الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«ديوان الشعر العربي الجديد» لمحمد عضيمة * المختارات الشعرية على طريق الهايكو * * حاتم الصكر

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 مـساءً
«ديوان الشعر العربي الجديد» لمحمد عضيمة * المختارات الشعرية على طريق الهايكو * * حاتم الصكر

 

 
المختارات الشعرية التي ضمها «ديوان الشعر العربي الجديد» للشاعر والمترجم والباحث محمد عضيمة والتي جاءت متسلسلة في عدة كتب او اجزاء بحسب التوزيع الجغرافي للاقطار العربية ، تستدعي وقفة مطولة ، لا اظن اننا سوف نستوفيها هنا ، لكننا سنثير الاسئلة التي تتداعى بعد قراءة اجزاء «الديوان» ، ونتوقف عند المقدمة تحديدا ، فهي تعرض خطة المختارات وفلسفة الاختيار ومعاييره.. ولا شك ان اختيار قصائد لشعراء عديدين ومن اقاصْ جغرافية وحواضر يوقع المشتغل على المختارات في مصادرات واخطاء وعثرات لا بد ان تصاحب عملا كهذا.
ولكننا نستذكر هنا قولا لإليوت في مذكرة كتبها حول تطور الذوق في الشعر - وهو ما يدخل في صميم اي عمل من صنف المختارات - حيث يفرق اليوت بين مرحلتين: المتعة بالشعر وشعورنا به ونحن في حالة استرخاء ، وبين ما يسميه «الخبرة الشعرية العميقة» التي يتولد عنها التوقف عن التعرف على انفسنا من خلال الشاعر الذي نقرأه فيصبح للقصيدة وجود خارج انفسنا.
المختارات في التصنيف الاجناس عمل نقدي ، ويحقق الى جانب الاستمتاع رؤية خاصة من جهة ، وتعبيرا عن ذوق العصر او الجيل الذي ينتمي اليه صاحب المختارات ، فهو لا يتخلص بوعي او بدونه من ايقاعات عصره واصداء الافكار الكبرى التي تتحكم في رؤية مجايليه لشعر وفهمهم لنظامه وقواعده.
هذا التشخيص لا يشمل بالضرورة تلك المختارات المصنوعة لاسباب ايديولوجية مثلا ، او صارت تدخل في باب الترويج السياحي او التعريف ببلدان يشعر مبدعوها بالاقصاء او التهميش ، وحينذاك تلتم اسماء ونصوص لا يربطها الا الارض التي يعيش عليها منتجو النصوص ، فتغدو المختارات ارشيفا تعريفيا لا يقرأ فيه المتلقي سمات التجديد والاختلاف.
عمل محمد عضيمة حاول الافلات من شباك الذوق - لما فيه من انطباع قد يكون خادعا - ومن الارشيف - لانه يحشر الاصيل والمموه معا - فاستجاب لحاسته الشعرية - فهو ذو تجربة شعرية تمثلت في عدة دواوين - وايضا لما يحققه افق القراءة من انتقائية لها من الحسنات انها تنتبه الى غير المؤشر من اصوات الشعراء والشاعرات وغير المكرس اعلاميا ، اي انه ينتصر للهوامش والحواشي عبر اختيار من يرى انهم لم يعرفوا او لم يقدمهم احد.
ولكن متصفح المختارات قبل قارئها سيحس ان النصوص المختارة ذاتها عانت التهميش عبر قصها واختزالها والاطاحة ببنائها لصالح استخلاص «زبدة» او بيت قصيدة او شذرة تعاني من القطع والبتر وقد لا تؤدي وظيفة جمالية خارج معمار النص ذاته في افتراض فني متفق عليه لدى دارسي الشعرية مؤداه ان وحدة العمل تتخلله كله ولا يؤدي البيت او المقطع اية وظيفة الا بكونه مفردة داخل جملة النص.
وسيزيد عضيمة عناء النصوص المبتورة من الجسد ليجعلها ذات عناوين مستقلة يضعها هو ، وتبرز فيها روح الفكاهة والدعابة ، حتى تتحول بعض المعاناة الى كوميديا بسبب توجيه العنوان الذي وضعه عضيمة واغفل حتى عناوين القصائد التي انتزع منها هذه الكسر والشذرات ، متناسيا ما يؤديه العنوان كعتبة نصية مهمة على مستويي الكتابة والتلقي.
ولكن ما فعله عضيمة بالنصوص المقترضة من حاضناتها على انها جزء من «ديوان» الشعر العربي الجديد ، تحول الى تهجين للنصوص ووضعها في ابنية جديدة قريبة من قصيدة هايكو المختزلة والمكثفة.. مع ما بين النوعين من اختلاف: فالهايكو تقوم شعريتها على الاختزال اساسا ، بينما صارت نصوص عضيمة ذات وجود «هايكوي» بالقوة التي سلطها عليها.. ولكي اشارك القارىء في الحكم على الاجتزاءات واعتباطية العنونة وتوظيفها للتندّر وخلق مسار آخر للمجتزأ سنمثل بنموذج :
«بلا نعال»
ليس لديّ اجوبة للريح التي...
ايتها الريح الصبورة
خذي نشارة الباب واذهبي
قاسم حداد
ان السخرية في العنوان «بلا نعال» تستمد من فعل الامر اخر المجتزأ «اذهبي» مما ازال عن امكانية القراءة والتأويل احتمال التنازع بين الذات وما يهب عليها من اسئلة لا تجد لها جوابا.
واذا ما ذهبنا الى مقدمة المختارات «وامامي الكتاب الثاني مثلا» فسنجد تبريرات لهذا الاجتزاء لا تكفي لاقناعنا ، بان ما فعله عضيمة هو «ديوان الشعر العربي الجديد» .. بل هو «شذرات» منتزعة كان بامكانه ان يسميها هكذا ولا يعدنا بعمل انطولوجي عبّر عنه العنوان بطموح.
المقدمة التي يسميها «تقريبا مقدمة» تضع الحجاج حول عمله في دائرة مغلقة ، فهو يستبق الرأي ويضع جوابا..غالبا ما يستند الى الضد او الغائب ، كالقول مثلا ان اختار قصيدتين او ثلاث من شاعر ما لا تبرز خصوصيته كما انها في رواية طريقة تقليدية.. ويندفع من بعد للتشكيك في مصطلح الخصوصية ومفهومه... ولكن ذلك لا يعفيه من اعدام خصوصية النص وشعريته في الاقل بعد ان انتزع منه ثلاثة ابيات او اربعة ووضع لها عنوانا.
ثم يخلط بين ان تكون للشاعر خصوصية مفترضة ، وبين شهرته او تكريسه.. ليعلن ، بعد التشكيك بالخصوصية الغائبة بسبب طريقته في الاختيار ، انه لم يقف عند الاعلام المكرسين شعريا وانما انحاز لغير المعروفين..
وعندما يتحدث عن «الاجتزاء» الذي قام به ، يدافع بان يصفه بالدقة وانه جاء بعد قراءة متأنية لدواوين لكنه اعطى لنفسه مهمة توهم انها تنأى به عن التقليد في عمل المختارات وتصنيفها الساذج في ابواب لدى القدامى وبعض المعاصرين.. تلك المهمة عائمة وذات بعد ذاتي وذوقي يسميها «ابراز الجميل كما بدا لي مجسدا ، ناتئا داخل النصوص» او بعبارته الشاعرية «اخذت من كل قصيدة وردتها المتفتحة»..ولكن الحقيقة هي: ان ما فعله كان اقتطاعا لهذه الوردة من عودها ، وانتزاعا للابيات من سياقها داخل النص ، لتعيش في سياق اخر صنعه لها وسماها كذلك باسم جديد ليزيد ابتعادها عن الرحم النصي.
ثم ان كثيرا مما انتزعه على انه «وردة متفتحة» و«جميل ناتىء» عاد ليحيا مهانا او مستهزءا به بل يخالف احيانا صفة «الجديد» التي الصقها في العنوان.. كالسخرية من الهموم الانثوية مثلا حيث يضع لمجتزأ من الشاعرة ميسون صقر عنوانا ذكوريا ساخرا هو «مفتاح المطبخ» فيما يتحدث المقطع المجتزأ عن هموم الذات الانثوية مع الاخر :
«مفتاح المطبخ»
نوافذ بيتها مفتوحة على رجل ساهر
على شهوتها ،
آه لو تستريح التجاعيد على الجدران
ميسون صقر
واذا كان مشروع محمد عضيمة. وهو ينطوي على احاطة جيدة ومسح ملخص لاهم الاصوات في بلدانها سواء اكانت مكرسة ام في طريقها لذلك. كما يسميه «هو بالكامل محاولة لرؤية الاشياء ببعض الاختلاف» فكيف يتم ذلك بنبذ «الافكار» والانحياز للذات والمزاج كما يصرح ويكرر في المقدمة؟ وهل يصح ان يتمدد «المزاج»وممارسة «الذاتيات» الى حد مسخ النصوص باقتطاعها اولا ثم باعطائها عناوين تنقلها الى مساقات بعيدة عن مقاصدها؟
واذا كان «الدعوة الى الفرح» التي يتبناها الشاعر تفرض توهم «ابناء حداثة الفرح والابتهاج» كما يقول ضدا للافكار والميتافيزيقيا ، فكيف نصنع هذا الفرح في عالم قاس لا يكون فيه الشاعر شاعرا الا بالخروج عليه وعدم مصالحته؟
ان احساس عضيمة بالاكتئاب والاختناق كما يقول عند قراءة الشعر الحديث ، جعله يسقط نظرته الفرحة فيقتطع ما يتوهم انه فرح وابتهاج فيما ينعى الشعراء مفقودات وخسائر وآلاما لا يريد الصديق عضيمة ان يراها، لذا جعل لها عناوين مداعبة او متبسطة او فكاهية فها هو يقسر نصا من اربعة ابيات ليصبح كما يريد هو في العنوان الذي وضعه «اصالة الفرح».. وأي فرح في قول الشاعر حسن السبع :
ضحك المشيب برأس الطفل المشاغب
منذ اخفق في القواعد والحساب
وتقمص الفوضى
واوغل في دروب من تراب
اين «اصالة الفرح» المفترضة من عضيمة في نص يشيب فيه الطفل ويتقمص الفوضى ويمضي موغلا في دروب سرابية؟؟
لكننا يجب ان نسجل لعضيمة قوة تنظيره لقصيدة النثر وحرارة دعوته لشعراء الوزن كي يدركوا انه ليس بالوزن وحده يكون الشعر، كما نسجل نفوره من التقليدية بأية صفة جاءت: قصيدة نثر ام وزن؟ لذا فانه يصف ما يقدمه بأنه «اقوال شعرية لها صفات متعددة هي الشعر».
لم يقدم عضيمة شعراء موتى.. ولا كبارا مكرسين ولا مراكز او بؤرا يدور حولها الكون الشعري... ولعل المقدمة التي تشذرت هي ايضا وقفزت بسرعة من هنا الى هناك تكشف كثيرا من مشغلات رؤية عضيمة وعمله الذي تمزق الى اقوال و«وحوصلات» و«اخبار» و«شذرات» لكنها جميع تفتقد نفسها وجسدها الذي اقتطعت منه.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش