الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بعد مصادرة الأعمال الشعرية الكاملة لإبراهيم نصر الله * إلى متى تبقى الرقابة أداة لكبت الابداع وقتل المبدعين؟

تم نشره في الخميس 29 حزيران / يونيو 2006. 03:00 مـساءً
بعد مصادرة الأعمال الشعرية الكاملة لإبراهيم نصر الله * إلى متى تبقى الرقابة أداة لكبت الابداع وقتل المبدعين؟

 

 
الدستور - محمود منير
هل يمكن اعتبار الرقابة منظومةّ اجتماعيةّ سياسيةّ تتطور وتتغير عالميًا ولا تختفي؟ وهل تبقى شهية المنع حاضرة بانتظار الفرصة المواتية للانقضاض على العمل الأدبي أو الفني لإلغائه أو العبث به وفق اتجاهات القمع لدى الرقيب؟ وفي الجهة المقابلة هل يمكن النظر إلى أن المنع الذي تنتجه الرقابة هو أنجع طرق الشهرة وأكثرها أختصارًا للمنتج الابداعي وصاحبه في ذات الوقت. الرقابة سؤال دائم يعيشه المبدع حتى في أكثر الدول تحررًا ، حيث الرقابة إحدى آليات السلطة للدفاع عن نفسها سواء كانت السلطة دينية أو جتماعية أو سياسية، في سياق ذلك اعترض الفاتيكان على رواية "شيفرة دافينشي" لدان براون وعلى الفيلم المأخوذ عنها ، مطالبًا بمقاطعة الرواية والفيلم من قبل جميع المؤمنين في العالم. وعليه فإن سيادة القانون في ظل دول ديمقراطيةْ هي وحدها من يحافظ على حرية الابداع والتأليف والنشر فيها ، وأن قوى الشد العكسي في الغرب لم يكبح جماحها إلا القانون ، وما زالت الذاكرة الاوروبية تسجل فظائع النازيين في حرق أعمال توماس مان ، إريك ماريا ريمارك ، هنريك هين ، كارل ماركس وإتش. جي . ويلز في الثلاثينات من القرن الفائت.
أما في "اسرائيل" فإن القانون والمجتمع الاسرائيلي يواصلان رقابتهما تجاه كل ما يكتب عربيا أو دوليا ضد مشروع دولتهم: خوفا وعنصرية ورغبة في قتل الآخر ثقافيا. فقد منعت الرقابة العسكرية الإسرائيلية في أيار عام 2002 استيراد العشرات من الكتب ، حيث حظرت استيراد نحو 200 كتاب من الخارج للمشاركة في معرض حيفا للكتاب ، بدعوى أنها تحتوي على مواد تحريضية ضد إسرائيل.
من جهة أخرى فإن الحال في الوطن العربي يثير القلق والشفقة في آن ، فعدد الكتب الممنوعة في مصر - على سبيل المثال - كان ثلاثة أو اربعة كتب طوال النصف الأول من القرن الفائت ، فيما تجاوز الممنوع آلاف الكتب في النصف الثاني وبدايات القرن الحالي رغم رفع دعوات الحرية والديمقراطية ، وما يحدث على مصر ينطبق على جميع الدول العربية. وتكريسًا للرقابة واقرارًا بعدم التنازل عنها ، صحا الوطن العربي على فضيحةْ ثقافيةْ العام الماضي في معرض القاهرة للكتاب ، أضخم تظاهرةْ ثقافيةْ عربيةْ ، على عشرات الكتب الممنوعة منها: "احد عشر كوكبًا" لمحمود درويش ، وروايتا "الوميض" و"الوعول" لحيدر حيدر ، وروايات أخرى لطاهر بن جلون ويحيى ابراهيم وحنان الشيخ وكتب نصر حامد أبو زيد وغيرها الكثير.
يستغرب المتابع لموضوع الرقابة بأن أي جهة رسمية أو شعبية أو حتى فرد في الوطن العربي يملك القدرة على إثارة الرأي العام ضد أي منتج ابداعي: أدبي أو فني ، ليستصدر بعدها وبسهولةْ بالغةْ قرارًا بالمنع أو المقاطعة ، دون أن يحال العمل الابداعي للجنةْ مختصةْ في أي من حقول الابداع: روايةً وقصةً وروايةً وتشكيلاً وسينما ومسرحًا وغيره ، لجنة تضم نقادًا ومبدعين لا دركاّ وسجانين.
وتتضخم قائمة المنع والمصادرة يومًا بعد يومْ وفي معظم البلدان العربية لأسباب سياسيةْ ودينيةْ واجتماعيةْ ، ويتعرض المبدع العربي للاهانة في مجتمعه نتيجة ابداعه، حيث قد يتجاوز الأمر موضوع المنع ليقدّم الكتاب للمحكمة وتصدر أحكام تصل لحدود التفريق عن الزوج أو الزوجة أو السجن ، كما يمارس بحقهم التشهير والمضايقة وإطلاق شتى أنواع التهم والتجريح.
على المستوى المحلي فوجئ الشارع الثقافي الأردني بحملة الرقابة - العام الماضي - على مصادرة رواية نسبت لصدام حسين بناء على طلب وزير المياه العراقي وقتها ، المفاجأة لم تكن في قرار منع الرواية بينما يسمح بتوزيع مذكرات رابين ونتنياهو وبيريز ، إنما في مصادرة رجال الرقابة دواوين شعر لمحمود درويش ومظفر النواب وروايات عبد الرحمن منيف وغيرها ، علما بأن هذه الكتب قد فك عنها قرار المنع منذ اكثر من عقد من الزمن.
أن أرقاماً دقيقة تشير إلى منع أكثر من مائة كتاب بالأردن في السنوات الخمس أو الست الأخيرة ، طالت العديد من الكتاب كان آخرها منع الأعمال الكاملة للشاعر ابراهيم نصر الله قبل عدة أيام ، والذي أضيف لقائمة المنع التي ضمت : "شجري أعلى" للشاعر موسى حوامدة ، "رائحة صيف" للروائي فاروق وادي ، "خزانة الأسف" للشاعر زياد العناني ، و"سيرة الفتى العربي في أمريكا" للروائية د. رفقة دودين في مفارقة لم تشهدها الساحة الثقافية العربية حيث حصلت الرواية على جائزة رسمية أيام عمان عاصمة الثقافة العربية 2002 لكنها تعرضت للمنع أيضا ، إلى جانب عدد من الكتب الاردنية والعربية للكاتب موفق محادين والكاتب بهجت أبو غربية والروائي رشاد أبو شاور والروائي رشيد الضعيف والكاتب أسامة العيسة ، والشاعرة منى ظاهر وغيرهم.
في الأردن وباقي الدول العربية ، يوقن الرقيب أن جميع محاولات المنع والمصادرة والقمع لا تجدي نفعا في منع قراءة صفحة واحدة ، حيث سوق الكتب السوداء موجودة ، والتكنولوجيا اخترقت كل وسائل المنع مهما بلغت حذاقتها ، لكن السؤال يبقى مفتوحا حول سبل النهضة والتنوير والتنمية في ظل ما نشهد. ومع قتل آخر كتاب "الأعمال الكاملة" لابراهيم نصرالله ، نكرس افلاسنا الثقافي والحضاري في عالم لم تنهض فيه دول إلا بالحرية والديمقراطية ، بينما نصرّ في وطننا العربي على رقابة مستبدة لا تمنحنا إلا مزيدًا من التخلف المعرفي والاجتماعي ، وتهين ثقافتنا ورموزها من الكتاب والمثقف
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش