الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هل للوسطية مدرسة<br /> ] د. جواد العناني

تم نشره في الخميس 10 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

الخلاف بين افلاطون تلميذه أرسطو انصبّ أساساً على المنهج البحثي التفكيري في مقاربة الحقيقة والبحث عنها. أفلاطون آمن بالعقل، والتحليل، والاستنباط كما عكست ذلك الحواريات (الديالوجات) التي كتبها، وهو يبدأ بسؤال كبير مثل «هل بالإمكان تعليم الفضيلة؟» وبعد جدل بين سقراط استاذه ومريديه يصل إلى الاستنتاج أن الفضيلة يمكن تعليمها، ثم يعود في النصف الثاني ليصل إلى نتيجة معاكسة لذلك.

أما أرسطو فقد آمن بالتجريب، واستخدام الحواس من أجل الوصول إلى النتائج. ولذلك فقد تبنى المنهج العلمي المختبري، أو الأسلوب الاستقرائي.

وسواء آمنا بمنهج الاستنباط، أو بمنهج الاستقراء، فإن كليهما نهج علمي له أركانه، وأساليبه. وهنالك من يؤمن أن مزيجاً من الاثنين قد يكون السبيل الأقوم.

ولذلك، فإن الأسلوب العلمي الموضوع يجب أن يؤدي إلى حلول منسجمة مع قوانين الكون والطبيعة. وأن الاستمرار في البحث والتطوير واجب لأن حقائق الحياة كما يقول البعض تحتاج لبحث اقرب إلى تقشير البصل، حيث نتعلم بإزالة القشر والطبقات الاقل جودة حتى نصل إلى اللب، حيث الحقيقة، والتي ربما لا نصل إليها أبداً....



وفي الفلسفات التي سبقت أرسطو، قال «زينافون» أن من البديهيات الأساسية في الحياة ان يكون لكل شيء في الحياة نقيض واحد، وأن الشيء ونقيضه لا يجتمعان معاً. وإذا صحت هذه البدهية، فلا بد أن نستنتج أن نقيض الأبيض هو اللاأبيض، وليس الأسود، وأن نقيض الجمال هو اللاجمال وليس القبح. ولذلك فإن الجمال واللاجمال لا يجتمعان معاً.

نحن نتكلم عن التطرف نحو اليمين، والتطرف نحو اليسار. ويمكن لليمين ان يجتمع مع اليسار وان يتقاربا بحسب بديهية «زينافون»، فاليمين واليسار يتعايشان، بل ويغذيان بعضهما البعض.

ولتشرح الصورة، تخيل أنك تمسك بيديك خيطاً حيث طرف الخيط الأيمن بيدك اليمنى، وطرفه الأيسر بيدك اليسرى. ستلاحظ أن الخيط الذي تمسكه على شكل خط مستقيم يظهر أن اليمين في طرف، واليسار في الطرف المقابل، وأن الوسط هو نقطة بينهما. وبمعنى آخر، أن الوسط هو حاله استنتاجية لوجود طرفين.

ولكن إذا قربت يديك من بعضهما البعض، وصار طرف الخيط اليمين قريباً من الطرف اليسار، فإن المنتصف يبدو هو النقطة الأبعد عن كليهما. ولذلك، إذا قلنا ان نقيض الوسط هو اللاوسط، يصبح كل من طرفي الخيط، يمينه ويساره على نقيض من الوسط:ويمكن لنا أن نتخيل الوسط ضلع مثلث، والضلعان الباقيان هما اليمين واليسار، أو أن نقول أن الوسط واليمين واليسار هما ثلاث دوائر متقاطعة، تشكل بتقاطعها حلقة مشتركة تمثل شيئاً من كل جانب.

ويشير القرآن إلى الأمة بقوله «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً (البقرة 143) ولكن الأدبيات الفقهية استعملت تعابير تركز على الطرفين مثل القاعدة الشرعية «لا ضرر ولا ضرار، أو القول «لا غلو ولا مغالاه»، أو القول «لا افراط ولا تفريط». مما يجعل ضمناً تعريف الحالة المرغوبة هي حالة الوسط بين هذا وذاك. ويؤكد ذلك احياناً الآيات القرآنية التي تحض على الاعتدال في السلوك مثل «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط»، أو «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواماً».

ولقد رأينا بعض الكتاب والمحللين ينظرون إلى «الوسطية» أو التوسط على أنها معدل، أو حالة هلامية غير مثيرة بين طرفين أو أكثر. وهم لا يحترمونها، ويكادون يتهمونها باللاموقف، أو اللاحالة. ولذلك وجب البدء في العمل على وضع إطار ومحتوى فكري للوسطية يجعلها ديناميكية ذات أبعاد واضحة، وحدودٍ على خريطة الفلسفات الأخرى.

في علم الاقتصاد، تعلمنا أن الوسطية هي حالة التوازن، بين القوى المختلفة. فتوازن المستهلك يعني الحالة الوسط المثلى التي توفق بين ما هو مفروض عليه من أسعار وبين ما هو متاح له من دخل وأفضليات. وتوازن الاقتصاد يعني وصوله إلى حالة التوفيق بين قوى العرض والطلب. ولذلك ركز الاقتصاديون الكلاسيكيون على مفاهيم «التوازن الطبيعي، السعر الطبيعي أو العادل» متأثرين بالأفكار الدينية.

وفي علم البيئة، نرى أن التدخل في تركيب الأشياء حسب اختيارات الطبيعة لإشباع رغبة ما أو تلبية حاجة ما هو إفساد للطبيعة، ومن ثم التلوث، والأمراض، وفساد في الهواء، والماء، والتراب. وكل مكوّنات الحياة الأساسية.

ولذلك، فإن العلوم الاجتماعية والإنسانية تناولت التوازن على أنه حالة مثلى في الوسط، ولكنها حالة «نظرية وغير مستقرة ديناميكياً، لأن القوى المؤثرة عليها في حركة دائبة مستمرة. فالوسطية والاعتدال والتوازن هي مفاهيم متقاربة تعكس سعي الإنسان وبحثه عن الحالة الفضلى أو المثلى، ولكنها عنصر تابع يتقرر بسلوك ظروف خارجة عنه.

وفي علم الإحصاء تعلمنا أن المعدل يمكن التعبير عنه بمقاييس كثيرة لا تنتهي. ويخلط كثير من الناس بين مفهوم «المعدل» ومفهوم المتوسط الحسابي، وعندما تجمع علامات الطلاب وتقسم المجموع على عدد الطلاب نخرج بمتوسط حسابي نسميه معدل علامات الطلاب هو كذا.

ولكن كلمة معدل تعني «الرقم الممثل للمجموعة». وقد يكون هذا المعدل هو المتوسط الحسابي، أو الرقم الوسط أو الوسيط الذي يتساوى عدد الذين فوقه مع عدد الذين أقل منه. أو هو الرقم الذي يتكرر. وهنالك مفاهيم أخرى كالجذر التربيعي لمربع كل الأرقام. هذه كلها طرق للبحث عن الحالة العاكسة والممثلة للمجموعة قيد البحث وهي التي تمثل الوسط.

وهكذا نرى أن مختلف العلوم توصلك إلى حالة واحدة، وهي أن اسلوب تفكيرنا ينصب في البحث عن نقطة أو مساحة متوسطة أقرب ما تكون إلى خلق حالة توافق مجتمعي. ولكن يجب أن نتذكر أن الوسطية يمكن أن تكون حالة خاصة بمواصفات ومعايير ومفاهيم خاصة بها، ويمكن استخراج الأدبيات التي تضع توصيفاً لكل هذه المفاهيم وطبيعتها من منظور الوسطية. وأن تؤكد على ديناميكية الوسطية، فهي حالة مستمرة التغير، ولكن ضمن حدود معقولة.

في هذا الزمان الذي يتداول الناس فيه مفاهيم ازدواجية متنافرة مثل «التفكير والتكفير»، «الحق والباطل»، «نحن وهم»، «الثورة والفتنة»، «الاعتدال والتطرف»، صار المطلوب هو البحث عن صيغة وسط نعرفها، ونجعلها مدرسة، وفيها مرجعيات واضحة تساعدنا في الحكم على الأمور.

وعودة إلى من كتبوا عن آلية العقل والفكر. فهي عند الطبيب وعالم النفس البريطاني «دي بونو» تعني القدرة على التعامل مع المجتمع، والتفاعل مع مؤسساته وتشريعاته وحدوده وفرصه»، وأما عند الدكتور محمد عابد الجابري فهي حالة من قبول الفروقات افقياً بين الناس في مختلف الأماكن وعمودياً بين الناس عبر الأحقاب المتعاقبة».

وفي كتاب أحمد العناني وكاننغهام «التاريخ المبكر لعرب الخليج» يتساءل المؤلفان «لماذا كان أهل شرق الجزيرة العربية آخر من أسلم، وأول من ارتد، وأعظم من قاتل، وتبنى أكثر المذاهب اصراراً على نقاوة الدين من المؤثرات الخارجية؟؟

وابن خلدون في مقدمته يثير كثيراً من الأسئلة عن بناء الحضارة ومن هم البناة من غيرهم؟

نحن بحاجة في الوطن العربي إلى المصالحة مع الذات، وبناء نموذج وسطي واضح المعالم ما أمكن، وفتح باب الاجتهاد، ودعم آلية التفكير والبحث بشقيهما الاستنباطي والاستقرائي. والذين لا يتغيرون مع تغير الظروف يتغيرون إلى حد يفقدون معه حاضرهم وتاريخهم وجغرافيتهم، بل ووجودهم...

لقد صدرت اعلانات هامة كان آخرها اعلان مراكش، وقبلها رسالة عمّان، ورسالة الأزهر الشريف، وكلها تصب في الخطاب المعتدل وتقدم للوسطية كمنهاج. وإذا كانت الوسطية ستأخذ طريقها نحو اجتذاب الشباب، ودغدغة عقولهم وعواطفهم لإبعادهم عن التطرف يميناً أو يساراً، فإن صياغة الوسطية كمدرسة فكرية باتت واجباً على المفكرين والمجسرين بين الناس وصناع القرار. وهذا واجب لا يحتمل التأخير.

] ينشر هذا المقال بالتزامن

مع صحيفة «العربي الجديد اللندنية»

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش