الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الجسد كخطاب كوني في قصص نبيل عبد الكريم

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:25 مـساءً
محمد فائق البرغوثي *
يبدو أن المحرك الأساس لفواعل السرد في بعض قصص مجموعة (مصعد مزدحم في بناية خالية) والذي يصنع عقدتها ويقودها إلى لحظات التأزم لا ينبني على تلك الدوافع التقليدية التي تبدو طافية على سطح الأحداث في مفتتح السرد، وإنما تنبع من لحظة (طارئة) دخيلة على ظاهر الصراع الداخلي للشخصية القصصية؛ فالبرغم من عودة الزوجة إلى بيتها دون ثديها الأيمن نتيجة استئصال الورم السرطاني في قصة (عضو جديد) إلا أن افتتان الزوج بها لم ينقص وعين الشهوة لازالت تلازمه وهو يرقبها تتعرى أمامه للمرة الأولى بثديها الصناعي الجديد، تغيير لايذكر في جدول حركاتها المعتاد وهي تخلع ثيابها جعله ينفر من منها ويشعر أنها أمست امرأة أخرى؛ فبدلا من أن تخلع حمالة الصدر أولا ثم الكلسون ، فعلت العكس .
إن هذا التغيير الطفيف الطارئ في نظام حركاتها والذي لم يتغير طيلة فترة زواجهما، خلق في نفس الزوج اضطرابا وفوضى داخلية، وهنا، في هذه اللحظة تحديدا، يأخذ الجسد أبعادا جديدة تتعلق بدلالات الأنا في الآخر وتتجاوزه إلى مفهوم أبعد؛ إلى خطاب كوني، يصبح فيه الجسد محكوما لنظام ثابت ونواميس دقيقة، وتصبح حركة الجسد بمثابة تعبير رمزي يختزل حركة الكون في ميكانيكيتها وانضباطها، تناغمها وانسجامها. إنه هذا التناغم الجمالي والتعاقب الدقيق في حركة جسد الزوجة ، والذي أجاد السارد وصفه بحرفية عالية (حازم يتكئ على وسادتين فوق النصف البعيد من السرير وهي تخلع فستانها أمام المرآة ، كما اعتادت أن تفعل ما لا يحصى من المرات، وهي تعطيه ظهرها؛ الفستان أولا تليه الشلحة الداخلية ثم حمالة الصدر التي تترك ثلما أحمر على ظهرها، ثم الكلسون الذي يكشف عن الغمازتين المتقابلتين في أسفل ظهرها فتبدو مؤخرتها مثل قالب الجاتو الدائري المزين بحبتي عنب، ثم تستدير لتقدم له صدرها متحررا من قيد الحمالة ومسترخيا كباذنجانتين كبيرتين طازجتين فوق كثيب أملس يتقطر حول سرّتها وينحدر نحو فخديها).
ولذلك فإن أي فروقات طفيفة أو (رفرفة جناح) في مسار هذه الحركة الجسدية المتناغمة ودورتها الطبيعية، يمكن أن تسبب (شواشا) كبيرا واختلالا في المنظومة كاملة فتتعطل ميكانيكا التواصل الجسدي والجنسي والعاطفي بينهما، يتضح ذلك من ردة فعل الزوج، يقول السارد (لقد اختلت ساعة حازم الفسيولوجية قبل أن تخلع ميساء حمالة الصدر) ويتابع (عندما يسجد المصلي قبل أن يركع فهذا يعني أن صلاته باطلة، وعندما تفعل ميساء ما فعلت فهذا يعني أن اللقاء بينهما لن يتم هذه الليلة) .
وهذا يحيلنا إلى العمق السيكولوجي لأنماط الشخصيات التي يختارها الكاتب؛ فهي شخصيات معقدة التكوين، متعددة الأبعاد، ذات حساسية مرهفة في تعاطيها مع المؤثرات الخارجية والمتغيرات الطارئة خاصة فيما يتعلق بتحولات الجسد وخياناته؛ إنها نفس الحساسية التي جعلت الزوجة في قصة (عودة السيدة) تقيم حواجز نفسية وجسدية مع زوجها وكأنه شخص غريب؛ تغلق فتحة الصدر من ثوبها عندما تنحني أمامه وتشدّ أطرافه عندما تزيح الغطاء عن قدميها ، ثم تغطي وجهها بيديها إذا رأته يتأملها ، محاولة أن تخفي ذبولها وتحول جسدها إلى خرقة بالية من الجلد ، وفي مشهد مقابل آخر غاية في السخرية ، تُلقي الحواجز الجسدية بتبعاتها وتأثيراتها على العامل الزمني (العمري) والسيكولوجي لكلا الزوجين في قصة (عضو جديد) ؛ فيغدو الزوج كصبي مراهق، وهو يسترق النظر من تحت الطاولة إلى الجزء الداخلي المعتم من فخدي زوجته، صبي مراهق يقلب صور الصدور العارية في حاسوبه ويختار كبيرة الحجم منها تعويضا عن العضو الغريب (الفتي والمشدود كثمرة عالية) الذي أقحمته ميساء في جسدها وكان سببا في انقطاع العلاقة بينهما، فيما تبدو الزوجة كعاهرة مبتذلة وهي تفك أزرار ياقة الثوب وتنحني إلى الأمام كاشفة عن معظم ثديها له .إن حساسية الزوج المرهفة جعلته يحيط جسد زوجته بهالة من القداسة، قداسة لا يجوز المساس بها أو تغييرها، حتى لو كان التغيير للأجمل، فالزوج قد تقبل أن يرى زوجته بثدي واحد لكنه لم يتقبل عملية التجميل التي أعادة صدرها إلى شبابه. وهي الحساسية ذاتها التي جعلت مسعود في قصة (السكر زيادة) يتمنى أن لا تحتفل العائلة بعيد مولده وجعلته يرى أن كل ترتيبات الاحتفال ماهي إلا وسائل أعدت لتعذيبه وتذكيره بكهولته وتشوهات جسده أمام فتوة زوجته .
لقد استطاع القاص نبيل عبد الكريم عبر هذا النمط من الشخصيات إعادة بلورة الوعي بالجسد، في خطاب كوني وهالة من القداسة تتجاوز معطاه الحسي والايروتيكي .
يجدر الذكر أن هذه المجموعة هي الثانية للقاص نبيل عبد الكريم بعد انقطاع دام عشرين عاما وتشمل خمسة وعشرين قصة قصيرة، وهي من إصدارات دار الأهلية للنشر والتوزيع لعام 2016م.
* أديب من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش