الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في ندوة استذكارية نظمتها رابطة الكتاب بمناسبة اربعينه * المشاركون: عبدالرحمن منيف في ابداعه ازاح الستارة عن جوهر الحب والجمال

تم نشره في الأحد 14 آذار / مارس 2004. 02:00 مـساءً
في ندوة استذكارية نظمتها رابطة الكتاب بمناسبة اربعينه * المشاركون: عبدالرحمن منيف في ابداعه ازاح الستارة عن جوهر الحب والجمال

 

 
الدستور - تيسير النجار: استذكرت رابطة الكتاب الاردنيين صباح امس في مقرها وبحضور العديد من الاسماء الثقافية الاردنية والعربية الروائي الراحل عبدالرحمن منيف وذلك بمناسبة مرور اربعين يوما على رحيله، وتأتي هذه الاحتفالية بعد تلك التي اقيمت لاحياء ذكراه في مكتبة الاسد يوم الخميس الماضي وبمشاركة زوجته سعاد قوادري ونخبة من النقاد السوريين والاردنيين.
الاحتفالية قصدت الاعلاء من شأن منيف واعماله كما قصدت التنبيه الى ضرورة النظرة الجدية للادباء الكبار والتعامل معهم بعد رحيلهم.
اول من تحدث في الندوة التي ادارها الزميل نائب رئيس رابطة الكتاب فخري صالح كانت زوجة الاديب الراحل عبدالرحمن السيدة سعاد قوادري التي قالت: بقدر حزني اليوم وانا اتوجه الى عمان دون صحبة عبدالرحمن، فان غبطة ومتعة وشعورا مختلطا يعيدني الى المرة الاولى التي اتينا سويا قبل ما يقارب العشر سنوات.
كان فرحا وقلقا وصور كثيرة تتزاحم في ذاكرته، البشر، الامكنة، الاحداث، وكنت ارقب ملامحه وهو يقول لي: كانت لدي رغبة شديدة ان اكتب عن عمان قبل ان ارى تحولاتها اليوم وكان متهيبا من دخول المدينة، ولكن بعد ان وصلنا واشتم رائحة الطرقات والناس والاصدقاء، عاد الى طفولة عزيزة عليه والى امكنة احتضنته وذكريات جميلة سكنته وكان ما كان ان خرج بكتاب سيرة مدينة.
وزادت: ان عبدالرحمن غادر هذه المدينة العزيزة عليه شابا في رحلة طويلة اغتنى خلالها عبر الدراسة وخوض تجارب سياسية وفكرية وكان مؤمنا بضرورة الانفتاح على كافة الفنون لعلاقتها الوثيقة بتكوين الفرد وزيادة وعيه، وظل مؤمنا بان الفن والادب لا يزالان قادرين على قول شيء مختلف ومفيد.
واكدت ان عبدالرحمن منيف قد دخل عالم الادب والرواية وهو ممتلىء بالرضا وزاد في فرحه وسعادته هذا الحب والدعم من الاصدقاء والقراء الذين تلقوا انتاجه بحماس كبير مما ساعده على الاستمرار في هذه التجربة التي كانت بالنسبة له متعة كبيرة ووسيلة للتعبير والعطاء استمر عبدالرحمن في الكتابة حتى الايام الاخيرة وبقدر ما استطاع وكان يتمنى ان يسعفه الجسم والصحة ليتم ما كان يرغب بالتطرق اليه من افكار وموضوعات جديدة وكانت مشاريع كثيرة تتزاحم لديه.
الناقد وصديق الروائي الراحل حمزة برقاوي قال من جانبه: ان ادب عبدالرحمن منيف انصرف اليه كثير من النقاد المحترمين والمرموقين، كشفوا لنا عن المضامين الانسانية والوطنية وازاحوا الستار عن جوهر الحب والجمال وشدوا ابصارنا الى رموز الخيبة والمنافي والاغتراب.
واعتبر برقاوي: ان عبدالرحمن منيف قد وقف عند الحد الفاصل بين آنية العمل السياسي اليومي وازلية الكتابة وانفتاحها على تفاصيل الواقع وتداعياتها التي يمكنها ان تستحضر هموم هذا الوطن بلا حدود.
ورأى برقاوي انه لا بد من وضعية جديدة تطوع الواقع وعيا وفكرا هكذا كان عبدالرحمن منيف في رأي برقاوي وزاد انه لم يحترف السياسة وان كان سياسيا بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لم يحترف الكتابة وان كان محترفا بمعنى انه كان يعلم ان الكتابة سلاح وان عليه ان يستخدم هذا السلاح وان الزمن قد لا يسمح له بالانتظار.
التشكيلي السوري مروان قصاب باشا قال في كلمته: كنا شبابا، وكنا عصبة »نسيم وعبدالرحمن ونعيم وعبدالقادر وعدنان«، نحلم بالعطاء ومستقبل عادل لشعوب العالم الثالث، كان الفن وحلم الابداع احد الروابط الاساسية التي جمعتنا، وكان مرسمي في عين الكرش مكان اللقاء، وكان حماسنا يزداد عندما نسمع احاديث العائدين من اوروبا وهم يتكلمون بحرارة عن باريس كعبة الفن ذلك الزمان.
وبشأن الرسالة الاخيرة قال مروان: اما رسالة عبدالرحمن الاخيرة فجاءتني في حلم كالبشرى في الاسبوع الاول من شباط 2004 »كان برزخا خارجا عن الزمان في عالم غريب ونور ثابت، وسطوح الارض متوازية في لون البن ولون القمح، والسماء صفيحة ازلية بلون البرتقال يشوبها زرقة بنفسجية، كل شيء هادىء، وكأن الزمان قد توقف في هذا المكان لوحة اسطورية في صمت كامل.
كنت اقف على طرف نهر، وعلى الضفة الاخرى تجمع اناس كثيرون، منهم من جلس ومنهم من وقف، جاء هؤلاء الناس من القرى البعيدة، وضفة النهر منحدرة يلامس ترابها القاني صفحة الماء حيث وقف بعض الاطفال وسط النهر بماء صافية رغم العتمة.
جلس عبدالرحمن تجاهي في الوسط الايسر من هؤلاء، فاتحا كتابه يريد القراءة، واعين البشر مشدودة اليه، تنتظر بلهفة ما يريد قوله وسط هذا الاحتفاء العظيم.
تغير المنظر فجأة، وجاء عبدالرحمن من الشاطىء الاخر وجلس الى يساري فاتحا ذلك الكتاب، نظرت الى الكتاب، لم ارى سطورا او كلمات، كانت الصفحة بلون الخبز الخارج من التنور وقت الغروب، اخذني العجب وقلت لنفسي: انها كلمات الكاتب لا تقرأ الا منه.
واكد: دثرّني ذلك الحلم مثل الوشاح والتصق بذاتي ونفسي، فكرت كثيرا، كان الناس اهل الطيبة وحران وارض السواد، كانوا اشخاص رواياته تجمعوا على الشاطىء الاخر ليسمعوا من كتب فصول حياتهم وتاريخ ايامهم خلال عقود طويلة وجذورها بعيدة في اعماق التاريخ انهم تلك الجماعات التي كتب عبدالرحمن لهم وكرس قلمه وابداعه من اجلهم والخبز رمز لاهم وسائل الحياة وكناية للعدل الاجتماعي الذي طالب به.
الناقد ابراهيم السعافين قال في كلمته التي حملت عنوان »عبدالرحمن منيف مشروع روائي عظيم«: لم يكن غياب عبدالرحمن منيف عن المشهد الثقافي العربي خسارة للحركة الثقافية العربية وحسب، وانما كان مأساويا بالدرجة ذاتها، فعبد الرحمن منيف كان يحمل مشروعا ثقافيا كاملا، ينبثق من خلال رؤية حضارية متكاملة، انعكست بشكل كبير في اعماله الروائية، فالتقت الهموم جميعا في الرواية التي غدت الشكل القادر على حملها جميعا: الهم الاجتماعي والهم السياسي والهم الاقتصادي، وهي هموم ذات طبيعة واحدة تنبع من الموقف الحضاري الذي كان المنبع والمصب.
واضاف: في حين كانت حركة التجريب تنمو باتجاه العالم الداخلي للشخصية الانسانية، وهي في الاغلب الوجه الآخر لشخصية الكاتب، كان عبدالرحمن منيف يجرب باتجاه اخر، فاستوعب جوهر حركة التجريب القائمة على خلخلة الوعي واليقين والثابت والفهم الناجز الى محاولة فهم العالم، واذا كان قدم اعمالا يشف فيها الرمز وتحتاج الى قدر من التأويل على نحو ما نرى في روايته »حين تركنا الجسر« فانه قدم مشروعه من خلال العالم الواسع عالم الحياة والمجتمع والواقع، ولعله احد الممثلين الكبار ان لم يكن الممثل الاكبر لما اسميه: »الواقعية الجديدة«.
الناقد ابراهيم خليل قال في ورقته الموسومة بعنوان »التنوع اللغوي والاسلوبي في رواية شرق المتوسط«: مع ان عبدالرحمن منيف لم يكتب روايته »شرق المتوسط« الا بعد ان كتب »الاشجار واغتيال مرزوق« الا انها تعد اول رواية وضعته في الصفوة المختارة من كتّاب الرواية في الوطن العربي.
ولا يعزى البناء المتقن لهذه الرواية لما يتخللها من فنية السرد القائم على استخدام المنظور، وتعاقب الراوي، واسناد الكلام الى شخصيات الرواية بالتناوب: رجب اسماعيل مرّة، وانيسه شقيقة رجب مرة، وهكذا..
ولا الى رؤية الكاتب الواضحة في رسمه الدقيق لملامح شخصياته، ولا سيما شخصية رجب، وحامد، وانيسة، والأم واشخاص اخرين بعضهم يظهر في صورة وحش آدمي، وآخرين لا يظهرون في الرواية الا من خلال ما يقال عنهم، وعن فعالهم في النشاط الحزبي كنجم، وهادي وامجد وسائر المعتقلين.
ولا في قدرة الكاتب على تكثيف الزمن بحيث ان خمس سنوات كاملة، تضاف اليها بضعة اشهر قضاها رجب في باريس وروما واليونان وجنيف باحثا عن العلاج في حبكة اشبه شيء بالرمز، كأن الانسان الشرقي لا يجد الشفاء الا لدى الغرب، حوادث هذه المدة تساق في لعبة سردية تختزل الامتداد الزمني هذا الى بضعة اسابيع.
الناقد الدكتور محمد عبدالله القواسمة قال في ورقته التي حملت عنوان »مدن الملح: ايديولوجيا الموضوع والكاتب« من المعروف ان رواية مدن الملح تتكون من خمسة اجزاء: التيه 1984 والاخدود ،1985 والاجزاء الثلاثة الاخرى: تقاسيم الليل والنهار والمنبت وبادية الظلمات صدرت عام ،1988 والرواية بأجزائها الخمسة من اكبر روايات عبدالرحمن منيف مساحة اذ بلغ عدد صفحاتها حوالي خمسة آلاف صفحة من القطع المتوسط.
واضاف: والموضوع الذي يسيطر على الرواية هو الموضوع الأثير عند عبدالرحمن منيف، انه موضوع التغير في المجتمع والناس، وتسليط الضوء على البقع المظلمة في الوطن العربي، لتحقيق العدالة والحرية للانسان.
وهكذا يرصد منيف في مدن الملح التغير في مجتمع الجزيرة العربية في فترة تفجر النفط في الخمسينيات من القرن الماضي، ويصوغ عوالم تخييلية مثيرة للاهتمام، فلا غرابة ان يعجب بها الكاتب البريطاني غراهام غرين ويصفها بأنها تفتح آفاقا جديدة.
واكد: ولا شك ان موضوع الرواية لم يكن ليطرح بهذا العمق وهذا الاتساع الا من خلال نسق فكري تشكل لدى المؤلف فيما نسميه الايديولوجيا، ففي الرواية بشكل عام تطرح قيم مختلفة، تطرحها الشخصيات المتعددة فيها، ولكن هناك ايديولوجية عامة، وجهة نظر اساسية تتحكم في العمل وتحكمه، وقد كانت في المسرحية الكلاسيكية تمثلها فرقة المنشدين (الكورس) فتعلق على الاحداث والشخوص.
اما في الرواية الكلاسيكية فقد قام الراوي بذلك مظهراً ايدولوجيته بشكل مباشر، لكن الروائيين المعاصرين اتجهوا الي استخدام اساليب اكثر مهارة في اظهار ايديولوجية اعمالهم، ينطوي بعضها على الايحاء، وبعضها الآخر على الغموض.
الاديب عبد الرحمن منكو قدم ورقة عمل بعنوان محطات مع عبد الرحمن منيف قال عبرها :
ذكراه باتت مثل اشباح ملفعة بضباب وكأنها على متن كوكب اخر هكذا تبدو اولى المحطات وهي غائرة في ذاكرة الزمن كان ذلك قبل نصف قرن ونيف عندما كنا على مقاعد المرحلة الثانوية في الكلية الاسلامية جاءنا تلميذ جديد لم نعرف من اين جاء شامخ الجبين مما ينم عن نبل مجهول وعيناه محدقتان يشع منهما شغف للمعرفة ورغبة في التحدي، سجيتان رافقتا عبد الرحمن منيف منذ عرفته حتى غاب وقيل بانه رحل.
ومن كانت سيرته كسيرة عبد الرحمن منيف لايموت لان من كتب ما مات، وقد كان الفتى ميالا بطبع لم نكتشفه بعد الى العزله، طبع املته طبيعة الصحراء التي نشأ فيها منذ نعومة اظفاره بل انه كان يختفي ابان العطلة الصيفية ولا نسمع عنه ولا نراه حتى مستهل الفصل الدراسي الجديد ولعله كان يغوص في اعماق البادية مع قوافل الابل التي كانت تنقل الملح الصحراوي الى عمان، وهو مادة ليس كما نراها اليوم معلبة ومغلقة لكنها قطع بلورية مخضبة بلون الرمال حملتها الجمال من مناجم بعيدة لم تشم رائحة النفط بعد، ولعل زيارات الفتى الى الصحراء كان حافزا لكتابة موسوعته المشهورة (مدن الملح).
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش