الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

متحف الفنون الجميلة بمدينة ليون يحتفل بمملكة اوغاريت

تم نشره في الأحد 12 كانون الأول / ديسمبر 2004. 02:00 مـساءً
متحف الفنون الجميلة بمدينة ليون يحتفل بمملكة اوغاريت

 

 
عمان - الدستور - مدني قصري: رابية خصبة وغنية بأعشابها الطبية تطل على الساحل المتوسطي شمال انطاكيا: هذه التلة تدعى رأس شمرة، اسم يثير ابتسامة علماء الآثار وعلماء النقش الفرنسيين المختصين في حضارات الشرق الاوسط القديم.
لم تدخل رأس شمرة تاريخ الآثار القديمة الا منذ ما يزيد عن خمسة وسبعين عاما فقط، في تلك الفترة كانت سوريا تحت الانتداب البريطاني.
ذات يوم من ايام عام 1928 اصطدمت سكة محراث احد المزارعين وهو يحرث حقله في قلب خليج »المينا البيضاء« الصغير بمصفوفة من البلاط، فقد كانت هذه الحجارة تأوى ضريحا يحتوي على قطع من الخزف تعود للعصر البرونزي الحديث (ما بين القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد).
فقد شجع هذا الموقع الغني بالآثار البروفيسور كلود شيفر الاستاذ بـ »كوليج دي فرانس« على تنصيب بعثة آثارية شرعت في العمل منذ نيسان عام ،1929 فضلا عن ان المكان وضواحيه استقطب انظار واهتمام علماء آثار آخرين حيث حفزتهم تضاريس رأس شمرة على الحفر والتنقيب.
وكم كانت فرحة كلود شيفر عارمة حين رأى اوّل لوح! فقد كتب في مذكراته يقول: »يا له من يوم خالد! استيقظت في ذلك الصباح على الرابعة، وامتطيت جوادي وانطلقت الى ورشة رأس شمرة بعد ان ارسلت البريد الى انطاكيا (...) وعند نهاية الحفريات في ذلك اليوم وقف امامي احد العمال التركمانيين وهو يمسك بين يديه.. لوحا.. لوح؟ لم اصدق عيني واطلقت الصفارة!
وتلت الواح اخرى وكلها كانت مكتوبة بالحروف المسمارية ولكن في لغة مجهولة.
ثم وعلى مرّ البعثات الآثارية ما فتئت رأس شمرة تفشي اسرارها: إنها مدينة شاسعة بمعابدها ومساكنها وقصرها التي ما لبثت ان كشفت عن هويتها، واخيرا كشفت الالواح عن اسمها.
انها اوغاريت المملكة التي كانت عاصمتها تحمل هذا الاسم.. وقد كانت احدى هذه الالواح تمثل ابجدية من ثلاثين حرفا، وقد ضم لوح آخر الاحرف العشرة الاولى والاحرف العشرة الاخيرة من ابجدية اوغاريت يقابلها نظيرها من المقاطع اللفظية الاكادية التي كانت لغة التواصل العالمية.
وقد لاحظ علماء النقش ان كل رمز ينطبق على حرف بعينه وليس على مقطع لفظي، والجدير بالملاحظة ان هذا النظام الثوري في الكتابة قد طبق بدوره على الابجدية الاغريقية »ألفا« بواسطة اللغة الفينيقية.
وباستثناء انقطاع عن العمل اثناء الحرب العالمية الثانية فقد واصلت البعثة الآثارية الفرنسية استكشافها لرأس شمرة بالتعاون مع المؤسسات السورية مما اتاح كتابة تاريخ هذه المملكة المشرقية التي ارتبطت في آن بالعالم الشرقي عن طريق لغتها وتقاليدها والمنفتحة على البحر الابيض المتوسط وحضارته عن طريق وضعها الجغرافي.
اذا كان من الثابت ان الموقع قد اصبح آهلا منذ القرن الثامن الميلادي حيث استوطنته جماعات من المزارعين والصيادين فان اوجه الحضاري يقع عند العصر البرونزي الحديث (ما بين القرنين الرابع عشر والثاني عشر قبل الميلاد) عندما اصبحت عاصمة المملكة ملتقى لطرق التجارة من قبرص الى حوض الفرات ودجلة بالاضافة الى انها كانت مركزا هاما للانتاج بفضل مواردها الطبيعية العديدة، فمملكة اوغاريت التي يحيط بها البحر غربا تنشر مساحتها الممتدة على الفي كيلو متر مربع عند اقدام جبل العلويين، وجبل صافوت مقر بعل إله العاصفة الشهير.
واذا كانت عاصمة المملكة اقل شأنا من مدن بلاد ما بين النهرين التاريخية فان هذه المدينة المحاطة بالحصون توفر على مساحة سبعة وعشرين هكتارا متاهة من الشوارع الضيقة المحاطة ببيوت ترتفع الى مستوى طابقين في الغالب وتنتهي بسطح هو بمثابة المركز الحساس لحياة الاسرة.
وعلى الاكروبول يطل معبدان شاهقان على المدينة وقد اهدي احدهما الى بعل حامي المملكة ومؤمن ازدهارها ورخائها بواسطة الامطار التي يوزعها على زراعاتها والآمن الذي يبسطه على بحاريها، اما المعبد الثاني فقد كان مخصصا لعبادة الآله داغاث.
ويتميز قصر المملكة بسعته الكافية لايواء الملك وعائلته ومجلسه وحكومته، وقد كان بجماله وحسن هندسته يثير اعجاب ملوك الجوار.
وقد كان هذا القصر الذي اقيم فيه معبد وحديقة ترفيهية يأوي ايضا مقبرة خاصة بالعائلة الملكية، اما المنفذ الوحيد لهذا القصر الذي احيط بالقلاع والحصون من كل جانب فهو عبارة عن باب فريدة لا يعبرها الزائر الا بعد سلسلة من التفتيش وليس قبل ان يمر الى حجرة »الوضوء« لازاحة الغبار من على ملابسه.
هذا ويشهد الاثاث والاواني على ثراء ملوك اوغاريت، لكن القصر لم يحتفظ بمشربياته واروقته الخارجية واعمدته وساحاته الداخلية واحواضها التي انهارت مثل قصر من ورق.
فهل كان الدمار الذي تعرض له هذا القصر بفعل زلزال او بفعل غزوات شعوب البحر في القرن الثاني عشر قبل الميلاد؟
فالألواح والقطع المعروضة حاليا في متحف الفنون الجميلة بمدينة ليون الفرنسية لم تفسر لنا بعد كيف توصلت هذه المملكة الصغيرة الى هذا المستوى من الحضارة الزاهرة التي اختفت فجأة من على الخارطة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش