الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فواز طرابلسي.. الامثال والدبكة والحرير وجسد المرأة

تم نشره في السبت 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2004. 02:00 مـساءً
فواز طرابلسي.. الامثال والدبكة والحرير وجسد المرأة

 

 
بيروت - من جورج جحا – رويترز: المتعة التي تبدو خليطا من نشوة لذيدة ورومانسية تعبق بحكايا أمسيات الايام الآفلة وبالحزن ايضا.. وعلى رغم حرص فواز طرابلسي على الموضوعية والعوامل المادية التي يراها كامنة وراء انماط التصرفات والاعمال البشرية.. لا تترك القارىء طوال رحلته مع الكتاب الجديد.
ولعل هذا الشعور الذي ينتج عن قراءة الكتاب »ان كان بدك تعشق... كتابات في الثقافة الشعبية« يشكل واحدة من الحالات القليلة التي يمكن ان يقال فيها دون تملق او مسايرة ان بحثا علميا »باردا« الى حدود بعيدة.. استطاع ان يخلق في قارئه كثيرا من الاقتناع العقلي وكثيرا من المتعة الفنية التي تنتج عن قراءة قصيدة او قصة جيدتين او الاستماع الى راع يعزف على »المجوز« في مساء ريفي يكاد يصبح الان وقفا على الذكريات.
أما ما أحدث ذلك فيبدو انه نتيجة مجموعة من الاسباب اولها ان موضوعات البحث هي في حد ذاتها موحية وذات ارتباطات متفاوتة مباشرة ومداورة بانواع من الفنون.
ولا شك في ان من هذه الاسباب ان الباحث الدكتور طرابلسي الاستاذ الجامعي والكاتب السياسي ذا الثقافة »الملونة« اي الغنية فكريا وفنيا.. وأحد قادة اليسار اللبناني سابقا.. هو نفسه في نهاية الامر ابن منطقة مشغرة اللبنانية المشبعة بكثير من مواد بحثه التي ادرجها تحت عنوان الثقافة الشعبية.. وانه كما يبدو لقارىء نتاجه ذو نفس فني ادبي يضفي جمالا على موضوعية كتاباته دون ان يحمل اليها شائبة.
وقد جاء الكتاب في 128 صفحة متوسطة القطع وصدر عن »دار الكنوز الادبية« للنشر في بيروت.
توزعت مواد الكتاب بعد مقدمة الكاتب على خمسة عناوين رئيسية هي »ان كان بدك تعشق تاجر بالحرير« و»الامثال والحكم الشعبية« و»رقصة الدبكة« و»عيد البربارة« و»الصراع الطبقي« و»ام كلثوم«.
في المقدمة يقول الدكتور طرابلسي الاستاذ في الجامعة اللبنانية الامريكية ان ما يجري عادة من فصل بين ثقافة عليا وثقافة دنيا غالبا ما تسمى ثقافة شعبية واحدة تنتجها الخاصة والاخرى تنتجها العامة... ينطوي على الكثير من التسرع والاعتباطية. خاصة في ما يوحيه ذلك بان ثقافة الخاصة تعادل الابداع والنوعية فيما ثقافة العامة صنو الاسفاف والرداءة. يكفي ان نسجل في مضمار الثقافة الشعبية ملحمة جلجامش واساطير العالم القديم والملاحم الاغريقية والقصص الشعبي من نمط ألف ليلة وليلة.
ورأى انه يتعذر: ايجاد قطيعة قسرية بين الثقافة المسماة عليا والثقافة الشعبية... يمكن تدبيح المطولات عن تأثر الاداب والفنون الراقية بنظيراتها الشعبية... هل يمكن تصور ابتكارات التكعيبية من دون تاثر بيكاسو ورفاقه تأثرا شكلانيا بالاقنعة الافريقية.
وقد برهنت الثقافات الشعبية على قدرتها على استيعاب عناصر من منتجات الثقافات العليا بما فيها من افكار فلسفية ومكتشفات علمية.
وقال: انه يجب التمييز بين الثقافة الشعبية بما هي الانتاج الثقافي الجمعي.. وبين الثقافة الجماهيرية السائدة حاليا والتي تعني ما ينتج لاغراض الاستهلاك الشعبي الواسع في ظل الراسمالية.
واشار الى ان النص الخاص بام كلثوم وقال انه ينتمي الى الثقافة الجماهيرية اكثر منه الى الثقافة الشعبية من حيث الحديث عن شيوع فن ام كلثوم وذلك انه يصعب القول ان فن ام كلثوم قد نتج للاستهلاك الجماهيري حصرا كما يصعب من جهة ثانية تصنيف فن ام كلثوم في خانة الفولكلور لما فيه من عناصر تنتمي الى الثقافة العليا.
الفصل الذي حمل عنوانا هو »ان كان بدك تعشق تاجر بالحرير« وعنوانا وصفيا هو »فصل في الاقتصاد السياسي للمرأة اللبنانية« انطوى على عناوين فرعية منها »جسد والحرير« وجاء فيه ان: العلاقة مثيرة للفضول. ارتبط الحرير بالمرأة منذ ان كان.
وتحدث عن الاسطورة الصينية التي تروي نشأة الحرير وتقول ان الامبراطورة سي لينغ تشي هي اول من ربى دود القز وحل الشرانق في الالف الثالث قبل الميلاد و: مكافأة لها جرى ترفيعها الى مصاف الالهة في الامبرطورية السماوية.
وظلت المهنة محصورة بالامبراطورات او النساء النبيلات. وفي ذلك الوقت تقريبا تعرفت اليابان الى الحرير وكرسته مهنة نسوية. وتوجه احد الامراء الى النساء موصيا:ليكن جسدكن مقاسا لتحولات الدفء والبرد في تربية الدودة.
وانتقل الى الحديث عن لبنان حيث تحول الحرير الذي كان يوصف موسمه بانه »موسم العز« الى سبب من اسباب الفقر والذل وافلاس كثير من تعاملوا به لاسباب منها الاحتكارات الرأسمالية وتحالف الراسماليين المحليين مع الرأسماليين الكبار الاجانب وبروز صناعة الحرير الاصطناعي.
وقال: في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم تكن نساء جبل لبنان يكتفين بانتاج الاولاد وحضنهم. كانت اجسادهن حاضنات لتفقيس دود القز كما في وصية الامير الياباني. وكانت الفقيرات منهن تتدبر شراء غرامات قليلة من يزر »بويضات« دود القز وتعلقنها في اكياس صغيرة من الشاش حول اعناقهن. وبعد ايام يفقس البزر في دفء النهود.
ويروي في مجال اخر في جو قصصي لطيف تفاصيل عمليات انتاج الحرير ويختصر اجواءها المحلية المؤلمة وتلك الشراكة الكاذبة بين الفلاح وصاحب الارض بكلمات منها: ضرائب. بلص. سخرة. اكراميات. معايدات. رسوم. وفوقها جميعا الاحتقارات.
وعلى رأسها اضطرار الفلاح الفقير عند زواجه الى تقديم هدية للشيخ مقابل تخلي الشيخ عن »حق المفاخذة« اي حقه في الليلة الاولى مع العروس. وعندما وقعت نكبة الحرير وتوقفت »الكارخانات« اي المصانع عن العمل وحل الفقر المجاعة تحول جسد المرأة من اداة انتاج الى سلعة وصارت »الكارخانة« اسما للمبغى ومع ذلك ظلت الناس تغني لفترة طويلة على لحن »اوسكداره« التركي وان كان بدك تعشق-تاجر بالحرير-والغرام ياعيني-بدو فلوس كتير.
الفصول الاخرى ممتعة ايضا خاصة ذلك الذي تناول موضوع رقصة الدبكة ثم موضوع الامثال الشعبية وعيد البربارة والصراع الطبقي وقد حملت في اجوائها الرومانسية قدرا اقل من الحزن الذي تبعثه في النفس قصة البؤس وصناعة الحرير.
واذا كان ثمة مأخذ ياخذه القارىء على بعض ما ورد في الكتاب خاصة موضوع الدبكة فسيجد ان طرابلسي يقول له بموضوعيتة ان هذه الدراسة الجميلة مكتوبة طبعا من موقع الهاوي لا الاختصاصي. يطمح النص... الى استثارة التفكير منهجيا في الرقص الشعبي بما هو حمال دلالات وطقوس والتشجيع على مزيد من التبحر والتعلق في هذا الميدان من قبل دارسي الموسيقى والرقص ونقادهما.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش