الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في مجموعة أقتفي خطو ذاكرتي للشاعر هشام عودة

تم نشره في الجمعة 4 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

موسى الكسواني *



يمتطي هدوءه الغاضب فوق أجنحة الأيام والسنين، وتلبس شهقاته أنفاس الوطن؛ من أجل أن تظل ذاكرته مخضرة بأمل العودة إلى أنفاسه الأولى، وخطواته الأولى، وإلى أول ملعب لعب على ترابه مع أقرانه، ولأنه المناضل والشاعر معا ظلت عيناه المتعبتان تنظران عبر بصيرته النفاذة إلى لون الربيع في وطنه الذي استبعد عنه قهرا في هذا الليل العربي الدامس الذي فقد فجره وما زال دون إشراقة كي يضاء.

لقد صيره الشتات عاشقاً لفكرة العودة المشرفة؛ ومناضلا من أجل تحقيق الحرية للأرض العربية حاضنة الإنسان العربي الحاضن بدوره للعقل وللوعي الحضاريين؛ لكنها الأيام تمضي دون أن تلقمه لقمة سائغة من السعادة التي ما زالت تبحث عنه أو يبحث عنها، كي يلتقيا على نحوٍ يحقق من خلاله ما يصبو إليه.

إنه الشاعر هشام عودة المناضل والإعلامي المجاهر بحبه الحامل لكل القيم التي تعلمها في مناهجه الحياتية، النضالية منها، والإبداعية.

وها هو يرصد في مجموعته «أقتفي خطو ذاكرتي» طفولته وينابيع تكوينه الأول بعد أن خذلته حتى كتبه التي تعلم من خلالها أن يرسم خريطة الوطن العربي الكبير شعراً ونثراً، وبعد أن اختُطِفت منه أحلامه الجميلة بالعودة وحق تقرير المصير، وبعد ان سلب منه ومنا كل الوطن العربي من محيطه إلى خليجه.

أراد الشاعر في أنين وداعه الأخير أن يرى قبر أمه الراقد في ركن ما في قريته كفل حارس منذ ما يزيد على العشرين عاماً منتظراً عيني ابنها الحبيب كي يسلم عليها السلام الأخير.

هذا هو هشام عودة الذي نعرفه وتعرفه إذاعة فلسطين وإذاعة بفداد وإذاعة أم المعارك، والصحف، والمجلات العربية الثقافية.

هشام عودة أخيراً يقتفي أثرخطوه، ويستحضر ذاكرته القديمة في كل زاوية وركن وزقاق مرَّ به ، وحين يمر حيث كان يمر، يوم كانت له حرية المرور من غير استئذان من شرطي، أو دورية، أو من خوف عابث بقلبه الكبير، وهو يلاحق حبيبته آنذاك من غير أن تعي أو يعي هو أنهما سيفترقان ذات يوم، حينذاك جاءته ذاكرته المحملة بأطياف الماضي بانسيابية جميلة، وخطوات هادئة لتقول له ما ردده شعرا:

«وأرسمُ بعضَ ملامحها الغامضةْ/ أعودُ صبياًً/ أعود إلى حيثُ كانتْ/ إلى حيثُ كنّا/ أعودُ إلى شارعٍ ضيقٍ/ كان لي/ من هنا كنتُ أحمِلُ شريانَ قلبي/ لعلّي أراها/ وأرقبُ مشيتها/ وهي تعرفُ موعِدَنا/ في الطريقِ إلى المدرسة».

إنه يتذكر أولى القصائد التي نظمها وقرأها على مسامع الطلاب، وهو ما زال على مقاعد الدرس؛ ذلك لأنه أحب اللغة العربية، وأحب منذ صغره رسم خارطة وطنه العربية الكبير.

إن هشام عودة في (أقتفي خطو ذاكرتي) يحمل وهمه الذي ظل زمنا طويلا يشاغبه ويداعبه ليفرش سخريته الحمقاء أخيراً على رمل الطريق في بلدته (كفل حارس) ، لكنّ الطفل ظل حاضراً في ثوب الزمن الطويل وهو يمضي غير عابئ بكل ما يجري، تابعاً ذاكرته الممزوجة بالفرح والدموع والنحيب معاً.

تغويه الذاكرة الموجعة كي يمرّ بالتفاصيل الدقيقة من حياته: بيته، وبير الرصاص والشوارع، والمدرسة، والأزقة، ووالده عبد الحميد، وأخواته وإخوانه، وأصدقاء طفولته.

كل هذا يمر في سجل ذاكرته المتوقدة، فيبتسم لها حينا، و يتعثر بدمعه أحياناً؛ لكنه ينوح ساجداً عند قبر أمه الذي تأخر عنه مدة عشرين عاماً، ليعود طفلاً يتيماً جائعا ظامئا مفجوعاً بفقد يدي أمه الحانيتين، أو حضنها الدفيء؛ كي يطرد برودة الغياب، ورطوبة الشتات، وقهر السنين، وخذلان العبث السياسي العربي، فيصور المشهد في أروع صورة بكائية يمكن أن تتخيلها ذائقة المتلقي الشفيف:

«وقفتُ على طَرَفِ القبرِ/ أسألُ عن لحظةٍ لم أعشْها/ وعن لحظةٍ سرقتْها البلادُ الغريبةُ/ من دفتري/ وقفتُ أردِّدُ ما كنتُ أحفظُهُ/ من قِصارِ السُّوَرْ/ تحسَّستُ شاهدةَ القبرِ/ قلتُ بصوتٍ خفيضٍ:

تأخرتُ عشرين عاماً/ فهل تغفرينْ؟

على طَرَفِ القبرِ/ سالتْ دموعٌ مخبَّأةٌ/ في قميصِ السفرْ/ وسالتْ على الأرضِ/ قبلَ الغروبِ/ دموعُ الشجرْ/ تأخرتُُ عشرين عاماً/ ولم تغلق البابَ يوماً/ وظلَّتْ على وعدِها تنتظرْ/ خذلتُكِ/ لكنني مُدرِكٌ/ بأنَّ السماءَ ستفتحُ لي بابها/ ولي حُصتي من حنانٍ عتيق»ٍ

إن «أقتفي خطو ذاكرتي» مجموعة من التأوهات على قارعة الذاكرة تحمل أعباء الستين من عمر الشاعر وتحمل في انثيالاتها ما حمله العابر بلا عبور من ألم، ووهم، وحسرة، ودموع، إلا أنها تشكل في مجملها سيرة ذاتية شعرية جوّدتها لغة سامية، وعاطفة جياشة نبيلة، وأسلوب سلس داهش.



* شاعر من الأردن



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش