي تبحث عنها المؤلفة:

« - لا أدري ما أقول، فأنا في الحقيقة أخطأتُ، إنها ليست صديقتي، اكتشفتُ ذلك منذ فترةٍ بعد أن جمعتني صدفةٌ غريبةٌ بصديقتي القديمة! إن تلك المرأة تشبهها فعلاً، لكنها ليست هي!. « ص 253





* شاعر من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش