الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في اطار اسبوع التضامن مع الشعب الفلسطيني*شهادات حول التهجير القسري في رابطة الكتاب الاردنيين

تم نشره في الأربعاء 17 كانون الأول / ديسمبر 2003. 02:00 مـساءً
في اطار اسبوع التضامن مع الشعب الفلسطيني*شهادات حول التهجير القسري في رابطة الكتاب الاردنيين

 

 
الدستور - جهاد هديب
لقد ارتقى الفلسطيني بألمه الخاص الى مستوى الشقاء العادي. لا يبوح كثيرا ولا طويلا. فالتذكر يخز مطارح الوجع. وان جرحها يسيل الدمع ويصير للبكاء سبب كي يندرج الفرد في اطار الجماعة.. هو هنا يعبر عن ألمه الخاص.. هو هنا »حالة« تكثف موسما من العذاب الذي سام الفلسطينيين في اثر كارثة العام 1948.
الشقاء العادي ليس سوى تلك الحكايا الصغيرة للبشر في معاناتهم من التهجير القسري الذي مارسته العصابات الصهيونية وأفرغت بموجبه قرابة 445 ما بين قرية ومدينة وبلدة ومطارح اخرى تدعى الواحدة منها (خربة).
غير أنه في ذلك الشقاء العادي تكمن الدراما »الفلسطينية« التي هي انسانية بالاساس وتفيض عن الجغرافيا والقضية لتلامس سؤال الفرد في معاينته مصيره الخاص.
للشقاء العادي ايضا مرويات وشهادات كان مكانها مساء امس الأول في رابطة الكتاب الاردنيين حيث يقام اسبوع للتضامن مع الشعب الفلسطيني وحيث استمع الحاضرون القلائل في قاعة الرابطة لعدد من الشهادات الحية والعيانية لعدد من اعضاءالرابطة من الذين شهدوا التهجير القسري عام 1948 اطفالا وشبانا. وتلا تلك الشهادات جلسة اخرى تحدث فيها الباحث صبحي طه عن »حق العودة والمأزق الاسرائيلي«.
تحدثت أولا الشاعرة مريم الصيفي عن تهجيرها وأهلها من قرية »الولجة« القريبة الى القدس فبدأت القول بانها أشهدت الله والحاضرين على انها لن تفرط في حق العودة وفي سياق موضوع الشهادة قالت:
مرت الأيام.. وتعلمت في مدارس وكالة الغوث الدولية في عمان.. تجرعت مرارة التشريد والفقر.. وقفت في طابور توزيع الحليب.. ووقفت طويلا طويلا في طابور توزيع المؤن احمل مجموعة من الخرائط القماشية ليضعوا لي نصيب اسرتي من سكر وارز وعدس وغيرها من المواد التي توزع... كذلك اناء لتوضع فيه سمنة المؤن.. وإناء آخر للعجوة.. وكيسا للطحين، نأخذ هذه المواد ونستأجر حمارا ليوصلنا من المصدار (مركز توزيع المؤن) الى الجوفة عبر وادي سرور.. على الرغم من صغر السن الا انني كنت احس بالألم الشديد وقسوة العيش التي لازمتنا فترة طويلة من الزمن.
وعن تلك الاوضاع قال جميل بركات انه وفي سنة 1944 قرر حزب العمال البريطاني بالاجماع تحويل فلسطين الى دولة يهودية واخراج سكانها العرب منها الى الاقطار المجاورة. وهكذا استمر الحال على هذا المنوال وجميع زعماء وحكام اسرائيل فيما بعد ساروا على هذا الدرب حتى يومنا هذا وما لم تغير اسرائيل استراتيجيتها المبينة على الاغتصاب لحقوق الشعب فان السلام لا يمكن ان يتحقق في المنطقة علما بان الفلسطينيين لن يتنازلوا عن حقوقهم طال الزمن ام قصر وان تصميمهم على العودة لديارهم سيستمر.
اما شهلا الكيالي فقالت ان العمر قد توقف بها هناك في اللد في عمر الست سنين تحديدا وذكرت انها تجلس في يوم تموزي شديد الحرارة من عام 1948 على عتبة بيتها العتيق في مدينة اللد تنتظر عودة ابن خالتها (اسعد الكيالي) والذي كان كل مساء يأتيها بأشياء جميلة ومفرحة وفي ذلك الصباح سألها اذا كانت تريد شيئا معينا ان يأتيها به هذا اليوم فقالت اريد دمية جميلة.
ومع الغروب جلست تنتظره كعادتها مع انها لم تنم ليلتها الماضية بأمان فثمة شيء غريب يحدث في محيطها، الجميع يتحدثون عن عصابات صهيونية اجرامية، وعن هجوم هنا وهجوم هناك واحتلال هنا واحتلال هناك.
وحكاية صغيرة اخرى تذكرها الشاعرة شهلا الكيالي عن تلك البنت التي كانت وما زالت حية اثناء التهجير فتذكر:
العطش اخذ مني مأخذه.. لمحت احد جنودهم يقف على مقربة مني وهو يهز زجاجة الكازوز.. امي اكاد اموت عطشا، اذهبي اليه لعل في قلبه رحمة فيسقيك رشفة .. »عمو«: عطشانة عطشانة كثيرا اسقيني جرعة من هذه الزجاجة..
ملأت ضحكته المكان وجلجل بصوته الوقح.. اسقيك؟
انا لست ولي امرك اذهبي الى حكام وملوك العرب فهم قد باعوك وهم قد يسقونك ويطعمونك.. جملة اصبحت بالنسبة ليس علامة من علامات حياتي لا يمكن للزمن ان يعبث بها او يمحوها.
واشارت ايضا الى قصة اخرى: وذات يوم احضر والدي وقبل وفاته رزمة مفاتيح صغيرة وكبيرة.. اشار لأحد المفاتيح الكبيرة قائلا هذا مفتاح الدار الرئيسي. ان هذا المفتاح من جهة الشمال.. وهذا المفتاح الخلفي.. المفاتيح الصغيرة هي مفاتيح الصناديق.. والخزاين وغيرها..
طلبت من والدي يومها ان يعطيني احد المفاتيح الكبيرة. فسلمني المفتاح الخلفي قائلا انه امانة حتى تعودين..
وبعد ذلك قالت في ارتجال: هل تعلمون اين المفتاح الآن؟ لقد اعطيته لذلك الرئيس الذي اخرجه الاميركان في هيئة مهينة.. لقد اعطيته المفتاح لانه يقول »الله اكبر« وان فلسطين عربية من البحر الى النهر. ثم بكت.
الشهادة الاخيرة لم تكن اقل حرارة.. كانت للزميل للاستاذ فوز الدين البسومي الذي ذكر انه ولد لابويه ابان الاضراب الكبير والذي ذكر انه اضراب كان سيستمر لو لم تتدخل زعامات عربية لانهائه.
وقال ايضا انه تسمى بفوز الدين تيمنا بالقاوقجي وقال انه زار فلسطين ويعرفها كلها وانه شاهد ندوة لعباس محمود العقاد في الخامس من ايار عام 1947 عنوانها »عبقرية عمر« صارت كتابا فيما بعد بل ان البسومي بذاكرته النابضة تذكر اسئلة للحضور واشكالات تحدث وبيتا او بيتين من الشعر قيلا في تلك الندوة وقال ايضا ان العقاد قد تنبأ له بمستقبل أدبي.
كانت ذاكرة الاستاذ فوز الدين مليئة بالمفارقات عندما تحدث عن ذكريات التهجير القسري التي بدأت من الرملة وانتهت في شارع طلال في عمان مرورا باللد حيث كان شاهد عيان على المجزرة المعروفة التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في حق اللاجئين الى بيت الله بقيادة مجرم الحرب موشيه دايان الذي كان يحمل في يده سوطا يضرب به الناس لما اقتحم وعصابته الجامع وقبل ان يبدأ (برشهم) مثلما ذكر الاستاذ البسومي.
ايضا قال البسومي انه تسلل الى فلسطين المحتلة ثلاث مرات كان آخرها في العام 1956 حيث نام في بيت اهله لعشرين يوما فحتى ذلك التاريخ اكد البسومي ان الرملة لم تكن قد استوطنت من قبل اليهود الذين جلبتهم الدولة الصهيونية بمعونات سخية من العالم.
ايضا، تميزت شهادة البسومي بمعاينة الاثر الذي تركه التهجير القسري على الناس في يومهم فقال ان عمان قد غلت في احدى سنوات الخمسينات في اثر خطبة ناصرية فالتمت الناس في مجمع العبدلي وكان مناد ينادي باسماء المدن الفلسطينية المحتلة انذاك فاقتربت منه جدة البسومي فقالت: الرملة فرد ذلك المنادي بالقول: في المشمش. ولم تحزن تلك الجدة فحسب بل ماتت (مجلوطة) على الرصيف القريب ولم يعلم آل البسومي بذلك الا بعد اسبوع.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش