الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يرى أنّ التكنولوجيا وسيلة للسيطرة فيما اللغة نصنع منها الحياة: الشاعر الأميركي رِك لندن: الشعر ضرورة أميركية.. والإمبراطوريات إلى زوال

تم نشره في السبت 28 حزيران / يونيو 2003. 03:00 مـساءً
يرى أنّ التكنولوجيا وسيلة للسيطرة فيما اللغة نصنع منها الحياة: الشاعر الأميركي رِك لندن: الشعر ضرورة أميركية.. والإمبراطوريات إلى زوال

 

 
عمان - الدستور - جهاد هديب - استضافت جامعة فيلادلفيا أواخر أيار الماضي الشاعر الأميركي رك لندن في أسبوعها العلمي تقديرا له على مواقفه من مجمل القضايا العربية في صورة عامة وتحديدا موقفه من الحرب على العراق ثم احتلاله من قبل أميركا ثم إصداره صحبة شاعر آخر انطولوجيا عالمية ضمت عددا واسعا من الأسماء الشعرية العربية المعروفة.
يقول الشاعر لندن: أكتب ما أرى عندما أكتب. أفعل ذلك من اللاشيء إنما بدفع مفاجئ.. والحال أن شعر لندن متأثر إلى حدّ بعيد بالصوفية البوذية ومأخوذ إلى روحانيتها الفذة بحيث أنه كأنما يكتب وفقا لتعاليمها. بل يقول في حوار شخصي أنّ طرائق التعبير لديه قد تغيّرت منذ قرأ هذه العبارة في نص صوفي بوذي: كل شيء ينبثق من اللاشيء باستمرار.
ولعل هذا ما يفسر قدْرا من الانغلاق في شعر لندن عندما قرأ أشعاره أمام طلبة الجامعة.. غير أن الناظر إلى شعره بعد قراءات في ظل مرجعياته البعيدة أو المهدمة يلحظ نوعا من بلاغة في غموضه الأمر الذي تناوله هذا الحوار والذي كان للقاصة د. أمنية أمين رئيس قسم اللغة الإنجليزية في فيلادلفيا أياد بيضاء:
* إذا افترضنا جدلا أن التجريد في اللغة الشعرية يتمثل في الإبقاء على الصور الشعرية في هيئة أفكار.. ألا يكون ذلك اهدارا للحياة وبالتالي فكرة العيش التي هي مصدر الشعر والفائضة عليه والتي يحتاج اليها أكثر مما تحتاج إليه ؟
* إذا كان التجريد تحويل الصور إلى أفكار فأنا أفعل عكس ذلك. لكن التفكير الإنساني على مرّ العصور اعتاد تحويل الأشياء إلى رموز. إن ما أسعى إليه في شعري هو هدم هذه الرموز وتلك الرتابة التي تهيمن على التفكير الإنساني في شكل مطلق.. أسعى إلى الابتعاد عن التجريد والخوض في التجارب الإنسانية.
أود القول أنك إذا استطعت أن تتحدث عن تجربتك الشخصية فلا بدّ لهذه التجربة أن تعكس التجربة الإنسانية في العالم ككل.ومن هذا المنطلق يصبح الشعر، أو الفن عموما، مرآة تعكس الكون.
إن التعبير بصدق عن التجربة الشخصية من أصعب ما في الشعر بل انه أصعب الشعر ويشبه محاولة التعبير عن أحافير لا يمكن الإلمام بها في مجرد كلمات.. وابتعاد الفن عن الحياة والهرب إلى التجريد يعني أن الفن قد فقد مصداقيته.
وإذا كانت إشارتك عن التجريد تخص شعري.. أستطيع القول انه ربما شعر غير مألوف لقارئ الشعر العربي. فربما فيه من عناصر الاختلاف ما يدفع إلى الإمساك بجوهر الحالة التي أصبحت الآن غير مألوفة لك وأستند في ذلك إلى مقولة لهيروكايتس: نحن غرباء عن أكثر الأشياء المألوفة لنا.
* أنت تحلّق في شعرك.. تبتعد إلى حدّ أنّ الأشياء تبدو ميكروسكوبية في شعرك ومتناثرة..تبتعد عن محور الكون فتصبح أنت محوره..
* أن تكون محورا للأشياء فذلك يعني أن محور الأشياء ينبع من تخيلك بأنك الكامن في مكان واحد لا يتغيّر ولا يختلف.. إذن قولك أنني أحلق يعني أن لا مركزية لي ولا أتواجد في مكان بعينه.. ثم القول بأنني محور للأشياء هو أمر جميل غير أنّ هذا يلغي مركزية الكون. ربما وهذا الأمر قراءة خاصة بك. غير أن التحليق في شعري، في حدّ ذاته، هو تعبير عن الواقع. ذلك أن الواقع، دائما وأبدا، متغيِّر.
عندما يقرأ أحدنا شعرا فانه يقرأ تلك القصائد التي في داخله لأنه يقرأ تأويله في النص وللنص.. وأشعر عندما تقول أنني أحلق عِوَض القول أنني أطير: حقا، لقد قُرِأت. ويبهجني ذلك.
* تلك الفراغات البيضاء التي في قصائدك عندما قرأتها لم أجد أنها سوى انقطاعات في التخييل أيضا ما جعل القراءة عسيرة.وبالتأكيد فانّ قلة خبرتي في قراءة الشعر بالإنجليزية زاد من تلك الصعوبة.. لكن هل يواجه قارئ غربي مثلما واجهت أنا في كتابك: صورة وأجزاء متحركة مثلا؟
* الفراغات التي تحدثت عنها هي الصمت في علاقته بالكلام من حيث أنه صوت.. وإنني أستخدم أقل قدْرٍ من الكلمات للتعبير عمّا أريد. ولا أسعى إلى الزخرفة بل إلى حقيقة الحياة.. إذا عدنا إلى الوراء قليلا وابتعدنا عن كل الأشياء سنجد أن حياتنا صغيرة داخل الإطار الكوني للأشياء ذاتها.
أما القراءة، لجهة صعوبة أو سهولة، فلا أريد الإجابة لإنّ ذلك من شأن القارئ ومن حقّه الإجابة عليه. أيضا انّ عناصر الاختلاف أقّل بكثير من المشترك بيننا أنا، وأنت، أنا بوصفي الشاعر كاتب النص بلغته الإنجليزية وأنت بصفتك قارئا إياه قادما إليه من ثقافة أخرى، لذلك فالصعوبة أو السهولة التي يجدها القارئ الغربي في تناول قصائدي واحدة.
بالتأكيد، هناك اختلافات ثقافية بين الشعوب. ومن وجهة نظري أرى انها إلى تقلص باستمرار.
* ربما، لكن لو واجهت سؤالا من نوع: ما جدوى الشعر في بلد من التقنيين مثل أميركا؟
* أقول ان للشعر ضرورته الواحدة في كل مكان ولكل مكان في العالم لإنّ الشعر يساعدنا على الاقتراب من الحياة أولا ثم يعيننا على فهمها من خلال اللغة.. ما يعني أنّ علينا إعادة النظر في لغتنا المستخدمة دائما.
ذلك من جهة، ومن جهة أخرى الشعر ضرورة في أميركا لأنّ ما يحدث في أميركا مجزرة.. مجزرة واغتصاب للغة.
* أرجو أنْ تغفر لي فضولي مقدما عن هذا الاستفسار: كيف يشعر المرء تجاه أنه ابن الإمبراطورية الأقوى في العالم؟
* إنني مجرد شخص بسيط. ولا أرى مبررا لقول أي شيء.. يكفي أن تنظر حولك لترى وتعرف كل ما ينبغي أن ترى وتعرف.
ولحسن الطالع فالإمبراطوريات لا تدوم فهي سريعة الزوال بالرغم من أي جبروت.. أشير أيضا إلى أن قوى السيطرة الجبارة هذه على العالم يوجد في البلاد التي ينطلق منها أشخاص كثيرون يسعون عكس ما تسعى إليه تلك القوى.. أي التوصل إلى السلام وتبديد أي إساءة فهم متبادلة.
أكرر.. إنني مواطن في هذا العالم. إنني إنسان، وهذه حقيقةُ ما أشعر به تجاه نفسي وليست من المُثُل العليا في شيء. إنها أيضا مجرّد حقيقة تساعد على الإحساس بعمق الروابط الإنسانية التي تجعل الصداقة ممكنة وحميمة ولذلك أنا هنا بينكم في الأردن ولست معكم.
* إذا انتقلنا إلى سياق آخر، فأودّ أن أسأل عن المشكلة الأبرز التي تواجه الشعر في أميركا؟
* الآن لا يوجد مَن يقرأ الشعر في أميركا.. إنها حقا المشكلة الأبرز فلقد أخذ التلفزيون وقت الناس ويومهم فلا متسع لديهم للشعر أو للقراءة.
انه أمر في غاية الخطورة أنّ الشعر بلا قرّاء.. ذلك يهدده بالانكفاء على ذاته فلا يرى سوى نفسه في مرآته فيصير مبهما وغامضا.
* تبعا لذلك وفي التقدم الأميركي في فنون أخرى سمعية وبصرية هل من الممكن القول أنّ الشعر قد يهجر اللغة اليها؟
* لا أعتقد أنّ ذلك مرشح لأن يحدث.. لأنّ التكنولوجيا ليست سوى وسيلة من وسائل السيطرة على الأشياء ولا يمكن أن تحلَّ محلَّ الإبداع. وفي المقابل تبقى اللغة حية وهي الطريقة الوحيدة التي يسعنا أن نخلق منها الحياة.. وهي باقية سواء وُجد اهتمام بالإبداع أم لا لذلك يبقى الشعر.
أضف إلى ذلك أنّ نزعة الإبداع في الإنسان الفرد لن تموت فكيف الحال لو انتقل الحديث وصار عن البشرية كلها.. غير أنه إذا ارتقى الإنسان إلى مناطق أعلى فربما يأخذ الصمت مكان الشعر.
* مستقبل الشعر؟ أعتقد أنك غير متفائل تجاهه في ضوء كلامك الأخير؟
* لا. أعتقد أنه ولو جاءت عواقب الأشياء وخيمة في الحياة فانّ علينا أن نفعل الخير لأنفسنا ولغيرنا فهذا هو الإحساس بالجمال.
إننا، دائما، نحاول أن نتعرف على ماهية الجمال في الحياة ونسعى إلى الارتقاء بأنفسنا من أجل الخوض العيش حقَ العيش في هذه الحياة.
* أخيرا ماذا عن الشعر وكتابته وخبراتك في هذا المجال ولنقل، اقلَّه، من باب التوصيف؟
* أكتب ما أرى عندما أكتب. أبدأ من اللاشيء انما بدفع مفاجئ. أتذكر أنني قرأت في نص بوذي: كل شيء يتخلَّق من اللاشيء. وفي الكتابة أعيش متعة الاختبار والكشف غير أنني لا أمتلك مخططا أو برنامجا يقود الذاكرة إلى حيث ينبغي عليها أن تذهب أو ماذا سوف تتضمن القصيدة من استعارات أو ما الذي سوف تكون عليه بعد كتابتها ولا أسأل ان كانت ستبقى وفية لعنصر الاكتشاف فيها.
وفي صورة من الصور فالشعر عملية طرح أكثر مما أنه عملية جمع. واعتقد أن هذا الفن، مثل تمرين روحي، يمكننا من أن نذوِّب أفكارنا المسبقة وينفتح بنا على عوالم اكتشاف وقلق.. انه يقودنا بعيدا عن الانعزالية وضيق الأفق.
الشعر شرط حياتنا. وآمل أن أصنع شعرا يجعلني ألامس العالم بطريقة جوهرية.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش