الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بمناسبة صدور مجموعته الشعري »أنشودة المستحيل«: التل: الشعر خلق وابداع وموقف وارادة ورؤيا.. انه صياغة للحياة

تم نشره في الخميس 13 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 مـساءً
بمناسبة صدور مجموعته الشعري »أنشودة المستحيل«: التل: الشعر خلق وابداع وموقف وارادة ورؤيا.. انه صياغة للحياة

 

 
الدستور - عمر ابو الهيجاء: يعتبر الشاعر محمود فضيل التل ان الغموض حُجب للنص على امكانات تلقيه على نحو ما اراده الكاتب او الشاعر، ويؤكد الحوار التالي ان التكنولوجيا احدثت تأثيرا كبيرا في مختلف اوجه حياتنا المادية والمعنوية حتى وقدمت خدمات جليلة في التغلب على كثير من مشكلات الانسان وقضايا عصره.
محمود فضيل التل شغل اكثر من منصب كان آخرها امين عام وزارة الثقافة، واصدر اكثر من مجموعة شعرية نذكر منها: اغنيات الصمت والاغتراب، نداء للغد الآتي، شراع الليل والطوفان، وجدتك عالما آخر، جدار الانتظار، الى غير ذلك من المجموعات.
في هذا الحوار نلقي الضوء على تجربة التل الشعرية وقضايا الشعر ودور القصيدة في الظرف الراهن:
* كيف حطّ طائر الشعر على شرفاتك ومتى؟
- كانت لي بداية مبكرة مع الشعر، لم أفاجأ عندما بدأت ألحظ ميلا واستعدادا لكتابة الشعر منذ سنّ مبكرة، فما كان حبي لقراءته، واهتمامي بحفظه ومتابعتي له قديما وحديثا الا علامات على طريق الكتابة الشعرية ايام ان كنت في المرحلة الاعدادية في الخمسينات، فقد كان يستهويني درس او مادة المحفوظات، وكنت اذهب في قراءتي للقصيدة الى حدود بعيدة في مجالات الخيال ورحاب التأمل، واجد نفسي في بيئة الشاعر الذي قال او كتب القصيدة كما لو انني وُجدت بها، حتى انني ارى كل شيء فيها، واعيش احاسيسها الوجدانية والوطنية بعمق، هكذا كنت مهيئا لتذوق هذا النوع من الكتابة وهذا الشكل من اساليب التعبير والبوح.. الذي يسمى بالشعر وكنت كثيرا - خاصة في حالات احساسي بالتوتر والقلق والشعور بان شيئا ما في داخلي يود ان يكون او يظهر او يتشكل على نحو ما - كثيرا ما كنت اخرج الى الطبيعة الجميلة آنذاك في مدينة اربد، واعيش بين اطياف الكلمات والخيال وفي عالم الاحساس الذاتي اقلب وجوها من المعاناة التي تثقل مشاعري وخواطري وتوقظ فيّ وعيا لادراك هذه الابعاد التي استطيع احيانا الاحاطة بها.. واحيانا لا استطيع، ولكنني في كل الحالات كنت اقول شيئا لا اجرؤ على التحدث به الا في حدود ضيقة.. فقد كان مستغربا علينا او على مثلي ان يدّعي كتابة الشعر في تلك المرحلة في بيئة تقبل ان نحفظ القصيدة التي نعطاها في المدرسة كواجب مدرسي، ويُستهجن علينا ان نقول شيئا من هذا القبيل، ولكني كنت اقدر هذا الشيء في نفسي واجلّه، واشعر بأنه قيمة اعتز بها وتجعلني اشعر بانني استطيع ان اعبر عن نفسي وافصح عن احاسيسي واعلن رأيي واحدد موقفي على الرغم من بساطة ذلك في ذاك الوقت.. المهم ان لدي شيئا اقوله.
اما التشيجع في تلك المرحلة فقد كان محدودا من بعض الاساتذة والاصدقاء، اما التثبيط او الاحباط فقد كان اكثر بكثير، ورغم ذلك فقد حرصت على المضي في هذا السبيل الذي اخذ يزداد جمالا وروعة في نفسي ويزيدني ثقة وتقديرا بما استطيع، ولم يقف الامر بالنسبة لي في نظرتي للشعر على انه مجرد كلمات يعبّر بواسطتها الانسان - او من خلالها - عن احاسيس عابرة ذاتية كانت او موضوعية.. بل انه صياغة للنفس والحياة على نحو ما اريد ان تكون انه اتيان بشيء، انه خلق وابداع وموقف وارادة ورؤيا، استطيع ان اتحدث بها بما اريد وكما اريد وكما احب ان اكون وان تكون.
واود ان اذكر هنا بانني بدأت تجربتي في الكتابة في مجال القصة القصيرة - وكان ذلك في الصف الخامس الابتدائى - ثم اتجهت الى كتابة الشعر.
ومن الجدير بالذكر ان عددا من القصائد في البدايات قمت بنشرها في ديواني اغنيات الصمت والاغتراب، ونداء للغد الآتي، وما زالت التجربة مستمرة، وقد اصدرت حتى الان تسع مجموعات شعرية.
ولا شك بانه قد كان لكارثة فلسطين وغيرها من النكبات العربية وقضايا الحياة الاجتماعية آثارها الواضحة والعميقة في تشكيلنا على نحو وآخر من الوان الابداع.
* قصائدك تتسم بالوضوح، هل ترى الغموض من شروط القصيدة العربية الحديثة؟

- الاصل في كل شيء الوضوح، الوضوح في الفكر والرأي والفن والكتابة، لكن التطور احدث او ابدع اشكالا والوانا متنوعة ومتعددة نتيجة التجربة والخبرة وبسبب او بفضل الانتقال والتأثر الثقافي مما لدى الغير، هذه الاشكال والالوان والاساليب كثيرا ما رأيناها تخرج على ما كان سائدا ومألوفا، واصبح هذا الجديد او الغريب عما الفنا، هو الاصل او النهج السائد والمقبول عند البعض من المبدعين، وتقف وراء ذلك فلسفات ومفاهيم ورؤى اصبحت تحكم العملية الابداعية وتقف جنبا الى جنب مع القيم الفنية والاسلوبية وحتى التناول الحداثي للموضوعات التي يعالجها الكتاب والفنانون والشعراء في اعمالهم، بل اصبحت القيمة الفنية الاساس التي تحكم العملية الابداعية.
اقول ان الاصل هو الوضوح، لان الهدف هو ايصال الاحساس او الفكرة والرأي على نحو يمكن القارىء او المتلقي من الفهم والتذوق واحداث تأثير ما لديه - وباعتقادي ان النص او العمل الفني الذي لا يحقق مثل هذا التأثير يبقى ناقصا او عاجزا عن اداء غايته وهدفه، وليس المقصود ان يكون هذا التأثير لدى شخص بعينه.. بل عند الجميع وعلى نسق او باتجاه واحد، واذا ما كان مختلفا عما لدى الآخرين، فمن غير الممكن ان نكون موقفا واحدا من شيء او قضية لها قيمة في حياتنا.
فالوضوح عنصر وشرط اساسي من شروط او عناصر التذوق والاستمتاع ولا يتعارض هذا الوضوح اطلاقا مع الاسلوب او المستوى الفني للشعر ولا يقلل من شأن الابداع، فالشاعر بطبيعته واضح الرأي والفكر والاحساس ولا بد ان يكون واضح التعبير والتناول، لانه - الشاعر - يبقى يمثل موقفا رياديا وحالة واعية من المسؤولية، وهو قيادي فيما يتطلع اليه من تحقيق التأثير الذي من شأنه ان يصل بالآخرين الى غاية ما.
اما الغموض فهو حجب للنص على امكانات تلقيه على نحو ما اراده الكاتب او الشاعر، والغموض ايضا غريب عن الشعر وغريب عن كافة اشكال التعبير ويعكس الغموض احيانا عدم القدرة على حسن تناول الموضوع، وعجز عن تحقيق التواصل، وقد يكون تطفلا على العمل الابداعي، فالوضوح بالمقابل فلسفة تقوم في جانب منها على تقديم ما يتصل بجوانب حياة الانسان وبواقعه ومستقبله، فكيف نقدم له حياته او جانبا منها، وكيف نقدم له تناولا لقضاياه على نحو غامض وهو المقصود بها، ثم هو المعنيّ بفهمها والتفاعل معها، وانها موجهة اساسا اليه كانسان ومواطن، فاذا كان الشعر والابداع عامة خلافا لذلك فانه يصبح ترفا ذاتيا.. ويعود بنا الى مقولة الفن للفن، بعيدا عن استحقاقه نظيرا فاعلا للحياة.
والوضوح في معنى من معانيه، هو الاستخدام الامثل لعناصر العمل الادبي او الغني وهو الاستخدام الامثل لادوات الشاعر الفنية، وفي مقدمة ذلك اللغة التي هي السبيل للتعبير وصياغة ما لدى الشاعر في قالب او شكل مفهوم ومعبّر عنه بطريقة ميسّرة قابلة للفهم والتداول والتفاعل معها على نحو يزيد العمل الابداعي - فنا او شعرا - جمالا وروعة وعذوبة، في حين يجعل الغموض من العمل ذاته جملا كلامية مقطوعة عن سياقها العام، فارغة من مضامينها واحاسيسها البنائية بشكل كامل او شمولي او كلي، الامر الذي يجعل من لغة او بناء النص حالة عبثية مشوهة من التقابل بينها وبين الاحاسيس والافكار التي تعبّر عنها.
لقد اصبح الغموض عصيا على الفهم وحرمان المستمع او المتلقي متعة وروعة التذوق في اعتماده الاغراق في الذاتية الداخلية للشاعر، واتجاهه نحو التهويم والتعمية والتجريد اللغوي القريب من المعادلات والمصطلحات الكيميائية والفيزيائية الغريبة عن الادب والفن، وبالمقابل فانني لا ارى ولا اقصد ان يكون الوضوح تبسيطا وتسطيحا للنص بل عمقا قابلا للفهم والاحاطة بالموضوع، والقدرة على الوصول على النص على نحو ما هو موجود في نفس كاتبه، والوضوح على هذا النحو الذي اقصده يعكس الوضوح في شخصية الشاعر والمبدع.. في فكره ورأيه وسلوكه - ويعكس ايضا مدى صلته بالانسان الآخر، ومعرفته بما يريد ان يقول، وما يهدف اليه من عمله الابداعي.
ان الغموض لن يحقق - كما يرى البعض - ولن يؤدي الى رفعة المستوى او تغريب اللغة والاسلوب وععماء الدلالة وبيان القصد والغاية.
وعلى اية حال فالوضوح والغموض قضيتان للشعراء والفنانين منهما مواقف متباينة ومختلفة، فمنهم من يرى في الوضوح ظاهرة فنية لها قيمتها الفنية العالية، ومنهم من يعتبر الغموض سمة حداثة وابداع، الشعر الواضح هو الذي تستطيع الاحساس به وفهمه وحفظه، وهذا ما يجعلنا نردد حتى الآن قديم الشعر العربي البعيد ومن مختلف العصور بينما لا نذكر او نردد شعرا كثيرا من شعر هذه الايام.
* صحيح ان الانترنت قدم خدمة كبرى وعظمى للبشرية نحو المستقبل، يبقى السؤال: ما مدى تأثير او اثر الانترنت على الكتاب المقروء في ظل التقدم التكنولوجي؟
- لا شك ان التكنولوجيا احدثت تأثيرا كبيرا في مختلف اوجه حياتنا المادية والمعنوية حتى وقدمت خدمات جليلة في التغلب على كثير من مشكلات الانسان وقضايا عصره وربما الى حد ما - بالنسبة للبعض - اثّرت على الكتاب المقروء، ولكن اعتقد ان هذا الاثر محدود وسيبقى محدودا، لان الكتاب وثيقة مألوفة بالنسبة للكتاب والمثقفين، وهو مرجع ملموس ومحسوس يمكن حمله حيثما وأينما نريد وقد تعودنا اقتناءه ويمكن ان نتحمل قراءته مهما تعددت صفحاته وفصوله وابوابه.
اما الانترنت فيساعدنا في الرجوع الى اخبار ومعلومات محدودة، فالكتاب شامل يضم بين دفتيه اكثر ما يكون عن موضوع معين، وان في اقتنائه ميزة ومتعة للمثقف ويمكن ان يعود بنا الى عصور وازمان بعيدة الى الوراء، يحوي تراث الانسانية العريق، وفيما اظن ان الانترنت لن يكون بديلا عن الكتاب فطبيعة التعامل مع الكتاب اصبح جزءا منّا، نشعر بحريةكاملة في مطالعتنا له في جلوسنا معه بحرية ومتعة، وقد اصبح من الاشياء الاساسية من مقتنياتنا، يتوفر فيه الحنوّ، نشعر به، نتعاطف معه، وسيبقى خير جليس نجد انفسنا وغيرنا به، يشهد لنا على تقدم البشرية، وعلى الرغم مما للانترنت من ميزات عديدة فانه لن يكون بديلا للكتاب خاصة على مدى عدة اجيال قادمة، وفيما ارى سيزداد مستقبلا الاهتمام بالكتاب والعناية به، لان الانترنت يحوي معلومات عامة عن اشياء ومن بلدان عديدة بينما نجد في الكتاب ما نضعه نحن فيه.. ابداعنا وفكرنا وثقافتنا وفنوننا وتاريخنا، ومعتقدنا الى غير ذلك، والكتاب بمكانته الرفيعة والمرموقة تراث ثقافي تجب المحافظة عليه، والاعتزاز به.
* كيف تقرأ القصيدة العربية في ظل الانكسارات والهزائم المتتالية، وهل ما زالت تحافظ على دورها التوعوي؟
- ان هذا السؤال له علاقة الى حد كبير مع السؤال الثاني المتعلق بالوضوح، اذ ان اعتمادكم غير قليل من شعر هذه الايام على الغموض نأى به عن الدور المؤمل في ظل الانكسارات والهزائم التي شهدتها الامة، وحرمانها من دورها التوعوي، وان كثيرا مما يكتب هذه الايام على انه شعر وطني لا نرى اي صلة له بالوطن سوى ان كاتبه يرى به ذلك، فما يكتب حول هذه الهزائم والانكسارات كثير من حيث الكم، ولكنه يمكن ان يفهم على انه يتناول اي شيء الا هذه الانكسارات والهزائم.. وكل ما في الامر ان كاتبها يعتبرها تتحدث عن ذلك، في حين ان مفرداتها او لغتها ومضامينها لا ينبىء عن شيء من هذا القبيل، وبكلام آخر يمكن القول بان الشعر هذه الايام لا يؤرخ - الا في القليل منه - لما شهدناه من انكسارات وهزائم، ومثل هذا الشعر لا يحدث وعيا ولا التأثير المرجوّ منه، واكثر من ذلك، فان مثل هذا الشعر لن تحفظه الذاكرة ولن يكون شاهدا على شيء.
* عندما يصل الشاعر الى لحظة الصمت او تكرار نفسه، فهل عليه ان يتنحى جانبا او يتكىء على موروثه الشعري السابق؟
- الصمت بالنسبة للشاعر حالة من التأمل والتفكير العميق، ولحظة الصمت عنده لحظة ابداع حقيقي، اما اذا وصل الشاعر لحظة الصمت بمعناه اللفظي وهو الوقوف عن ان يأتي بجديد او عدم القدرة على الكتابة والابداع فعلية ان يتذكر مسؤوليته ودوره كشاعر، وان هذه المسؤولية والدور منوطة به مدى الحياة، وان يعي دائما دوره الريادي والقيادي والابتكاري المتجدد ليكون هذا حافزا له للاستمرار في الكتابة لكي لا يخطر بباله او بال احد بان عليه ان يتنحى عن الكتابة، فالكاتب مادّته الحياة، وما دام في الحياة فعليه ان يبقى مع الحياة في ابداعاته المتجددة، واذا صح لفئات اخرى في الحياة او المجتمع ان تتنحى عن فعلها الدائم، وان تتخلى عن حضورها ومشاركتها الفاعلة فان هذا لا يصح ولا يجوز ان يصح على الشاعر لان كل لحظة تنبعث فيه حالة ما من حالات الاحساس والشعور الذي يفضي الى الابداع بجديد.. وان اتكاءه موروثه الشعري يعتبر حالة من التلاشي او حالة من العجز والتقهقر وفي معنى آخر حالة من الموت الابداعي، وعلى الشاعر الحقيقي ان يدرك بان واجبه الاول في ان لا يصل الى لحظة الصمت لانها تنتفي مع كونه شاعرا او مبدعا طالما ان هناك حياة وانسان ومعاناة مهما كان شكل هذه المعاناة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش