الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بغداد تختفي وراء الزجاج الملون .. والعزلة تحاصر المثقفين

تم نشره في السبت 20 آب / أغسطس 2011. 03:00 مـساءً
بغداد تختفي وراء الزجاج الملون .. والعزلة تحاصر المثقفين

 

بغداد – الدستور – علي عبدالسادة

تتندر النخبة السياسية في العراق بأنباء عودة مثقفين إليه، وتسوق مبرر التندر على أنه دليل عافية لفترة ما بعد 2003، لكن مثل هذه الأنباء تبدو مثل شريط «العاجل» الذي يظهر ويختفي سريعا من على الشاشة.

لا احد يعرف ما الذي سيحل بهم لاحقا، حتى أولئك المتندرون المستفيدون من «عاجل» العودة ليس بوسعهم معرفة قدرة «العائدين» على الاندماج من جديد.

لا احد يعرف كيف تنتهي نشوة العودة على مرمى ساعة ونيف، تكفي لاجتياز حدود مطار بغداد الدولي، حيث يبدأ مشوار جديد في العزلة وسقوط صور المكان القديم من الذاكرة، وإحلال أخرى جديدة في المخيلة؛ فبغداد المدينة التي تختفي خلف نفسها، تصدر مكانا مهجنا يزين الخراب بالترقيع، واقعا جديدا.

من الصعب بمكان فهم روائي عراقي مثل علي حداد وهو يجالس اغترابه وعزلته الجديدة، معية أصدقاء مثقفين، في نادي اتحاد الأدباء، وهو يصرح بطلاقه النهائي عن بغداد التي يعرفها. من الصعب على احد، خاصة الجيل الصاعد إلى المشهد الثقافي العراقي في السنوات الأخيرة، فهم ان روائيا وقاصا مخضرما مثل حداد حين يعترف: «فشلت في العثور على بغداد التي أعرفها، الزقاق لم يعد لي، والوجوه التي تتناوب على بصري لست أعرفها، والخراب المتكدس على الواجهات الاليفة، تلك التي تزاوجت مع مخيلتي وصنعتها سردا وصور، فعل ما فعل بعلاقتي بالمدينة».

يقرر حداد، أخيرا، الرحيل عن بغداد ويبدأ بالتفكير عن المكان البديل:» ما رأيكم بتركيا مثلا.. سأبيع اغراض المنزل».

الامور في عام 2011 ليست كما كانت قبل اربعة او خمسة اعوام. كثيرون يشعرون بأنهم يتنفسون الصعداء بعد انزواء شبح الاقتتال الاهلي، الافراد اصبح بامكانهم استشعار ان الحركة اليومية باتت اكثر سهولة من قبل، لكن الامور ليست على ما يرام في بلد مثل العراق، يعرف اهله كيف تنمو العلاقة بين الفرد والمكان. المثقفون العراقيون يتوفرون على قناعة بان «الخراب» يهدد وجودهم، ويقطع، بسكين «الاغتراب» حبل المشيمة مع الكائن البغدادي.

وحتى في التوصل الى صورة واقعية لبغداد، الان، يتجادل المثقفون حول بقائها صالحة للفعل البصري الجذاب.

الكاتب والقاص كريم عبد متفائل بـ «إيمانه» بمدينته: «المكان هو المكان وبغداد هي بغداد منذ كانت مدورة ويخطب ودها من يجوب أرضها ويخوض في دجلتها، ويتنقل في ازقتها الضيقة، وحاراتها المفعمة بالحياة».

يقول عبد لـ «الدستور»: «عالم بغداد يختار الحياة كما هي، الحياة والموت هنا، وهناك الدمار، والتجديد، لذلك لا يأسف الكثير على عهد مضى، مصائده واحواله، انه عالم المدن المتناقضة في العظمة والفقر، الأمن والرعب، الترتيب المستجد للماضي والحاضر ورحيقهما».

كريم عبد، وهو من مواليد بغداد، يرى ان جيلا خرج من مجتمع محطم، وليس له مركز، وهو ينفتح الان على مراكز جديدة، لتأتي البدائل ووجهات النظر البديلة عن كل المكان، ربما من هنا تأتي الفوضى».

لكن آخرين يجزمون بان العزلة تخنقهم، وان حاجتهم للفضاء الغني بالدلالات البغدادية لا مناص منها، ربما لا يكتبون، لا يرسمون، لا يصعدون خشبة المسرح، وان كتبوا الشعر ففيه إعلانات غزيرة بالرحيل، وإشهار بان الغربة تتحقق فعليا وسط العاصمة.

يفتقد كثيرون في الوسط الثقافي العراقي إلى الرغبة في الكتابة عن المكان البغدادي سوى انهم يرثون إيقونات عمرانية أثيرة، ربما يكون شارع المتنبي أخر ما لديهم. كل شيء في المدينة تكسوه الواجهات الزجاجية اللامعة بألوان صارخة، وهي تكفي لان تضيع المكان وتدخل الفرد في دوامة :»هل تهت؟».

وبينما تغزو شركات البناء البنايات البغدادية في شارع الرشيد والجمهورية والسعدون لتقضي على تلك الملامح الأليفة، تحيط الأسلاك والجدران الكونكريتية مساحات ليست بالقليلة من معالم أخرى.

الناس هنا، في بغداد، لا يكترثون لما يجري لهويتهم، ربما لوثة تأمين الحياة لا تمنحهم فرصة الحزن على بعض الشقوق في نصب جواد سليم، وان تمثال عبد المحسن السعدون ليس هو ذاته الأصلي بعد أنباء عن سرقته، وان جدارية فائق حسن قبالة ساحة الطيران أصبحت «مرحاضا» للمشردين وناصية تقي الباعة المتجولين من الشمس.

لكن المثقفين يتمنون الهروب عن هذا العالم الشاذ، هم ينظرون إلى هذا الاغتراب بأسى فيه الكثير من التطرف: هذه ليست بغداد.

الشاعر العراقي حسام السراي يتحدث عن البديل:»تحت وطأة القلق الذي يلازم الحياة العراقيّة، يتراجع الدور التقليديّ لبغداد بالنسبة للمثقفين بنحو ملحوظ.

السراي يرى إن غزو القوات الأجنبية أدّى إلى اختفاء أماكن كانت ملتقى المثقّفين، مثل مقاهي «البرازيلية» و»البرلمان» و»شط العرب» و»خليل» و»الآداب».فيما تهالك بنيان بعضها الآخر، إلى درجة أنّ الجلوس فيها لساعة واحدة صار صعباً، مثل «مقهى حسن عجمي» في شارع الرشيد في بغداد.

وسرعان ما جاء الفيسبوك ليحلّ المشكلة، في ظلّ اضمحلال المكان البغدادي، كجزء من الخراب. هكذا طلب مثقفون عراقيون اللجوء إلى الفضاء الضوئي.

الفنان التشكيلي فهد الصقر، وهو مختص بالتراث البغدادي، لا يخفي شعوره بالعزلة، وهو يرثي علاقته البصرية بالمكان.

يقول الصقر لـ «الدستور» إن فارقا شاسعا يتكون بين ما يجري الحديث عنه بخصوص نشوء عراق مغاير وبين ما يتعرض له المكان البغدادي، حتى الدول التي مرت بتغييرات دراماتيكية على صعيد نظام الحكم لم تطمس هويتها العمرانية، ولم تشوه المكان.

يضيف الصقر:»الأمر أشبه بصناعة قسرية لمدينة قد لا نعرفها. ولك أن تتخيل إن اسم مطعم بغدادي شهير يكفي لان تقضي عطلتك في دمشق، مثلا، لأنه، ببساطة موجود هناك وليس في مكانه المعتاد في بغداد».

قبل أسبوع، تقريبا، ظهر إعلان مبذول ومعتاد من دوائر البلدية: أمانة بغداد – هو اسم دائرة مسؤولة عن النظافة والبناء والترميم في العاصمة – تعلن بأنها (تعمل على نقل تجارب الدول المتقدمة لتطوير شوارع بغداد)، المسؤول المصرح بمثل هذا الإعلان قال في ختامه: «بغداد تستحق الكثير».

لكن الصقر يظهر نوعا من عدم الاكتراث: «نعم إنهم يحفرون ويلونون ويشيدون الطرق وواجهات المباني، لكنه فخ الحداثة التي تسحق الهوية بعجلات المقاولين الأجانب».

ربما يتخلص الروائي علي حداد من عزلته، ويتنفس قليلا في تركيا، وربما يواصل رواد الفيسبوك رضاهم عن المكان الافتراضي البديل، وقد يكون الصقر في طريقه إلى التعايش مع مكان أخر. لكن في النهاية يبدو إن إجماعا على إن بغداد لن تكون مثلها، إنها في الطريق إلى الاختباء وراء الزجاج الملون وبعض الأكداس القديمة من الأسلاك وقطع الكونكريت.

التاريخ : 20-08-2011

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش