الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وجه ناجي العلي في مرآتي شاعرين: يحضر جسده كمسيح عند البرغوثي ويبقى حنظلة عند العامري

تم نشره في الجمعة 29 آب / أغسطس 2003. 03:00 مـساءً
وجه ناجي العلي في مرآتي شاعرين: يحضر جسده كمسيح عند البرغوثي ويبقى حنظلة عند العامري

 

 
عمان – الدستور: لقد أسال غياب وجه ناجي عنا إثر اغتياله في تلك الظهيرة الغائمة في لندن البعيدة دمعا كثيرا وحبرا كثيرا ما زالا ينهمران.
ومثلما فعل الفنانون العرب الذين تدفقت منهم اعمال عن ناجي العلي وقتله المثير لأقصى الغضب واقصى الألم وأقصى العنف وأقصى المخيلة فقد كتب الشعراء قصائد عنه تكاد لا تحصى تفاوتت من المباشرة في القول والوضوح في الاتهام الى تأمل هادىء يترقرق حزنا.
الشاعران مريد البرغوثي وعلي العامري كتبا قصيدتين يشعر المرء معهما انه يقف على مزاجين شعريين مختلفين وخبرات مختلفة في الكتابة الشعرية الا انهما توحدا في الحزن حتى الاحساس العميق بالمرارة في قصيدتيهما (أكله الذئب) للبرغوثي و(نص الحناظلة) للعامري واللتين لم تكونا اختيارا متقصدا بل مما طالت اليد.
تتوفر (أكله الذئب) ذات الاحالة الكبيرة على قصة يوسف والموقع الاساسي لشخصية الذئب التي تتوفر على غنائية رقراقة وفيها صفاء من شدة الحزن:
»وقفنا على قبره خاشعين
وما زال من دمعه في الفضاء نداء
وما زال خيط الدماء على وجهه
راعفا«
ولا يجعل مريد البرغوثي القول الشعري قابلا للتأويل الى انه يأخذ المغدور ناجي العلي الى مصاف المسيح وهو الشاهد عليه والصريح في نقل الرسالة مباشرة.. انه يحدد من القاتل:
»وقارن اذا شئت بين الذئاب
وبين الذين أتوني من الخلف
فالذئب يبدو أليفا،
أنيق المخالب والروح
حين نقارنه بالذي اطلق النار في شارع
ثم احصى ثلاثين فضة، واختفى!«
وحقا، ما في القصيدة (خصوصية) من نوع ما او خصيصة من نوع ما تميز العلي، عن سائر البشر في القصيدة غير ان كل ما فيها يشير الى (بطل) أعز من (شهيد) يبقى بيننا وتهيم روحه في الفيافي والمطارح والأزمنة كما هي حال المسيح عليه السلام:
»وقفنا على قبره خاشعين
وما زال ينزف حزنا علينا
وينزف حزنا على شكل ايامنا القادمات
ويرمي على قاتليه التهكم والذعر
حيا وميتا، ويحبسهم في براويزه الهازئات
ويمضي الى موته صامتا
عارفا«
وهذا التواجد الحي للعلي في قصيدة (أكله الذئب) لا نلحظه في (نص الحناظلة) لعلي العامري.. انه في الغياب المكتمل واليقيني فيما نحن هنا اولئك اليتامى الحناظلة الذين أمضهم الحزن والوجع على رحيل ابيهم:
»شجر غربي النهر بكى
وبكى شجر يطلع من ثوب الصلصال كثيرا،
فالهجرات ابتدأت تكتب لائحة الهجرات،
راح القلب يصيح، ويركض في كتف الاوقات رماد
ورماد والطير يلملم اجنحة من نار حيث ترمد
ماء النهر، فقام القصب، الخيل واشجار الطرفاء
وقام الطير يلملم اجنحة ويطير«
مع علي العامري وطرائقه في القول الشعري ننحاز الى تأمل هادىء، ان طيرا يخرج من نهر ترمد يشير الى طير يفر من ألم لا الى عنقاء تخرج من الرماد فالحدث ترك ألما لا يُعقل ولا يُطاق، وتتردد القصيدة من صراحة المعنى الى تواريه كأنما الرغبة العالية في البوح للشاعر تدفعه الى البكاء وسط اخوته:
»شجر يبكي
وظباء تعرج في بال الاطفال، وجارتنا المجروحة
تسأل:
من سيجبّر كل كسور الروح؟
ومن سيجبر خيمتنا ويناغي عتبة داري
الاولى؟
يا للهجرة تخمش وجه الماء فيلهث في خيش
الخيمة ذئب الجوع ولكن تبقى الريح تجيء
بهودجها، إذا تحمل رائحة الطين وتحمل في
كفيها اول موال غنيت، وكان حبيبي يرقص
مثل نخيل في غزة او مثل الحور ببيسان«
ولا يجيء (نص الحناظلة) قصيدة في كتلة واحدة بل هي مقاطع بدا انها مختلفة اوقات الكتابة فهي ليست دفقة واحدة بل دفقات عديدة كما لو ان ذلك بالفعل استراتيجية نصية عند العامري تخرج بالقصيدة عن الحدث وتنأى بها عن المناسبة.. انها قصيدة من ديوانه ومما يقدمه للقارىء بوصفها اقتراحا جماليا وليست فقط قصيدة للبكاء على ناجي.
هنا يمكن القول ان شخصية حنظلة شخصية متعددة احيانا تكون مأخوذة او مسرودة من اعمال ناجي العلي:
»حنظلة يعشق هذا الوطن العربي، ويلثم بيروت كثيرا
ويلوح بالارز الدامع فوق البحر ويترك خصلة ورد
فوق جنوب القلب ويمشي في الهجرة نحو الهجرة«
وفي احيان اخرى يشعر المرء بالتباس بين حنظلة العامري وحنظلة العلي، فالاول في هذا السياق كأنما هو خارج من روح العامري ومن قلبه بل من عيشه لما كان في العاشرة.. انه هو على وجه التحديد:
حنظلة ولد اشعث
لا يعرف غير حليب الام ويشرب ماء السيل، وماء الوجع المدلوق على »زينكو البراكيات« ويعرف غسان وكل البسطاء يصافحهم في كل صباح، اذ يترك في ايديهم وشما حركيا في كل الاوقات يشير كبوصلة نحو فلسطين.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش