الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

''ضدَّ الشعر''....او اغنية التّم...*حسب الشيخ جعفر

تم نشره في الجمعة 7 آذار / مارس 2003. 02:00 مـساءً
''ضدَّ الشعر''....او اغنية التّم...*حسب الشيخ جعفر

 

 
لا ريب ان »جلجامش« اول قصيدة مطولة في الادب العالمي.. وقد تلمست الطريق الى القضية »الوجودية« الاولى في الوضع البشري... قضية الموت. وبعد البحث ومحاولة اجتياز هذه المعضلة بعُشبة الخلود.. وهنا تكمن المأساة.. لم يجد البطل المغامر بين يديه غير الخواء او الفراغ.. فقد سرقت الحية تلك الحزمة من الاعشاب.. ولماذا الحية؟ ألأنها تجدد جلدها من عام الى آخر؟ ام لانها المرأة التي يتجسد في بريقها ونعومتها الشر؟ ولقد عاد جلجامش لكي يموت كما مات، من قبل، رفيقه انكيدو جثة تتساقط على وجهها الديدان. وكان هذا بعد الصراع مع الوحوش والغيلان. وبعد ان نأى جلجامش بقلبه عن نداءات ربة الحب. وكأننا في الطريق الى »فلسفة«الخيام او »القدرية« الاغريقية!
في »الجحيم« من كوميديا دانتي.. كان الشاعر »غريبا« اول من دعا بالرأفة والرحمة.. متعذبا بأنين العذاب البشري. وبعد »المطهر« بعد شحوب القوة الغنية المتعاظمة في »الجحيم« لم يجئ الفصل الثالث »الفردوس« الا غيوما بيضاء تائهة في الفضاء الكوني. وكأنما العبقرية اعتصرت قواها في الكهف دونما طائل.. كي تتلاشى في البياض الاعظم.. لم يكن الجزء الاخير من »الكوميديا« الا ضبابا او حلما كهنوتيا اشيب! ومن الصعب جدا ان يجد الظمأ الانساني ريا له في تلك الغمائم »اللؤلؤية«.. كان في الفصل الاول وصافا رهيبا للآلام.. وفي »المطهر« كان رحيما.
ولم يعد في »الفردوس« الا مغنيا كنائسيا بارعا!
قد يقال عنها انها قصيدة عظيمة! انا اعني ارض اليوت الخربة او المجدبة. لا شك في انها »فنيا« انجاز شعري رائع لا يقل شأوا عن انجازات الشعر الكبرى.. وقد يقال ان من اروع ما فيها هو تلك »الصبغة« الشعرية »العامية« في الحوار الشائق بين امرأتين »شعبيتين« في مقهى من مقاهي الازقة. وبعد الزخرف »الكريستالي« من البلاغة والاقتباس تنتهي القصيدة الى كومة قشور.. الى شيء اشبه بزخرة يأس او الم. ولم يكتب بيكيت في »انتظار غودو« و»الرماد« وغيرهما الا »هوامش« كئيبة، مثل اليوب، على احواش السجل الانساني.. دون ان يتخذ من المسوح الكهنوتية زيا له. وكأننا امام »الراهب الاسود« في قصة تشيخوف.. او تحت سحابة من افول العالم.
كان السياب، ايضا، من سارقي او »كهنة« النار المرتدين او »المنشقين«.. بعد »النهر والموت« و»انشودة المطر« و »بور سعيد« حبذ السير على رصيف »الباعة« السياسيين القوالين. وقد انتهت صيحاته العظيمة في »الاسلحة والاطفال« الى عواء او نشيج، وسريعا ما اقتادت الخطوات المتفجرة شاعرا متفردا ومنفردا مثل مايا كوفسكي الى حانوت المداحين.. الى شاعر اعلانات اشتراكية! وكان الوار باهتا بين الوردية والثورية. بينما انجذب اراغون، كأي صوفي او فارسٍ غنائي، الى نيران عيني الزا الروسيتين، متلفتا الى اطمار السريالية، مصغيا الى صيحات البط المهاجر اللائعة! ربما كان الوار طفلا »عنقوديا« كما صوره بيكاسو! وكان اراغون جنديا في ثياب عاشق تروبادوري. بينما لا ارى جاك بريفير الا »مهرجا«شيخا في قميص طفل. واما انت يا »عاشق الليل« فلم تكن قيثارتك الا ثلجا وملحا... الا دخانا ابيض. كانت سافو محمومة.. انما كانت بيضاء كالفحم. والى اليوم لم تزل الحمائم تهتف بنواح الخنساء. ولم تقل اخماتوفا الا ترنيمة حب خائب.. وفي الاماسي الرمادية كان الكساندر بلوك تائه الخطى »بحثا« عن السيدة الليلكية بين الظلال المتخافقة في الغسق الكاتدرائي.. وعيناه عالقتان بعيني ممثلة في مطعم.. اما مارينا تسفيتايفا »المحمومة« الاخرى فقد كانت تحلم بمعطف بايرون خافقا في رياح الساحل البريطاني الضبابي.. فوق صخرة ما. وفي الملهى الباريسي كان الجواهري متدثرا بعباءة البحتري.. شاعرا مفوها. وبعد افلاطون هو اول من اصغى ملهما الى الضفادع.. الى بنات الماء »بريدا للهوى« .. بينما مجدها الفيلسوف »بريدا للماء«! والالق المتطاول في بحار جون بيرس اهو الالق نفسه الذي كان متقدا في قلب عوليس.. ابتعادا عن الشواطئ واقترابا الى المجهول؟ ام هو »الحثالة« تضعها »النساء التراجيديات« على اعتاب المعابد المخربة؟ كان ابو نواس، قبل الخيام، لهبا مظلما في قدح. ولم يكن ابو الطيب الاصحراء فروسية على ظهر مهر سابح. قد يتذكر الناس »حكمة« الشاعر.. وبعيدا تتألق القصيدة في »الصاعقة« كجناح عقاب..
القت سافو بعريها الشاحب.، من الصخرة العالية، الى قرارة البحر احتراقا بحب مخدوع. يا قصيدة يا لؤلؤة متفحمة. كان ابن هاني ضائعا في البحث عن »التوافق« في الجرة المحطمة، وبودلير زائغ العينين، متطلعا الى »الجمالية« الممسوخة راقصة مسرح خلاسية او تمثال محظية ابيض. وقد يكون غوته آخر الشيوخ »الخياميين« النزقين! ومن يدري؟ هل ان آنية كيتس الاغريقية في مثل »جمالية« غانيات بايرون الايطاليات؟
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش