الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

شارع العارضة

تم نشره في الجمعة 11 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

رشاد رداد *



عند وصولك للسلط الشامخة كصقر حوام المبتهجة كعروس ليلة زفافها يدغدغ هواؤها العليل وجهك تصيبك الدهشة والفرح يستسلم جسدك المتعب وعيناك الهادئتان لهذا الطقس العفوي ولهذه الغزالة التي تعشقها بكل تفاصيلها فتحاول ان تضمها وتقبلها لكنها السلط ياصاح لؤلؤة المدن وغزل العصافير تودعها.. وتود لو تحملها معك كقارورة عطر لتبدأ السيارة بالانحدار تدريجيا.. وعينك ما انفكت تحدق بمراة السيارة وهي تغيب رويدا رويدا كما انحدرت السيارة في ذلك الشارع.. لتبدأ رحلة جديدة، الشارع شبه ضيق. وعلى جانبه الايمن جبال مكسوّة ببعض الاشجار وبعضها ترك عاريا وكلما اوغلت في الانحدار يزداد الهواء حرارة وفي الجهة اليسرى واد سحيق يلازمك معظم الطريق يقابلك كوخ صغير على يمين الشارع فيه رجل كانه فار من افغانستان انه يبيع القهوة والشاي والعسل.. رجل بلحية وثوب ابيض.. تسأل نفسك: كيف يعيش هذا الرجل وحيدا في هذه العزلة؟ تدقق في وجهه وهندامه تعود بخيالك الى الصوفية تشرب قهوتك وتعود للسيارة لتكمل مسيرتك وتتهيب من هذا الشارع (نزول العارضة) لما له من ذاكرة سيئة في رأسك من قبل اصدقاء لك كانوا ينقلون الخضراوات من تلك المنطقة تسير بحذر.. على يمين الشارع تقابلك ارمات التحذير (لسلامتك استعمل الغيارات العكسية ) احذر التجاوز احذر الانزلاق..

بعد لحظات توقف سيارتك تنظر لليسار تجلس على صخرة مرتفعة مطلة على قرى بعيدة.. تعرف انها قرى فلسطينية.. تكاد تدمع عيناك.. لكن لون الحقول الخضراء تفرح قلبك قليلا.. تدخن سيجارة ثم تكمل رحلتك.

الهواء يزداد حرارة وسوءا.. تمسح جبهتك بمنديل ورقي.. تمنيت لو جلبت معك زوادة من الهواء المنعنع من ذرى السلط المتناثرة. القرى التي ستصلها بعد نصف ساعة بدأت تلوح امامك لكن الضباب الرمادي وكأنه بخارلحرائق ضخمة يحجب عن عينيك الرؤية.. الحرارة بدأت تزعجك شيئا فشيئا. وسيارتك المتواضعة لا تستطيع ان تساهم في حل المشكلة عليك ان تتحمل.. وتواصل المسير ولا تفكر بالعودة للوراء لكن شارع العارضة النحيل والمتعرج كأفعى سوداء يضغط على اعصابك المتوترة اكثر.. فتواصل الانحدار مجبرا.. تهرع لزجاجة الماء التي ما زالت محتفظة ببعض البرودة اما السجائر فهي مشتعلة لا تنطفئ.. يصل التبرم والضيق لكل انحاء جسمك.

والعرق الذي ينز من كل اجزاء جسمك من الرأس حتى القدمين.. ترش قليلا من العطر على صدرك تحاول ان تحد قليلا من رائحة العرق الكثيف. الاّذان بدأت بلعبة الفتح والاغلاق وانت تعلم انك ذاهب لأخفض نقطة في الوجود هكذا يروون الاشجار المزروعة على سفوح الجبال المطلة على الشارع كأنها ذئاب شرسة تتأهب للانقضاض عليك. البيوت بدأت تلوح امام عينيك اللزجتين ونصف المفتوحتين. بيوت غير مسوّرة وكأنها لاتطيق الجدران حولها. اجساد عارية ومزارع صفراء خالية من البشر انها الظهيرة اذ تعلن سطوتها وبطشها. تصاب بالاكتئاب ووجع الرأس.

القرى كأنها قدور تغلي ومساحات من الاراضي شاحبة وشبه خالية الامن مصريين ونساء ملثمات من تلك القرى فرجالها بعضهم رضي براتبه التقاعدي والاخرون اثروا النوم والعبادة وتركوا لنسائهم وبناتهم مقارعة الفلاحين المصريين الهاربين من حمى الجوع وكلما اقتربت السيارة من تلك البيوت المتهالكة بفعل الملح والرطوبة.. كلما احسست بمدى معاناة هؤلاء القوم الصامدين في تلك القرى البسيطة.

وصلت الى اخر نزول العارضة الشارع اصبح مستويا لكنه مثل كاوشوك محترق.. اوقفت السيارة تفاجأت برائحة قوية بفعل الفرامل..

ارحت السيارة ثم اخرجت ورقة من جيبي يظهر فيها عنوان المدرسة التي سوف ادرس فيها.. وعبر الهاتف وصلت المدرسة.. شربت القهوة تجولت في المدرسة ثم عدت الى منزلي.. وفي داخلي عدة اسئلة لم اجد اجابة مناسبة لها.



* شاعر من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش