الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في معرض رصد باريس منذ عام 1900: »هدف العدسة« .. صور فوتوغرافية ترقى الى أول القرن العشرين

تم نشره في الأربعاء 21 نيسان / أبريل 2004. 03:00 مـساءً
في معرض رصد باريس منذ عام 1900: »هدف العدسة« .. صور فوتوغرافية ترقى الى أول القرن العشرين

 

 
الدستور - جهاد هديب: مساء أول أمس في قاعة المدينة (رأس العين) افتتح أمين عمان الكبرى المهندس نضال الحديد معرض التصوير الضوئي الباريسي: هدف العدسة الذي نظمته الملحقية الثقافية الفرنسية بالتعاون مع الدائرة الثقافية في الامانة والذي يستمر حتى اواخر الشهر الحالي.
وفي الحديث عن المعرض يمكن القول انه ليس من الافراط في التأويل بشيء القول ان التاريخ الاجتماعي بتطوراته ومنعطفاته الحادة قد أثر في طبيعة التصوير الضوئي في البلد الذي نشأ فيه أول مرة وذلك لجهة الموضوع الذي تلتقطه الكاميرا او لجهة المعالجة وتطور تقنياتها.
كذلك فقد أثر تحليل بعض الصور الفوتوغرافية التي ارتقت عن مستوى الحدث اليومي الى مستوى النص التأريخي والذي جاء على نحو فلسفي في الفلسفة الفرنسية على نحو من الانحاء.
يذكر بعضنا ان تأملات المثقف الفرنسي رولان بارت في عتمة السينما أو في تلك الصورة التي بدا فيها جنديا اسود في احدى المستعمرات الفرنسية تحت علم الدولة التي تحتل بلاده الى خلخلة بعض البنى في علم الاشارة وكذلك فيما بات يعرف فيما بعد بالنقد الثقافي.
»هدف العدسة«، هذا المعرض الذي يخص باريس دون سواها من المدن الفرنسية بدا معبرا الى حد بعيد عن هذه الفكرة.
والصور الفوتوغرافية التي اشتمل عليها بدءا من مطالع القرن الماضي وحتى مطالع هذا القرن تدلل الى اي حد تطور المعالجة التقنية ومعالجة الموضوع في حد ذاته تحمل تحولا في المزاج وتعبر عن موقف مما يجري اذا تمكن للمشاهد ان يأخذ في الحسبان بعضا من تاريخ فرنسا الحديثة بدءا من مطالع القرن الماضي عندما كانت باريس عاصمة التصوير التي تشع نورا والدولة الفرنسية دولة كولونيالية سوف تفضي بها الحرب العالمية الاولى الى ان تصبح دولة محتلة وطأت ارض عاصمتها الجيوش النازية.
في هذا السياق لم تكن الصور الفوتوغرافية التي ضمها المعرض بعيدة عن اختيار مسبق نشأ من دون وعي للحراك الاجتماعي الفرنسي بل ان الذين قاموا لعيه قد تقصدوا هذا الاختيار: النأي عن الحدث المباشر التوثيقي والاقتراب مما يتيح تأويل الصورة ارتباطا بالتاريخ فكرة وزمانا ومطارح عيش.
وبالفعل يتسنى للمشاهد ان يلحظ موسيقى العيش الصاخبة في البانوراما اليومية التي تجري في اماكن درامية هي اقتطاعات من الامكنة التاريخية الكبرى ذات الحكاية الاصلية.
والى ذلك فثمة في كل حقبة او عقد من عقود التصوير الضوئي الفرنسي انتباه الى التفاصيل في تضاريس الامكنة وتضاريس البشر وعيشهم لعب دورا حاسما في حساسية العلاقة التي تخلق توازنا متناغما في الصور التي بالابيض والاسود بدا البعض منها شديد الادهاش والايحاء معا.
في العشرينات من القرن الماضي كانت فرنسا ترزح تحت وطأة اقتصادية هددت الطبقة المتوسطة بالمحو والاضمحلال.. جاءت صور آنذاك اكثر ميلا الى الناس او الى ما تبقى من مقدرة من العيش خارج بيوتهم كاجتماعهم في الحدائق العامة او الاماكن والشوارع القديمة التي كانوا هم ذريعة تصويرها.
اما الثلاثينات فستميل الى الصخب عندما كانت سماء اوروبا قد تلبدت بغيمات الحرب مع صعود النازية الى سدة الحكم في ألمانيا.. الفرنسيون هنا كأنما اكثروا من الذهاب الى اماكن اللهو والرقص اذ استشعروا بأيام قادمة ستكون سوداء على نهاراتهم ولياليهم.
وربما أمكن تأويل ذلك الميل في الاربعينات الى تصوير المطارح التاريخية او الكبرى كبرج وقوس النصر وسواهما الى ان الاحتلال النازي قد استفز ذلك حيث ان اغلب الصور التي اشتمل عليها المعرض وتعود الى تلك الفترة تبرز تلك المطارح حتى دون الباريسيين.
ألم يكن بائع كتب الارصفة الباريسي آنذاك وقد بسط كتبه على الرصيف في شارع مونمارتر فيما يصرخ: سان سيمون، وزولا، وبودلير، ورامبو، ومالارميه، ومارسيل بروست، حتى سارتر وبروتون.. ألم يكن بذلك يستحث الروح الفرنسية على النهوض من محنتها؟
حتى هذا العصر كانت الصور الفوتوغرافية تمر بتحولات بطيئة في مستوى المعالجة التقنية التي سوف تشهد تعقيدا متسارعا بدءا من الخمسينات عندما كانت الثقافة الفرنسية تشهد انقلابات حادة اثرت في الثقافة في العالم كله حيث كانت فرنسا الدولة تحاول استعادة ذاتها فيما تخرج من نير الكولونيال هي التي كانت آنذاك دولة كولونيالية.
وهذا التعقيد في المعالجة التقنية وكذلك في المحتوى البصري للصورة الفوتوغرافية يشهد انعطافة ايار من العام 1968.. غير ان »هدف العدسة« لا يخبر بذلك، بل يشي به في صورتين معبرتين تماما: الاولى لرجل بين شابة في اناقة الستينات يهرع بها كأنما اصيبت في واحدة من مظاهرات ثورة العام 1968 الطلابية التي جعلت فرنسا تسترد روحها الحضارية وتنجز جنرالا مثل ديغول أجبرها على الالتفات الى ذاتها الحضارية والارتداد عن نزعتها الكولونيالية في خضم تفاعلات اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة.
اما الصورة الاخيرة من ايار الملتهب فهي لعجوز باريسي يعتمر قبعة في ملابس شتائية يتأمل احدى الشعارات التي اطلقتها تلك الثورة والتي جعلت مفكرين من طراز هيربرت ماركيوزه يميل الى اعتقاد ثبت خطؤه فيما بعد ان الطلاب صاروا بديل التغيير عن الطبقة العاملة التي اضحت مستلبة وعاطلة الا عن الاستهلاك.
السبعينات هي التي ستشهد ثورة في تقنيات التصوير مع تطور التعقيدات في صناعة الكميرا والامكانات الكبيرة التي توفرت للمصورين الذين كان عليهم ان يكونوا اكثر ذكاء منها ليبرز ذلك الجمال سواء في التصوير بالابيض والاسود حيث التنقيط واعادة التصوير او التصوير الملون الذي كان اكثر ميلا واستفادة من تقنيات التصوير السينمائي.
وحتى التسعينات يلحظ المرء اختلاطا في الاساليب التي تشير الى (بابل) لغات وبشر وكوزموبوليتان اكثر مما تشير الى تاريخ اجتماعي .. او ينبغي ان يمر زمن ابعد كي ندرك ذلك.
التصوير الضوئي مثلما يقول »هدف العدسة« ليس سياحة او وثيقة انه بحث في الجماليات الذي يروي سيرة الناس في عيشهم وتاريخهم بالمعنى الحضاري للكلمة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش