الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

العودة إلى قيم النهضة العربية الأولى

تم نشره في الخميس 3 آذار / مارس 2011. 02:00 مـساءً
العودة إلى قيم النهضة العربية الأولى * فخري صالح

 

 
من بين الكوارث التي جرتها أنظمة الحكم العربية الفاسدة المستبدة علينا أنها محت كل ما حققته النهضة العربية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لقد تبخرت قيم تلك النهضة العظيمة التي دعا إليها عبدالرحمن الكواكبي وأحمد فارس الشدياق ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وقاسم أمين وفرح أنطون وخير الدين التونسي وشكيب أرسلان وطه حسين ، وكوكبة واسعة من رجالات الفكر والثقافة في مشرق العالم العربي ومغربه. وتمثلت هذه القيم في الدعوة إلى التحرر من الاستعمار ونبذ الاستبداد والحكم المطلق وضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية وحرية التفكير والتعبير واللحاق بالحضارة الحديثة وتبجيل قيم التقدم ، والدعوة إلى وحدة العرب ونهضتهم. وقد واصل المفكرون والمثقفون العرب من جيل الاستقلال ، في النصف الأول من القرن العشرين ، دعوتهم إلى تلك القيم ، التي رأوا أنها سوف تسهم في تقدم العرب وتجعلهم يحرقون المراحل للحاق بحضارة الغرب وتحقيق قيم الحداثة.

لكن أربعين عاما من حكم الأنظمة المستبدة الفاسدة (وهي تتفاوت في درجة الاستبداد وعمق الفساد لكنها لا تختلف كثيرا في الآثار الكارثية التي جرتها على مجتمعاتها) أدخلت العالم العربي في نفق مسدود وأزمة مستحكمة الحلقات أدت إلى ما أدت إليه من إفقار وطغيان وفساد ونهب للثروات وتركيز لها في أيدي فئة قليلة ، وتآكل للحريات العامة والخاصة ، وغياب للعدالة الاجتماعية ، وعودة بالمجتمعات العربية إلى زمان القبيلة والطائفة ، وتدمير أساسات المجتمع المدني التي عمل مفكرو النهضة ومثقفوها على إرسائها. كما أن هذه البيئة السياسية الكارثية ألحقت العالم العربي خلال السنوات الأخيرة بالغرب الاستعماري ، كما دمر التعليم وشحب دور الفكر والثقافة ، وتحول الإعلام إلى تطبيل وتزمير للحاكم والمسؤول.

هكذا أودت بنا هذه الأنظمة ، التي تنتفض عليها الشعوب الآن وتنادي برحيلها ، إلى هاوية تفتح شدقيها لتبتلع العرب المعاصرين. وحلت الطائفة والجهة والقبيلة والعصبة التي تحيط بالحاكم محل الدولة المدنية التي حلم مفكرو النهضة الأوائل والمتأخرون ببنائها.

المأساة أن ما كان يبدو على السطح من تقدم عمراني في بعض الدول العربية ، وكثرة للقنوات الفضائية وانتشار لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة ، تكشف ، ويتكشف ، عن خراب عميم في التعليم والفكر والثقافة وفساد وتخطيط لتدمير كل ما بناه العرب في القرنين الأخيرين من الزمان. لقد حل مكان مفكري النهضة ورجالات السياسة الوطنيين جيل من التقنيين الفاسدين ، وما أصبح يدعى "الليبراليين الجدد" الذين عملوا على بيع القطاع العام ، ونهب ثرواته ، وتحويل بلدانهم إلى مجرد سوق استهلاكية ضخمة للسلع الأجنبية ، وتكريس التبعية للآخر ، وتتفيه الثقافة والفن وتخريب التعليم بما تلقفوه من نظريات أثبتت فشلها في بلدانها التي طلعت منها. وها نحن نحصد ثمار الاستبداد والفساد وغياب العدالة الاجتماعية ، وعد الأوطان مزارع للحكام والمسؤولين وأعوانهم ، وتحويل المحكومين إلى رعايا لا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.

سيكتب التاريخ كيف تحول العالم العربي إلى إقطاع سياسي جديد يقوم على النهب والفساد ولا شيء غيرهما ، في ظل انهيار القيم وعودة العصبيات الضيقة ، وظهور الإرهاب بديلا للمقاومة المشروعة. تلك حلقة جهنمية محكمة من الصعب فك عراها ، لأن الدولة العربية ، المتآكلة التي لا تقوم على العدل والمحاسبة والحرية ، سمحت بتفاقم الأزمات وعجزت عن حماية المواطن من تغول السلطة ونهب الناهبين وعسف المسؤولين ، فتحولت ، تحت ستار براق من المظاهر الحداثية الشكلية ، إلى دولة - عصابة ، أو إقطاع سياسي فاسد يورث السلطة والمال ورقاب العباد للأبناء وأبناء الأبناء ، ويضرب عرض الحائط بالدساتير والقوانين التي وضعها أجداد كانوا يأملون خيرا لهذه الأمة.

هكذا تبخرت قيم النهضة العربية الأولى ، والثانية ، ودخل العرب عصر الظلمات. ولا أظن أن أحدا من مفكرينا ومثقفينا العرب الأوائل ، بدءا من عبدالرحمن الكواكبي وانتهاء بطه حسين ، قد حلم بهذا الكابوس الذي استمر عقودا من الزمن. لقد تبدد حلم النهضة العربية ، لكن الانتفاضات العربية المتواصلة منذ شهر كانون الأول الماضي ، ولا يبدو أنها ستتوقف إلى إشعار آخر ، تعيد إلينا حلم النهضة العربية مجددا.

[email protected]

Date : 03-03-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش