الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رقص ونار * نازك ضمرة

تم نشره في الجمعة 30 آب / أغسطس 2002. 03:00 مـساءً
رقص ونار * نازك ضمرة

 

 
الولد الممتلىء اسمر وانيق، طويل رافع الرأس، لا يخفض عينيه الى الارض، يسير وكأنه في خلاء بعيد، ينظر الى الافق الابعد قبل غروب الشمس، حتى يحسب حساباته متى وكيف يصله، يدخل الباب الضيق، باب عادي، يعتبره ضيقا اذا قيس باتساع المكان، بكثرة ما فيه من السكان.
خرج من عند جمع الرجال لتفقد حاجات النساء، وحتى يضمن ان لا تقصر اخت او عمة او ذات قربى بالضيوف، او بالزوار المشاركين في الحفل.. والام ليست محسوبة لانها متعبة، او ربما حاضرة غائبة، اما الصحيح فهي تود لو تسكب دم قلبها في مناسبة كهذه حسبما يخطر بعقلها، مناسبة فرح ابنها الاخير الاصغر.
يدخل الابن الاوسط رافع الرأس الباب، ينظر يمنة ويسرة يتأمل كثرة الناس، وانشغالهم، وفي نفس الوقت يبحث عن اخيه العريس الاصغر سنا منه، اعجبه ان اغلب الناس مشغولون كل فيما تعهد به، وبرغم معرفتهم انهم حضروا للتعبير عن الفرح، او للمشاركة في اي امر يخفف الحمل عن اهل العريس، وكان هم اكثر الحاضرين من القربى يحاولون فعل ما يدخل البهجة الى نفس العروسين، عارفين انها لحظة العمر الاولى للعريس وعلى الاغلب الوحيدة، حتى ينسى الهموم والمتاعب والاعباء، لا يفكر الا فيما هو مقدم عليه، لحظات تجعله يحلق ويحلم ويتأمل ويخطط من اجل معمار جديد، يكوّن هو وزوجته ونسله شجرة جديدة او ربما قبيلة تحمي نفسها، وربما تحمي من جاورها، تفلح وتزرع وتحافظ على الارض لتوريثها لمن يأتي بعدهما كما فعل غيرهم، ولتخلق لنفسها مكانا آمنا تحيا فيه، متفاهمة راضية ان وجدت راعيا حكيما موجها.
يلمح الانيق الممتلىء الشاب اخاه العريس في القاعة القديمة، ليست قاعة بالمعنى العصري، بيت قديم واسع جدا، ذو عقود كثيرة متصلة، يقيم الناس الافراح فيه ايام البرد، كأنه مسجد اثري او مبنى لحاكم قديم غير معروف.
صحوت مرة بعد منتصف الليل وجدت البقرة تعاني وتلهث ظننت انها سوف تموت، هجمت على امي هائجا مضطربا قائلا: امي! امي! البقرة سوف تموت، سرعان ما استفاقت والدتي (تموت؟ ومن اين لنا بالحليب واللبن والجبن؟) وحين اضاءت السراج الثاني الاقوى، عرفت انها في حالة مخاض لتضع لنا عجلا جديدا، تقيم البقرة معنا في بيتنا القديم الذي كنا نقطن فيه، كانت ارضيته مقسمة الى مصاطب بمستويات ترتفع كل منها عن الاخرى، فالاولى كانت للبقرة، والمستوى الاعلى قليلا كان للدجاج والتخزين، والمستوى الثالث الاعلى لنوم الاسرة وطعامها، انشغلت والدتي بها، فخطر ببالي التبول.
- امي! امي! اريد التبول!.. تجيبني بهدوء، وبصوت منخفض، حتى لا تفيق بقية افراد الاسرة، وربما بقلة اكتراث: افتح الباب وبل في الساحة الخارجية.
- الدنيا ليل وظلام في الخارج يا امي، واخشى الخروج.
- انني مشغولة بالبقرة، وانت ولد وفي عمر ست سنوات، ومن كانوا في مثل سنك يذهبون لرعي الغنم والبقر في الحقول القريبة، افعل كما قلت لك ودعني اهتم بأمر بقرتك الحبيبة.
لمح هناك في الزاوية بقايا نارتكاد تذوي ووالده نائم يتنفس بصعوبة ربما من كثرة ما يدخن، او لان المخدة عالية او لكبر السن، على كل حال ليس لدى (صالح) الوقت ليفكر بأمور اخرى، تأمل النار، اقترب منها اطفأها بسائله، وبعيدا في الركن دون ان تسمعه امه، يحس بالندم، يسأل امه:
- هل تريدين مني ان اشعل لك النار يا امي! لعمل الشاي او لتسخين ماء عليها؟؟
تقترب من النار وسط الساحة كل من احست بالبرد من النساء، والنسوة يحسسن بالبرد اسرع من الرجل عادة، وخاصة في هذه الليلة فأغلب قريبات العريس يرتدين ملابس خفيفة، متزينات بأجمل ما عندهن، ملابسهن تكشف عن شعورهن واذرعهن وعن رقابهن او اعالي صدورهن.
واشعاعات الذهب والمجوهرات الرخيصة الاخرى تتلآلأ على ابدانهن، اي ان فتحات قمصانهن كانت واسعة ومنخفضة، وقد يبدو اجزاء من لحم لين غض منتفخ عند اطراف فتحات قمصانهن العلوية الواسعة..
لم تغير امي ملابس نومها، تقدمت من البقرة، غسلت يديها بقليل من الماء الشحيح في منزلنا، لتساعد البقرة في اخراج وليدها العجل السمين، وبقرتنا كانت سمينة، معلوفة جيدا، لاحظ اثداء البقرة المدلاة، فاستغرب كم هي كبيرة ممتلئة، لم ينتبه لصدر امه المنشغلة بالبقرة لحظتها، لكنه تذكر ان امه كانت كثيرا ما تقوله له: (انت لا تشبع، وبطنك كبيرة؟)، اشاح بنظره بعيدا ثم نظر الى جسده الممتلىء برغم صغره وهو في عمر ست سنوات.
هل كل يرضع الكثير من الحليب في طفولته ام لانه يأكل الكثير من الزبد واللبن والحليب من البقرة، وينافس العجول الوليدة حديثا؟
في قاعة الافراح لمح الاخ الممتلىء اخاه العريس من بعيد، تقدم اليه ونظراته مركزة عليه، كان الممتلىء فيه طول يفوق اقرانه، لا تراه طويلا بسبب امتلاء جسده، ليس في ترهل، لكن معدته في اعلى بطنه تبرز قليلا، اي انه لم يكن مستوي القامة من الامام، لمح صدور قريباته تهتز بوضوح وهن يرقصن او يصفقن، في حضرة اخيه العريس الصغير الواقف بينهن، ولمح امه وخالاته وعماته، ولاحظ انهن ادخلن اخاه العريس ليرى عروسته في ابهى زينتها، اقترب منه، شبك اصابع باصابع العريس وابتعدا قليلا، اختلى به في زاوية بعيدة عن العيون، كاد ان يلطمه كفين على وجهه، لكنه جذبه في كتفه بقوة وبشدة مرتين، ثم وضع اصبعه على فمه يأمره بعدم التحدث بحرف واحد، لم ينبس العريس ببنت شفة، وانما ثبت عينيه على اخيه الذي يكبره مستفسرا محتارا في سبب ضربه له، تذكر الاخ الممتلىء قسوته على اخيه العريس في يوم فرحته، لامه لابتعاده عن مواقع الرجال، وعلى بقائه طويلا عند النساء، لف يده اليسرى على كتف اخيه وحبيبه وهو يبعده عن موقعه بين النساء، نظرات الاخ الممتلىء نظرات صقر مفجوع يخشى ان يختطف فريسته من هو اقوى منه.
كان يرى النسر في عشه وبين صغاره في غابة بعيدة عن العيون، لكنه يعاني من ضعف او الم، يرفض الاستسلام لاعدائه الاقوى منه ولا للمرض والموت، فتبقى عيناه مفتوحتين، تطالعان الاجواء حوله والسماء، علَّ جسده ينتفض ليحلق ثانية، ليقتنص لنفسه صيدا يليق بمقامه وهيبته، يكفيه ويكفي عائلته، ويعيد القوة الى عظامه واجنحته وجسده.
يفهم الاخ الاصغر (صالح) ان امرا جللا حدث ولا بد ان يعرفه، وان اخاه الممتلىء (ناجح) يريد ان يقوله له، يقرب فمه من اذنه قليلا، لا ينحني كثيرا، كلاهما لا ينحنيان، يقفان رافعي رأسيهما يتأملان الناس الفرحين، شقيقتهما تزغرد، واختها الاخرى تغني، والثالثة ترقص، شابة صغيرة تتفنن في حركات عصرية درجت بين مجتمع البنات مؤخرا، تجمع بين حركات الجسد العنيفة وليونة المفاصل والخصر، خليط من رقص مصري وغربي ومحلي، موجات غنائية غريبة كثيرا لم نعتد عليها، لا ندري من اين ترد الينا؟ تجعل كبار السن والفاهمين والعقلاء يخشون على وقارنا وتراثنا، فن جديد يجبرك على تأمله والتوقف عنده مبهورا، لكنه كنار ضعيفة سرعان ما تطفئها برشة سائل من اي مكان، وما ان يتم للفتاة او الشاب تعلم الاغنية الجديدة حتى تبرز موجة جديدة غيرها مثل مطر شهر آذار، مطر جميل، زهور كثيرة، لكنها سرعان ما تختفي، والبنات يتنافسن في لفت انظار الشباب لهن في مناسبة عزيزة مثل ليلتنا، وحتى تتحدي نظيراتها من الفتيات المشاركات او المشاهدات كي يفعلن مثلها، وقعت عينا الاخوين على جسد اختهما المبهر وهي لا تتنبه لهما، بلباس عصري كاشف عن حسنات وتقاطيع ذلك الجسد الذي يشكل لوحة فنية، كل عضلة او شعرة او فتحة او حتى مسام في جسدها، يظهر فرحها، ويبين الغضاضة والاندماج والتحدي في عودها، تهيم وتنسى ولا يهمها كل ما يدور حولها، ولا ما يريد الخارجون او الداخلون، فرحة بعرس اخيها، ومعبرة بطيشها وحبها وشبابها عن ذلك الحب مع جمع من صويحباتها، جسد هائم مسبح في فلك ملائكي كهرماني، يسمو كثيرا عن ما الفته عيون البشر، تشكل ابداعا فريدا سريعا، عارفة انها ستغادر بعد دقائق بعيدا عن الاعين، لتفسح المجال لغيرها، سندريلا محلقة كي تجعل كل من رآها في حيرة، يبحثون عنها فلا يجدونها، حينما يحضر احد اخوانها الثلاثة او والدها. لن تعود الاخت الصغيرة ثانية حين ترى اي واحد من اخوانها الثلاثة، تختفي في عالمها الخاص تغير ملابسها وتعود للمساعدة في خدمات العرس بتواضع وبجهد مضاعف، مكملة تعبيرها عن حبها لشقيقها في يوم عرسه، تاركة المكان الرحب لغيرها كي يعبرن عن مشاعرهن كل بطريقتها، ندم ناجح لانه عنف اخاه العريس صالح قبل قليل، والفرح والحزن ارصدة كامنة في نفس كل حي، مع قدرة على الضبط او التفكير، لوحات فنية وحركات راقصة معبرة متتالية تخلب الالباب وتسحر العقول، كل ذلك جمد عيني الاخ الممتلىء ناجح متأملا مستمتعا.
لكن الاخت الصغرى لم تتنبه لما قام به شقيقها الاوسط ناجح ذو المعدة المندفعة والصاعدة للاعلى قليلا.
- ليتك تتخلص من بعض وزنك، وخاصة هذا الاندفاع في وسط بطنك، أليس ذلك دليلا على انك تأكل كثيرا حتى تضخمت معدتك، وعلا شحم خاصرتيك؟ خاطبه احد صحابه بحضور والده قبل شهور في تودد ومحبة.
- قلت لك مرارا انني لا آكل الا مرة واحدة في اليوم الواحد.
يتدخل والده في تلك الجلسة، حيث كانت الاسرة ملتمة مع زائر او اثنين من اصدقاء اولادهم الثلاثة، يتسلون ويتسامرون مجتمعين مرة او مرتين كل اسبوع، الاخ الاكبر منشغل بأسرته وبلحيته، او بالارض والزرع، وكيف يرضي زوجته التي لا تعرف تماما ماذا تريد، اما الممتلىء فقد بدأ يحتار هو الآخر كيف يستطيع هو وزوجته ان يوفقا بين ما هو جديد وما هو قديم، لكنه يفكر دائما بالغنى، ولم يكتشف طريقا واحدا له، لكن والده يقول له:
- اذن فأنت كسلان لا تتحرك، ولا تتمرن حتى تتخلص من تلك السعرات الحرارية الزائدة، فتتكدس في اعماقك، ونخشى عليك، ان ما يحز في النفس انك كنت مضرب مثل في الاعتدال والقوة، يهابك الرجال، وتلاحقك النساء والفتيات لجمال جسدك وتناسقه مع وجهك القوي المعبر، وصلابة الصخور القديمة الغامقة تنعكس على ملامح وجهك الجاد في معظم الاحيان.
- والدي! انني ما زلت قويا، واتحدى كل الشباب.
يهمس الاخ الاوسط ذو الكرش في اذن اخيه العريس بعد ان ابتعدا عن الناس، واطمأن من هدوء غيظه اخيه منه، واصبحت كل حواسه مهيأة، بل شغوفا بمعرفة ما يريد اخوه ان يبلغه:
كم حزن صالح ليلتها حين ولد العجل ميتا، نظر الى عيني امه، فرآها تغرورق بالدموع، كان سيصبح ثورا قويا ضخما لو سلم، تعسرت ولادتها تقول امه، حاولت مساعدتها قدر استطاعتي، كل ذلك وهي تخاطب نفسها في شبه هذيان، او انها تقنع نفسها انها لم تفعل خطأ ولم تقترف ذنبا تؤنب نفسها عليه، تتلمسه برقة، وتتمنى لو ان به بقية من حياة لتطلب مساعدة من احد لتدفئته، اصبح جثة هامدة، ولا يستفاد منه، اراد صالح ان يتكلم، ان يقول شيئا لامه، لكن حواسه هو الآخر تجمدت، فانزوى في ركن، واقترب من النار التي خمدت، وتمنى ان لو كان بها بقية من دفء، وندم على فعلته الطفولية وعلى الطريقة التي اطفأها بها، ولا يجرؤ على ذكره لامه، بعدها جرؤ وخرج لساحة الدار احضر حطباً، وبدأ يعيد اشعالها حتى تتدفأ امه في آخر الليل، وليصبح جو البيت الكبير دافئا في ليلة باردة من اواخر ليالي آذار.
- والدك يموت يا عريسنا الغالي، وانت تفرح هنا، ربما ننجح في ابقائه على قيد الحياة لساعات اخرى قليلة او ليوم او بعض يوم، حتى تكمل عرسك وفرحتك، فهيا معي لنرى والدنا الذي كان يجلس مع كبار السن من الرجال.
كم حزن حين استند على احدهم ومال، وانقطع عن الكلام، لكن عينيه بقيتا متفتحتين تنظران وتتأملان كل الناس، يريد ان يرى ويعرف كل من كان هناك، وربما يريد ان يقول شيئا او يودع الحاضرين.
لم يتفوه العريس الشاب الاصغر بكلمة، نسي الاهتزازات التي وقعت على كتفه ورقبته من يد اخيه ناجح قبل قليل، امسك بيد اخيه المتين القوي، وحاول تقليده في نظراته، ثم سارا بمحاذاة بعضهما الى باحة اجتماع الرجال، واعينهما تتجه الى الافق البعيد، لا ترف ولا تتحرك، متجمدة لا ترى الا الرؤوس والسماء والجدران العالية والاشجار الواقفة.
- لم تنته مهمتك يا والدي!، سنحضر لك الطبيب، وستعيش طويلا، لن تموت! قال اخوهما الأكبر لوالده، كان يسنده على كتفه، شاهداً دمعة صغيرة تنزل من عين و الدهما السليمة لحظة وصولهما، حين وجدا اخاهما الأكبر يهتم بالشيخ، رمز وحدتهما. تذكر ثلاثتهم نصائحه التي كان يكررها لهم:
(اريد لكم ان تكونوا نموذجاً يحتذى، دعوني اختصر ما اريده منكم ثلاثتكم: اتحدوا، تفاهموا، تعلموا كثيرامن الجامعات وممن حولكم وممن سبقوكم، او اعملوا في التجارة مشتركين حتى تكثر ثروتكم ويزداد تعدادكم ثم تقاسموا، احبوا النساء، وصادقوهن، ولكن احذروا تقلباتهن واهواءهن، لا يثبتن على حال، انهن نار لا تشبع من كثرة الحطب، اقتصدوا وحاولوا ان تكونوا اغنياء في النفس والروح والمال، ولا تحتاجوا الأنذال) ردد مثل تلك الاقوال عليهم مرات ومرات حين كانوا يجتمعون حوله.
- سيدي ووالدي، اننا في لحظات فرح وعرس، يقول ابنه الاوسط الممتلىء ذو المعدة المندفعة قليلا.
يتقدم منه وبحركة خفيفة لا يبدو عليه المجهود، يحتضن والده، ويبعد اخاه الأكبر عنه ليريحه، يرفعه ويحمله الى مكان بعيد عن مجلس الرجال، وكل عيون الرجال تتجه للفتى القوي، ولوالده الذي كان ضاحكاً مازحاً ومرحاً قبل قليل. قال للرجال قبل سقوطه بلحظات:
- غصن جديد من شجرتي سوف يشتد اكثر، وسوف ينمو وتتفرع منه اغصان جديدة مثمرة، انا الشجرة واولادي اغصانها التي لا ولن تتوقف عن الامتداد و الاثمار، شجرتي راسخة ثابتة في هذه التربة الغالية، سواء تلك التي اشتريتها وتعبت عليها، ام تلك التي ورثتها عن ابي وجدي، ولن تموت، وجذور اشجارنا لن تتوقف عن الرسوخ والتعمق.
حين احس الوالد العجوز بأولاده الثلاثة حوله، ازداد ضعفاً، تراخت مفاصله، وانثنت رقبته، اهتزت يده بلا اراده، لكن عينيه، لم تتوقفا عن تأمل الأفق، وبين الحين والآخر كانتا تتحركان لتريا اعماق اعين اولاده الثلاثة، وهم حوله، هل ليسمع كلمة وعد من احدهم بالوفاء لوصاياه، ام ليحضهما على ايصاله لأقرب طبيب يطيل في عمره ساعات اكثر ليسمعهم المزيد من كلام جديد فطن له، ولم يقله من قبل، ام ليمضي الساعات التي سيحصل عليها ليبقي على جو الفرح والمرح حتى يكمل ولده الثالث الاصغر زواجه، وحتى يسعد بسماع كلمات الناس المهنئة بفرح وتمام زواج ابنه.
زاد الشيخ ضعفاً، (وتمنى صالح الصغير انه لم يطفىء النار بتلك الطريقة، وانه لو ساعد امه قليلا، قبل ان يموت العجل الذي كان سيصبح ثوراً قوياً).
بدأت نوبات من الغيبوبة تجتاح كيانه، وتجبره على اغماض عينيه، صبور كما عهدناه، لا يشكو، ويخفي كل ألم امام اولاده وامام الناس، ربما كان يفعل ذلك كعادته، حتى لا يبدو عليه الحزن.
- هل انت خائف يا والدي؟ يسأله ابنه الأكبر، انت بخير واولادك من حولك، والطبيب قريب، ولا يعدو الامر الا تعباً او نازلة عابرة، فتصبّر وتحمل!
فتح عينه السليمة، كادت بسمة ترتسم على شفتيه، ربما اراد ان يقول انه لا يخاف الموت، ولا يخاف شيئا، ولا حتى عليكم، قال اخوهم الأكبر ان أباكم يقول لكم: اعطيتكم من القواعد ما يجعلكم افضل الناس واقواهم، وفعلت امامكم الكثير من التصرفات لتكونوا قدوة لغيركم، ممن يحبونكم او يحسدونكم، سترفع من مقامكم، وتعلي من همتكم، ستجعل منكم ومن نسلكم قوة وسنداً، ومن حرثكم خلوداً ممتداً، ومن جذوركم اعماقاً لا تطالها حشرات متطفلة ولا جفاف ولو طال.
يخرج الولدان يحملان والدهما، ويبقى الكبير بين الناس، يحث المساعدين على سكب القهوة، وتوزيع الشاي، يتفقد قدور الطعام في الخارج ليتأكد ان كل شيء على ما يرام، يطمئن اصدقاءه وجلساءه الذين كانوا معه، انه يفعلها ذلك احيانا، وسيتحسن بعد قليل، وسيعود للجلوس معهم ولمشاركتهم، يتجه الابن الاكبر كذلك الى حلقة الدبكة، يقف قرب عازف الناي فيتحمس الراقصون والمتمايلون آتين بحركات فتوة وقوة، مشاركين بالفرح ومعبرين عن الاخلاص فيما يبدعون فيه، يظهر بعض البهجة، لكن هيهات عقله يرتاح، يريد ان يطمئن على صحة والده، يذهب لوالدته يهمس في اذنها شيئا، ولا يبلغها بما يحدث لوالده حتى لا تضعف او تولول، وهو يعرف النساء، لكن امه امرأة صلبة تربت على الاحتمال، وتشربت الكثير من طباع والده القوي الذي لا يلين ولا يعرف الضعف ولا الاستسلام، حتى في احلك الاوقات، (والدنا شعر بدوخة بسيطة، قال الطبيب انه بحاجة الى نصف ساعة من الراحة، فأتيت لأبلغك حتى لا تقلقي، وحتى لا يهول الامر لك احد ما، فينكد عليك وعلى اخواتي واخي او يقطع علينا فرحتنا جميعا، فربما يكون تعب والدنا هو من الفرحة او من طارىء عابر) يغيب ربع ساعة بعيداً عن اعين الناس جميعاً، ثم يعود اليهم ضاحكا باشا يقول:
- قال العارفون انه بحاجة لراحة ولبعض الادوية الخفيفة والشربات العربية، ربما انه سهر كثيراً في الليلة الماضية، فلحقه الارهاق.
ويكمل الابن الأكبر قائلا للناس الذين اطرقوا سمعهم، يحاولون ان لا تفوتهم كلمة مما يقول عن والد العريس في هذه اللحظات الحاسمة.
- استمروا في افراحكم وطعامكم وشرابكم، ولن توقفنا ازمة عارضة ولا حزن بسيط عن مواصلة اعراسنا.
التم الأبناء الثلاثة في تلك اللحظة، ضموا رؤوسهم وتهامسوا، قال ناجح الممتلىء: والدنا يوصيكم ان تفرحوا وتطربوا، فان استطاع ان يعود فسيكمل جلوسه معكم، دعنا نتبادل المواقع سأجالس الرجال والحفل بدلا منه، وكبيرنا يقضي الوقت معه، سيظل الفرح والمرح والدبكة تعم القرية والناس، ركب العريس الفرس والتف الناس حوله يغنون ويرقصون ويهزجون، تناولوا طعام العشاء الذي اعتاد الناس عليه بعد كل عرس، وقبل ان يغادر كل الى بيته، بعد انتهاء مراسيم العرس، دعا الابن الاكبر الحاضرين للمشاركة في زرع جثة والده في ارض القرية في اليوم التالي بعد صلاة الظهر. تمنى صالح العريس ان يظهر حنوه على اخته الصغيرة وعلى امه في تلك اللحظة، لكنه تهيب من مشاهدة دموعهما، وعليه ان يكون صلباً كأخويه، وان يخمد النار بماء نظيفة، او بالتوقف عن اضافة الحطب لها حتى تخمد بنفسها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش