الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سيرة »الحربان اللتان عشتهما« صدرت بعد رحيله * موريس تومسين.. الباحث عن الحقيقة من خلال الكفاح

تم نشره في الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2005. 02:00 مـساءً
سيرة »الحربان اللتان عشتهما« صدرت بعد رحيله * موريس تومسين.. الباحث عن الحقيقة من خلال الكفاح

 

 
عمان - الدستور - مدني قصري: من الأسباب العديدة التي تدفع الكاتب إلى كتابة قصة حياته لن نجد الرغبة في كشف الحقيقة هي السبب الأكثر انتشارا. فما أبعد أن تكون الحقيقة الدافع الأساسي لكتابة السيرة الذاتية.
أن ينحت الكاتب صورته كما يريد لها أن تكون، وأن يطمس بعض الأحداث المزعجة في حياته، وأن يضيف صيغا أكثر انسجاما وتناغما للحياة نفسها فهذا سلوك لا يرى فيه الكاتب عادة حرجا ولا ضيقا، لكن أن يقول الحقيقة الصرفة كما ولدتها أمها فذاك ما لا يستسيغه ولا يطيقه !
ومع ذلك فمِن هذا الوسواس وُلدت رواية »موريس تومسين«: »الحربان اللتان عشتهما«، رواية رائعة، تروي الحرب ضد الكذب الذي يمثل نقطة الإنطلاق لكل عمل أدبي.
ولد الكاتب الروائي الامريكي موريس تومسين عام 1915 عند بداية إحدى الحروب ومات عام 1991 عند نهاية حرب أخرى. وقد أمضى حياته يحارب مظاهر الزهو والأوهام والمظاهر الخداعة لعائلته، ولبلاده ولشخصه أضا.
هذا الكاتب المتبني للمذهب الفوضوي، وابن الصناعي الثري... إنطلق - هو المنتمي لأغنى أمة في العالم والرافض للثراء العائلي- في تعرية الأشياء، تاركا بلاده، وأخيرا واضعا ذكرياته في كتب »حارقة« جريئة لم تجعله مشهورا. لكن موهبته وأناقة نثره الجميل وقلمه الرشيق وبراعة نظرته للأشياء والكيفية التي اخترق بها كل الأعراف ما لبثت أن شقّت طريقها إلى القراء، إبتداء من بعض الكتاب الأميركيين الكبار من أمثال »ولاس ستيغنر« و»بول تيرو«.
ظل هذا الرجل منشقا منفردا، ناسكا متواضعا، يخوض حربه وحده ولا سلاح عنده غير استعداده لوصف الجانب المطموس من الحقائق. فمن بين الكتب الأربعة التي خلفها وراءه فإن »الحربان اللتان عشتهما« هو الكتاب الذي ذهب أبعد ما وسع الكتاب في البحث عن الحقيقة. وهو أيضا الكتاب الذي لم ينشر إلا بعد وفاته، وكأن الكفاحات التي كان يخوضها كفاحات لم تكن قابلة لأن تطاق إلا بعد عقود عديدة ! لأن الصراعين اللذين خاضهما (صراعه مع والده الجشع المستبد، ثم صراعه مع الحرب العالمية الثانية التي قذفته بشكل شبه صدفوي في وحدة من القاذفات الحربية على السواحل الفرنسية) لم يكن موريس تومسين متأكدا كثيرا من أنه قد كسب أحداهما أو كليهما. فالصراع الأول الذي واجه فيه ولي أمره كان قاسيا لدرجة أن رعب هذه العلاقة كان لا يزال يملؤه حتى في آخر أيامه: »أشرع في الكتابة عنه وإذا بالغضب الدفين الذي صار عمره خمسين عاما ينبثق من أعماقي من جديد فيجعلني أرتعش ارتعاشا«!
فالكاتب يبني جسورا غير مرئية بين وضعية الأسرة المضطربة وبين وضعية بلاده، حيث كلاهما مرصودان للحرب وحيث كلاهما منتفخان غرورا وعجرفة. فالأب مزهو وموقِنٌ بتفوق عرقه وبثقافته. ثم البلد الذي يدخل الحرب - الحرب العالمية الثانية - وهو لا يضع في حساباته حتى إمكانية أو احتمال الإنهزام فيها. بلد مُصِرّ على ابتلاع كل ثروات العالم، ومدّع أنه يمثل الديمقراطية بعد أن هيمنت »الإمبراطورية« على كل شيء منذ زمن طويل. وسواء تعلق الأمر بالذكريات الشخصية أو بتاريخ البلاد فإن تومسين يوظف التصورات الجماعية وكافة أشكال القناعات الجماعية. فمن خلال هوسه بالإنتماء إلى جماعة معينة يفكك الكاتب القصص الجميلة والأساطير المفخمة : قصص والد كما يرى نفسه، وقصة الطيارين الأميركيين كما يراهم مواطنوهم المعجبون.
ويتساءل تومسين: »أي نار توقد الذاكرة، وما هي الأشياء التي نتذكرها؟ لماذا يختار العقل تسجيل الأشياء الصغيرة ولا يحفظ الأشاء الكبيرة؟ من الذي يضع الحفر في الكرونولوجيا (أي التسلسل التاريخي)؟ من أين نمسك خيط عقدة الحقيقة والكذب حين تتسرب الصور الخارجية (صور وسينما) إلى هذه الحفر لتوهمنا بأننا نتحكم في ذكرياتنا؟ ثم ما الذي يجعل بعض المشاهد من ماضينا تبدو لنا غريبة لدرجة أن الآخرين يبدون وكأنهم الأبطال الذين صنعوها؟
ما من إجابة بالطبع. بل مجرد أسئلة يطرحها الكاتب حتى لا تأخذه سنة أو نوم. وحتى لا يقع في أحابيل الإنفعال الكاذب. وحتى لا يكون الطفل الذي خاب ظنه فيما مضى، وحتى لا يكون أيضا الوريث لأب ثري أو لوطن غني يمكن لذكرياتهما أن تقتله كما تقتل القنابل! وحتى يكسب حربا...حرب الأدب طبعا!

عن »لوموند«
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش