الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بعد نصف قرن من العطاء الشعري:الموت يغيب خنساء الشعر الفلسطيني فدوى طوقان

تم نشره في الأحد 14 كانون الأول / ديسمبر 2003. 02:00 مـساءً
بعد نصف قرن من العطاء الشعري:الموت يغيب خنساء الشعر الفلسطيني فدوى طوقان

 

 
الدستور ـ تيسير النجار
غيب الموت أمس الأول الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان التي ولدت في نابلس عام 1917 لأسرة عريقة وغنية ومحافظة اعتبرت مشاركة المرأة في الحياة العامة أمرًا غير مستحبّ، فلم تستطع إكمال دراستها، واضطرت إلى الاعتماد على نفسها في تثقيف ذاتها. وقد شكلت علاقتها بشقيقها الشاعر إبراهيم علامة فارقة في حياتها، إذ تمكن من دفع شقيقته إلى فضاء الشعر واستطاعت وإن لم تخرج إلى الحياة العامة - أن تشارك فيها بنشر قصائدها في الصحف المصرية والعراقية واللبنانية، وهو ما لفت إليها الأنظار في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي ومطلع الأربعينيات.
موت شقيقها إبراهيم ثم والدها ثم نكبة 1948، جعلها تكتب شعرا رثائيا في تلك الفترة الى الدرجة التي سميت فيها بالخنساء كما جعلها تشارك من بعيد في خضم الحياة السياسية في الخمسينيات، وقد استهوتها الأفكار الليبرالية والتحررية كتعبير عن رفض استحقاقات نكبة 1948. وكانت النقلة المهمة في حياة فدوى هي رحلتها إلى لندن في بداية الستينيات من القرن الماضي، والتي دامت سنتين، فقد فتحت أمامها آفاقًا معرفية وجمالية وإنسانية، وجعلتها على تماسٍّ مع منجزات الحضارة الأوروبيّة. وبعد نكسة 1967 تخرج الشاعرة لخوض الحياة اليومية الصاخبة بتفاصيلها، فتشارك في الحياة العامة لأهالي مدينة نابلس تحت الاحتلال، وتبدأ عدة مساجلات شعرية وصحافية مع المحتل وثقافته.
تعدّ فدوى طوقان من الشاعرات العربيات القلائل اللواتي خرجن من الأساليب الكلاسيكية للقصيدة العربية القديمة خروجًا سهلاً غير مفتعل، وحافظت فدوى في ذلك على الوزن الموسيقي القديم والإيقاع الداخلي الحديث. ويتميز شعر فدوى طوقان بالمتانة اللغوية والسبك الجيّد، مع ميل للسردية والمباشرة. كما يتميز بالغنائية وبطاقة عاطفية مذهلة، تختلط فيه الشكوى بالمرارة والتفجع وغياب الآخرين. على مدى 50 عامًا، أصدرت الشاعرة ثمانية دواوين شعرية هي على التوالي: (وحدي مع الأيام) الذي صدر عام 1952، (وجدتها)، (أعطنا حباً)، (أمام الباب المغلق)، (الليل والفرسان)، (على قمة الدنيا وحيدًا)، (تموز والشيء الآخر) و(اللحن الأخير) الصادر عام 2000، عدا عن كتابيّ سيرتها الذاتية (رحلة صعبة، رحلة جبلية) و(الرحلة الأصعب).
الشاعرة فدوى طوقان التي تقول في مذكراتها: خرجت من ظلمات المجهول الى عالم غير مستعد لتقبلي. امي حاولت التخلص مني في الشهور الاولى من حملها بي. حاولت وكررت المحاولة. ولكنها فشلت. عشر مرات حملت امي. خمسة بنين اعطت الى الحياة وخمس بنات، ولكنها لم تحاول الاجهاض قط الا حين جاء دوري، هذا ما كنت اسمعها ترويه منذ صغري. كانت مرهقة متعبة من عمليات الحمل والولادة والرضاع. فقد كانت تعطي كل عامين او كل عامين ونصف العام مولوداً جديداً. يوم تزوجت كانت في الحادية عشرة من عمرها، ويوم وضعت ابنها البكر كانت لم تتم الخامسة عشرة بعد. واستمرت هذه الارض السخية - كارض فلسطين - تعطي ابي غلتها من بنين وبنات بانتظام: احمد - ابراهيم - بندر - فتايا - يوسف - رحمي.. كان هذا كافياً بالنسبة لامي، وان لها ان تستريح، لكنها حملت بالرقم السابع على كره. وحين ارادت التخلص من هذا الرقم السابع ظل متشبثاً في رحمها تشبث الشجر بالارض، وكانما يحمل في سر تكوينه روح الاصرار والتحدي المضاد.
وصفت طوقان بلؤلؤة الكلام، وبنبتة الظلال التي تعانق المساء، الصوت الحنون الذي يستحضر الأمل وقت الظلمات، انها لم تكن وحيدة في نهاية رحلتها الجبلية، رحلتها الصعبة بأحداث وذكريات الزمن الجميل.
طافت الراحلة الكبيرة فدوى طوقان العالم مشاركة في مؤتمرات ولقاءات أدبية، تلتقي مع خبرات وقامات أدبية عديدة.
وتحظى طوقان بالتقدير العالي في مختلف المحافل الثقافية والأدبية، وسبق ان حصلت على العديد من الجوائز الأدبية الرفيعة: جائزة الزيتونة الفضية الثقافية، جائزة عرار، وجائزة سلطان العويس، وسام القدس، جائزة المهرجان العالمي للكتابات المعاصرة، جائزة بابطين للإبداع الشعري، شهادة الاستحقاق الثقافي، وجائزة كفافيس اليونانية وغيرها.. وكل هذه الثروة من التجارب والذكريات الجميلة تشكل زاد فدوى في وحدتها المتجددة، بعد أن فارقت القلم وفارقها الكتاب والشاعرة طوقان وهي تغيب اليوم فستبقى بروحها المتمردة، الهائمة تتجدد مع كل ما هو جميل وأصيل من الشعر.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش