الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بعد تكريس حضورهم الدائم في التاريخ * فلاسفة اليونان ..نماذج خالدة أم أسطورة هوية ؟

تم نشره في الاثنين 8 آب / أغسطس 2005. 03:00 مـساءً
بعد تكريس حضورهم الدائم في التاريخ * فلاسفة اليونان ..نماذج خالدة أم أسطورة هوية ؟

 

 
الدستور - مدني قصري: إنهم في كل مكان. صرنا نلتقي بالإغريق الذين أفلتوا من العصور القديمة في الأفلام والروايات وفي السياسة والفلسفة والرياضة والهندسة المعمارية، وفي العلوم وفي الحكمة أيضا. هذه النماذج القديمة صارت اليوم مصدر إلهامٍ جديد. فهل صار القديم جديدا؟ حتى هوليود تعيد قراءة هومر وبلوتارك وغيرهما في أفلامها الجديدة.
قد يقول قائل إن الأمر محض صدفة ليس إلا! السياسة مثلا هل تفلت من هذا الدفق الهلّيني؟ لا مفر! كلمة سياسة politique لفظة إغريقية (بوليس polis : : المدينة«. ولا ننسى بالطبع كلمة »ديمقراطية« و»استبداد« و»اقتصاد« وهي المصطلحات التي تأتينا مباشرة من الإغريق. لكن أليست هذه الذريعة ذريعة جد عامة ؟ لنتأمل إذن الألعاب الأولمبية! كل واحد يلاحظ أن هذا الإختراع الإغريقي الصرف صار اليوم رهانا عالميا. فأثينا في العام الماضي فقط ما فتئت تردد هذه الحقيقة على مسامع العالم كله. هذا الرهان أكثر من ذلك صار اليوم رهانا سياسيا أيضا. واسألوا في هذا الأمر باريس أو لندن إن كنتم لا تعلمون !
هل صار وجود الإغريق القدماء أقوى اليوم مما كان عليه في الماضي؟ أم صار مختلفا ليس إلا؟ فعند الفلاسفة صار هذا الوجود وجودا دائما مستمرا . فلا أحد من هؤلاء الفلاسفة يستطيع التملص من أفلاطون وأرسطو، هذين المعلمين المؤسسين. فمع هذين الفيلسوفين نلتقي بأساليب ومسائل الفلسفة الغربية. ورغم ذلك كله فقد تغير المناخ العام خلال السنوات الأخيرة. فقد قام »بيير هادوت« من »كوليج دي فرانس« بإبراز الحصة الأساسية للتدرب اليومي في العمل على الذات عند المفكرين القدماء. فقد بيّن على الخصوص في كتابه الصادر حديثا »ما هي الفلسفة القديمة ؟« كيف كان هؤلاء الباحثون عن الحكمة يسعون ويجتهدون قبل أن يصبحوا بناة الأنظمة الفكرية وأصحاب مؤلفات إلى الغوص في أعماق ذواتهم من أجل التحول ومن أجل تغيير علاقتهم بالذات الجوانية.
وفضلا عن ذلك فقد صرنا اليوم نرى القدماء يتضاعفون ! فقبل فترة قصيرة لم نكن نعُدّ سوى بضع عشرات من المفكرين (»قاموس الفلاسفة القدماء« الذي أنجز بقيادة ريشار غوليت الصادر عن المركز الوطني للبحث العلمي في أربعة مجلدات) فإننا نعدُّ اليوم آلافا عديدة من المفكرين. فوراء وجوه بارزة من أمثال أبيقور وكريسيب أو ديوجين نرى اليوم كوكبة من الأتباع ومن المعلقين. ناهيك عن أن اليونان القديمة تنتشر عن طريق آخر ايضا: فبعد أن كان التركيز يقع في السابق على الحقبة الكلاسيكية وحدها صار الإهتمام ينصب بشكل أعمق على المدارس أو الكتّاب التابعين لفترات هلينية أحدث عهدا، فصار المهتمون يترجمون الفيلسوف بلوتين، وصرنا نعيد اكتشاف اليونان القديم في الفترة ما بين القرن الثالث والخامس من تاريخنا الميلادي. فهذه الفترة الحاسمة التي تعايش فيها آخر الوثنيين مع آباء الكنيسة فترةٌ جد مختلفة عن فترة سقراط أو أرسطوفان.
إذا أدخلنا هذه التطور الهليني الأخير في الحسبان فذاك سيعزز عندنا فكرة أن الإغريق قد ابتكروا كل شيء في النهاية. في هذه الحالة يتعين علينا أن نضيف إلى فاتورة ديوننا تجاه الإغريق - والتي تتضمن أيضا المسرح ترجيديا كان أم كوميديا، وأعمدة واجهات المباني التي تزيّن عواصمنا الغربية، وقياس القطر في دائرة الأرض، ومعادلة فيثاغورس - فإنه لا بد من أن نضيف اليوم مع آخر الإغريق من الفلاسفة عناصر غير معهودة مثل عشق الشرق والإهتمام بالنظام الغذائي النباتي وإغراء التجارب الصوفية والتأملية. ولن نكون مغالين كثيرا إن قلنا بأن هؤلاء الفلاسفة قد اكتشفوا العصر الجديد قبل أن نكتشفه نحن الغربيين بكثير.
وباختصار فسواء تعلق الأمر بالفنون أو بالعلوم، أو بالفلسفة أو بالسياسة أو بالأساطير أو بالعقل أو حتى باللامعقول والباطنية فإننا ندين لهم، كما يقول الهليني جوناتان برنيس الأستاذ بجامعة السوربون حاليا بكل الأشياء التي تجعل الحياة البشرية قابلة للحياة - باستثناء البستنة التي ندين بها للرومان، وفنون الطبخ التي ندين بها للفرنسيين، والموسيقى التي ندين بها للرب. فهل يجعلنا ذلك نستخلص أن الإغريق يشكلون جذورنا وأصولنا، أي مفتاح هويتنا الأوروبية والغربية ؟
هنا بالتحديد ينبغي أن نتوخى الحذر. أولا لأن الإنتقال بينهم وبيننا لم يتم بطريق مباشر. هناك عوالم ثلاثة - الروماني والمسيحي والعربي - تداخلت بأشكال مختلفة فحافظت وأثرت أو غيرت وشوهت الأفكار والأعمال. وهذه الرحلة الطويلة تركت آثارها وبصماتها بالتأكيد. إننا نبحث منذ عصر النهضة عن آثار الإغريق فينا، فنحاول أحيانا إعادة خلقهم لِنُوهِم أنفسنا بأننا قد اكتشفناهم أو أعدنا اكتشافهم. لأنه إذا كان الإغريق هم مخترعينا فهم أيضا إختراعاتنا. لذلك فقد صاروا أسطورتنا.
لذلك بدأ المؤرخون يتساءلون اليوم عما نفعله بهذه العهود القديمة وفقا لفترات تاريخنا. وترى بعض الإتجاهات الفكرية أن اليونان أسطورة نحكيها لأنفسنا وتتطور مكوناتها من عهد إلى عهد !
فالجدل قائم والإكتشاف متواصل والقراءات تغوص أكثر فأكثر بحثا عن حقيقة الفلاسفة اليونان الذين بدأوا يغزون السينما والمكتبات من جديد، ومعرفة إن كانوا نماذج خالدة في فكرنا أم إنهم أسطورة البحث عن هوية أوروبا؟
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش