الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كتاباتها اثارت اكثر من ضجة: القاصة الكويتية ليلى العثمان تتخذ من القسوة سلاحا للنفاذ الى عالم الرجال

تم نشره في الأربعاء 21 أيار / مايو 2003. 03:00 مـساءً
كتاباتها اثارت اكثر من ضجة: القاصة الكويتية ليلى العثمان تتخذ من القسوة سلاحا للنفاذ الى عالم الرجال

 

 
القاهرة - مـــــن حجاج سلامة: لمعت في ميدان القصة، أديبات عربيات يمارسن هذا الفن في أصالة واقتدار و »ليلى العثمان« واحدة من هؤلاء الأديبات اللاتي عبرن عن مشاعر الأنثى »وهمومها وأشواقها في صدق وأمانة، والمتتبع لإبداعات« ليلى العثمان »القصصية يلاحظ - وبوضوح »أن السمة الغالبة على قصصها هي سمة الواقعية - إن جاز التعبير- فالصور التي تنسج منها - وبها -ابداعاتها القصصية« صور التقطت »ليلى« أصولها من حياتنا نحن ، تلك الحياة التي هي في وقت واحد واقع موضوعي عن الذهن المبدع، ومعاناة ذاتية عند النفس الشاعرة (1) والدخول الى عالمها القصصي يتيح لنا أن نتجول بين مرافئه ونقترب أكثر من عوالم شخوص قصصها وحتى لا تكثر علينا الصور، فنضل طريق العودة من ذلك البحر المتلاطم الأمواج، فسوف نقنع هنا - بالتأمل في صورة الرجل .
وللرجل في قصص »ليلى العثمان« صور عدة، ففي قصة »التهمة« تقدم لنا الرجل في صورة الأب المتسلط .. شديد القسوة .. الذي يعقد محكمته الخاصة، فيحدد التهمة .. ويقرر الحكم(؟!) وينفذه (؟!). دون السماح بأدنى مرافعة من المتهم، الذي هو في حقيقة الأمر بريء فتقول : ».. تقابل وجهي المرتجف بوجه أبي الثائر المربد الذي يوزع نظرته بيني وبين حبل غليظ ويذبح خيوطه اليابسة بحد السكين ثم يقذف بها بعيدا، تحسست عنقي اللدن وناجيت نفسي:
هولن يذبحني إذن، ربما سيشنقني ! لم تتواصل مناجاتي لنفسي، كانت يده أسرع شدني وقذفني بعنف الى عامود الليوان الذي اهترأت أصباغه، أجلسني وأسند ظهري اليه، ومد ساقي المرتجفتين أمامي، فانتبهت أن أظافري طويلة ومتسخة، صرخ في أعماقي رجاء أن يرى أظافري ليعرف أني طفلة مهملة أحتاج للرعاية والحنان لا الى عنف وقسوة، ولكنه يركز نظره على الحبل الذي يلفه حولي ويشده، وأنا ذليلة في صمتي لا أجرؤ على اطلاق سؤال مهووس بداخلي يفسر لي سبب هذا العقاب، فأبي يكره السؤالات أمام قراراته الصلبة ويعتبرها اهانة لأبوته المتفردة .. .

فن البطش
وتواصل الكاتبة تصويرها لتفاصيل الموقف، وكيف أن هذا الحاكم 0-0 »الديكتاتور« يجيد فن البطش بفريسته.. وفي قصة »شيء غير الوجع« نجد صورة مكررة للصورة السابقة »فتقدم لنا الكاتبة صورة« للرجل »ذلك الأب .. فاقد الضمير .. متعدد الزوجات .. المتغير المزاج بين لحظة وأخرى وكيف أنه كان سببا في انتقالها من حياة كانت تنعم فيها بحنان الأمومة« الى حياة كلها ألم »عندما انفصل عن أمها« وسحبها كنعجة الى بيت زوجته القديمة وابنتها ...
وفي قصة »أنه مازال يحلم« نجد صورة للرجل »ذلك الزوج الحنون .. المعطاء .. المحب للحياة« يتمدد أمامي على الأريكة العريضة وترتاح ذراعه اليسرى على ظهرها وساعة ذات السوار الجلدي تنزلق من مكانها بعد أن نقص وزنه، كان من الممكن أن تكون ساعة ذهبية غالية الثمن »لكنه رفض اقتراحي هذا« قال بهدوء شديد : »مش عيب« ؟
اعترضت : ما العيب في ذلك ؟ . وأنت تاجر كبير ونعمة الله متوفرة، ربت على وجهي وأردف ذلك بقبلة دافئة وهمس : نتبرع بثمنها لمن لا يملكون إلا حجارة الطريق القيت برأس على صدره سمعت قلبه يلهث ويلهث كأنه يعتلي صهوة جواد جامح واعتذرت : معك حق : أنت دائما عظيم في ايثارك ونبلك.لم أكن أرسم له لوحة مديح مزيفةأنه حقا يتمتع بنبل شديد وايثارية غير مرهونة، يحرم نفسه كل شيء كي يوفر الأشياء كلها لي ولأ طفاله وللناس .

طابور الخبز
وفي قصة »طابور الخبز« نجد أنفسنا أمام قدرة متميزه في التقاط الأحداث والنهايات والدلالات وإحساسات التفرد والاغتراب - تثير التساؤل (؟!)، فرغم أن ما يقوله فن »ليلى العثمان« القصصي يستمد قيمته مما لا يقوله - رغم ذلك فهي تقدم لنا تجربتها بأسلوب رشيق يعلن ولا يضمر (؟!) محاولة فك رموز ما استغلق فهمه للوهلة الأولى .. ولإعتماد الكاتبة - في اختيارها لموضوعات قصصها - على التعامل مع لحظات انسانية تمور بالدلالات فهي تقدم لنا في هذه القصة - طابور الخبز - ثلاث صور مختلفة »للانسان« الرجل في الصور الأولى تواصل معالجتها لصورة الأب المتسلط .. فقد حنان الأبوة .. جاف المعاملة، من خلال بواحها بما هو مكبوت بداخلها من ألم هو وليد سنوات من المعاناة والحرمان .
وتقول : تذكرت دكان »القريني« الذي كان أبي يشتري لنا منه الشيء الكثير ونحن في طريقنا الى المدرسة ثم يتركنا ليواصل طريقه فأواصل مع أخوتي السير، لكن الأشياء تغريني فآخذ في التهامها، وفي المدرسة اشحذ من نصيب أخوتي ويبدو أن احداهن اشتكتني لوالدي فتبعنا ذات مرة دون أن أدري، وراقبني وأنا التهم ذخيرتي، وقبل أن أصل المدرسة كانت يده تصل الى أذني وتقرصها بشدة آمرا ألا أكلها في الطريق.
كان يتدخل في كل شيء حتى في شهيتي وكنت في داخلي أرفض هذا التدخل الذي يحرمني متعة أن أفعل ماأريد، كان في داخلي يعيش قلق ما ! ماذا لو حدث لي شيء مفاجىء ؟؟ تصدمني سيارة مثلا فهل أموت وفي نفسي اشتهاء لشيء ما !! ؟؟ كبر معي هذا القلق الفريد وصوت مثار للسخرية أمام صديقاتي حين اشتري حذاء جديدا أنتعله وأضع القديم في العلبة وأخرج بالجديد الى الشارع وأنا سعيدة، أعيش اللحظة ولا أحد يكبت لي رغبة كما كان يفعل والدي وتزعق عيني بالدموع .
وفي الصورة الثانية . تقدم لنا الرجل في صورة الأخ .. الفتي الذي يعاني آلام الحياة مع زوجة الأب .. عديمة الرحمة .. فتقول: انتصب وجه أخي قادما من حي »المرقاب« الذي كنا نسكن فيه، ويسكن الحب جوانبه .. وكل بيوته الطينية وقلوب اناسه، كان أخي يذهب كل يوم ليحضر خبز التنور لكنه يتأخر فتعاقبه زوجة أبي عندما تلمس الخبز وقد برد وتعجن، ذات مرة أصرت أن تراقبه فالتحفت عباءتها وتبعته دون أن يدري .. عادت به وهي تصك بأظافرها على زنده وتقذفه بالسباب واللوم المبرح، لقد وجدته ملتصقا بجدار التنور رغم حرارته .. يراقب »عواشة« وهي تقف في الطابور »ولم يغادر إلابعد أن حصلت على أرغفتها فتبعها كالكلب الأمين، وتبعته زوجة أبي، وما أن اطمأن لدخولها الى البيت وانتعشت نفسه حتى كانت زوجة أبي تطبق عليه ... وتقل فرحته« .
وفي الصورة الثالثة : تقدم لنا صورة للرجل .. الذي يعطي دون مقابل .. الذي يعطي بلا حدود ولعطائه مذاق خاص .. ونكهة متميزة .. والناس إن أعطت فإنها تعطي مما لديها .. وهذا ليس بعطاء أما هذا الرجل الذي تقدمه لنا »ليلى عثمان« فهو يعطي من ذاته - وذاك هو العطاء - تقول: كانت فرحة الأعرج كبيرة وهو يلتقط الأرغفة الحارة التي تتقاذف إليه وكبرت الفرحة وهو يتجه نحوي يحملها يشد عليا حارصا ألا تخذله مشينه فيسقط بعضها ويسبب له هذا حرجا أمامي.. فتحت له باب السيارة، صف الأرغفة على المقعد المجاور قبل أن يغلق الباب سألته : وأرغفتك ؟؟ ابتسم بلا مبالاة : لا يهم .. سأقف ثانية بالطابور، آلمني ايثاره فألححت عليه أرجوك .. خذ منهم خمسة، ينقصون، لا بأس فأنا لا أحتاج كل هذا اليوم .

عالم رحب
وتواصل الكاتبة تعاملها مع الحدث بطريقة تخرجنا - نحن معشر القراء - من عوالم غرفنا الصغيرة الى عالم أرحب مدى، من خلال مواصلتها الرحلة مع هذا الرجل الأعرج، الذي يمثل حالة عطاء متفردة بين جموع من البشر نهشت الحياة دواخلهم وتمركزت فيها الأنانية.. هاهي تفي بوعدها للأعرج .. ها هي تعود .. وصلت الى دخلة الشارع وجدتني لا شعوريا التفت الى الناحية اليسرى، ورفرف قلبي لقد لمحته، واقفا ينتظر، مددت ذراعي كله من نافذة السيارة وأعطيته الإشارة من البوق قفز كالمجنون .. »في داخله حافز مضطرم للعطاء« كان متلهفا لقطع الشارع لكن سيل السيارات يقطع عليه الفرصة .
والموت في هذه القصة - طابور الخبز - سائد ومهيمن، سائد بمعناه المادي ومهيمن بمعناه المعنوي .. والموت المعنوي أشد وطأة من الموت المادي، ولأن ما يقوله فن »ليلى العثمان« القصصي - كما أسلفنا يستمد قوته مما لا يقوله .. مما يوحي به .... فإن للموت - هنا - دلالات وتلميحات.
ونلحظ مما قدمناه من نماذج أن »ليلى« عند ابحارها - عبر يراعها - الى عالم الرجل، تتخذ من القسوة سلاحا للنفاذ الى هذا العالم حينا، وتتخذ من المديح التعاطف المؤازرة سلاحا للنقاد حينا آخر، كما تتخذ من المعاناة سبيلا للإبداع، فهي ترى أن الحرمان يولد ألما نضطر لدفنه بداخلنا لأنه تجربة شخصية بحته لا يمكن أن يشاركنا بها أحد، وبالطبع فإن كبتها في الداخل يجعل من التعبير عنها فيما بعد يأتي على شكل انفجار فتأتي الصورة قوية وحادة وصادقة وهنا يكون الصدق في الابداع (2)، وهنا يمكننا القول بأن قصص »ليلى العثمان« هي محاولات للنفاذ الى الواقع المعذب، وتصوير إحساساته ونبضاته »وماكنا محيطين، ولكن نضرب الأمثله« .
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش