الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من ديوان «قصائد أقل صمتا` * «خماسية الروح» لسعدي يوسف .. الأمل حين يدفع الى الواجهة * سلطان الزغول

تم نشره في الجمعة 22 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
من ديوان «قصائد أقل صمتا` * «خماسية الروح» لسعدي يوسف .. الأمل حين يدفع الى الواجهة * سلطان الزغول

 

 
هذه محاولة لقراءة قصيدة سعدي يوسف «خماسية الروح» من ديوانه «قصائد أقل صمتا» ، تعمد إلى ربط المعنى بالتشكيل اللغوي والصوتي ، ولا تدعي أنها تفسر أو تقود إلى الحقيقة ، بل هي تقدم ولوجا خاصا إلى عالم القصيدة ، تأمل أن يرقى إلى مستواها ، وأن يثير أسئلتها.
القصيدة
أقدّم أولا القصيدة بنصّها الكامل كما جاء في الديوان ، حتى يمكن الربط بينها وبين هذه القراءة. مع حرص أكيد على المحافظة على شكلها الذي نشرت به ، من حيث الأسطر وعلامات الترقيم وشكل القصيدة الإخراجي.
خماسية الروح
(1)
يوم عالجتها بالترابْ
-هذه الروح - قال التراب :
بالضياء احترقتُ.
كيف يمضي إلى كوكب ليس يعرفه؟ هذه الطرقُ
المستقيمات ماثلة منذ أن كان طفلا...وهذا التراب
الذي ظلّ دهرا يبعثره ، أو يسفّ احتمالاته: البذرة
الأمّ ، والدرَنةَ القاتلةْ.
بالأظافير يحتثّه ، بالأكفّ الرقيقات يحثوهُ...
هذا التراب الجميل ، التراب المموّه بالناس ، من أين
يأتيه؟ من أين يقتادُه للمتاعب؟ دارت به السنواتُ :
التراب المبعثر بين أصابعه ، والسبيل المبعثرُ ،
والنظرة الحائلة.
(2)
حين عالجتها بالهواءْ
-هذه الروح - قال الهواء :
يومَها ، ما هببتُ.
هو ، والبحر ، كانا شقيقين... ذاك الهواءُ المشبّعُ
باليود ، والسمك المتعفّن ، والثوم... ذاك الهواءُ
الذي يتسرّب بين القواقع ، والهبَّةُ البكرُ تزهرُ
فقَّاعةً...
هو ، والبحر ، كانا شقيقين... من يملأ الرئةَ اليومَ؟
إني أحشرجُ بين الرفوف التي سكنتها الرواسبُ ،
والفيضاناتُ...
هذا الهواءُ الذي جاء من نينوى ، والهواءُ الذي ظلّ قنينةً...
والهواءُ - الهواءْ.
(3)
يوم عالجتُها بالحجرْ
-هذه الروح - قال الحجر :
هل أكون انتهيتُ؟
كم دُفعنا إلى حجرْ كي نطوّف دهرا بهً...
أمس قلَّبتُه في يدي... أيها الحجر النيزك ، الحجر
الأبيضُ ، الحجرُ المتلوّن: أيّ زمانْ قطعْنا معاً ،
أيّ أرض حللنا، وأيُّ مواطنَ لم تنفتح وطناً ،
ربما كنت لي ساعداً يوم كنا صغاراً... وصرت الهراوةَ
في الرأس حيناً. ولكننا الآن ندّانً: أنت الذي
جئتَ من أول الكون... هل جئتني؟ وأنا الناهضُ
-الدهر - هل أنثني؟
(4)
يوم عالجتُها بالشجرْ
-هذه الروح - قال الشجر :
كالتراب احترقتُ.
شجراتً الطفولةً ، يا شجرات الطفولة ، يا شجرات الطفولةْ
لنكن مرّةً واضحينْ ،
لنقلْ مرةً إن أقسى الحنينْ
نُدبة في الجبينْ.
لنقلْ مرةً إن أبهى الغصونْ
ما اختفى في العيونْ.
لنقل إننا ما عرفنا الطفولةْ :
أنت يا شجراتً الطفولةْ
كنتً ممتدّةً...
وأنا كنتُ أبكي.
(5)
يومَ أطعمتُها نارَها
قالت الروح :
إني استرحت.
طلْقة هذه الروحُ...
مجنونة ، هي لا تشتري بالفداحة غير عذاباتها.
تستجير ب»رامبو» لتأخذ من شُحُنات بنادقًه
الحبشياتً واحدةً. تهبط الليلَ في الماء مأخوذةً
بارتعاشات بشَّارْ المحتضَرْ.
طلقة هذه الروحُ...
هل سوّرتْها سماء؟ وهل صوَّرتْها ممالكُ مثل
المماليكً ، هَلْ أودًعتْ في روائح طابوقةْ منذ بابلَ؟
نيرانُ جنْ يغنُّون ، أم نارُ مجمرةْ عند رأسً
الشهيد... أم الغائبُ المنتظَرْ؟

طلْقة هذه الروحُ...
كالريح تعوي وتذوي
وكالريح تذوي فتعوي
وكالريح تعوي...وووووووووي...
بغداد 7 ـ 11 ـ 1978.
تشكيل
عناصر العالم أربعة عند الفلاسفة هي الماء والهواء والنار والتراب ، يعيد «سعدي يوسف» تشكيلها لتصبح: التراب فالهواء - شقيق البحر - فالحجر فالشجر فالنار. ليتحوّل الماء - أصل العالم في التراث الديني والفلسفي - إلى مجرد تابع لا يُذكر صراحة بل يُتَذكر عرضا بذكر البحر شقيق الهواء ، وليغدو الحجر - الذي لا يلتفت إليه عادة - حيا مؤثرا ، وليصبح الشجر أساسا وأصلا ، إنه الماضي الحبيب والقديم الممتدّ.
هكذا يعيد الشاعر تقسيم الأشياء كما يحسّها ، وهكذا يلتفت إلى المهمل والمُقصى. هكذا يحتفي بالتراب وشجره وحجره ، ولا ينسى الهواء الذي يمدّ الروح بعناصر الواقع ، وهو الوسيط النزيه الذي لا يزيف ولا يزين روائح هذا الواقع ، كما لا ينسى النار المتسربة إلى الروح من بين أصابع الشعر الخالد. إنها نار «رامبو» الخالد الفاتن ، وارتعاشات بشار المظلم المضيء.
يسطر شاعرنا في مداخل قصيدته الخمسة ما يوحي بالحكمة الجاهزة ، لكنه ينفذ من خلالها إلى ذكرياته الحميمة ، إنّ هذه المداخل حجته للتغلغل في جسد الذكرى ، وفي حين تبدو المداخل للوهلة الأولى منبتة ، هي في الحقيقة علامات يفسّرها ما يليها في كل مقطع.
حريق يخبو
إذا قرأنا المدخل الأول :
يوم عالجتها بالترابْ
-هذه الروح - قال التراب :
بالضياء احترقتُ.
تراءى لنا تعبير الشاعر عن علاقة الروح بالجسد الترابي ، وكيف تشعله وتتوهّج فيه إلى درجة الاحتراق ، عبر صورة غنية تقوم على الراوي مؤثرا - عالجت - ومتأثرا - احترقت - . ورغم أن الدلالة النحوية المباشرة تفتقر إلى إيضاح الصورة كاملة:حيث يظهر الراوي في الحالتين فاعلا ، فإن الفعل (احترق) يمارس مع التاء دورا إيحائيا بأن الاحتراق لم يكن سلبيا ، بل هو سبيل الحياة.
إن العلاقة بين الروح والجسد الترابي ، والتي يبدأ بها المقطع ، ماثلة في التراث الفلسفي ، ولا نلحظ أنّ الشاعر يقدم فيها جديدا ، لكنه ينفذ من خلال هذا المدخل للتعبير عن علاقته هو بالتراب... التراب طريقا للسفر ، والتراب أداة لعب ، والتراب مكان زرع ومكان موت ، والتراب مكان راحة جميلا ، ومموّها بالعابرين ، ومتعبا إذ يقوده دفاعه عن أصالته إلى متاعب السياسة. ثم يخلص إلى ضياع الهدف والحيرة التي تلبسه مع زيادة الضغط ، وتشتت السبل.
كما نلحظ أنّ التاء المفتوحة في (احترقت) قد ختمت مدخل القصيدة ، ليسرّب الشاعر - بما يشبه القافية - التاء المربوطة خلال جزء القصيدة الترابي هذا ، في قوله: (القاتلة) و(الحائلة) في وقفتين وحيدتين بعد المدخل ، يمتدّ النفس قبلهما لاهثا باتجاه هذه التاء المربوطة المسكّنة ، والتي ترسم في الذهن صورة وقوف إلى درجة الجمود ، يدفع القارىء إلى الركون والتفكر في دلالة هذا التوقف بعد دوران السطور السريع في ذهنه باتجاه هذه الوقفة التائية التي جعلت التاء هاء ، وكأنها ارتداد ونكوص الشاعر بعد جريان الأحلام إلى ما يشبه عقم أفعال الإنسان ولا جدواها. وهو ما يعود بنا إلى أن التراب - رغم احتراقه إذ لامسته الروح النورانية - قد جعلها مادة لليأس والشعور بالخيبة ، بعد أن كانت سابحة في النور والضياء والتوهج ، لا تتصور هزيمة ولا نكوصا عن الامتداد بحرية في ضيائها ونورها وتوهجها المتجدد.
يمكن القول تبعا لما تقدم إن الروح الحارقة ارتبطت بالجسد الترابي ، فخفت حدة نورها. وكذلك أحلام الشاعر المتوثبة التي ارتبطت دوما بالتراب - بأصالته وأرضيته وواقعيته - بدأت تنكمش بعد سنوات من لا جدوى النضال.
يتبين لنا كيف بث الشاعر الحياة في هذه الفكرة الفلسفية الجامدة ، وكيف استفاد منها للتعبير عن خيباته وذكرياته ، عن علاقته بالتراب الحقيقي ، لم تعد علاقة التراب بالروح فكرة فلسفية في كتاب مغبر ، لقد غدت شيئا ملموسا عبر القصيدة التي بثت الحياة في تجردها ، وأعطتها إشارة الدخول إلى الواقع.
فإذا ما ألقينا نظرة سريعة على لغة الشاعر وجدناه يعمد إلى المتقابلات لبناء المقطع :
البذرة الأمّ ـ الدرَنةَ القاتلةْ.
بالأظافير يحتثّه ـ بالأكفّ الرقيقات يحثوهُ...
هذا التراب الجميل ـ يقتادُه للمتاعب
مما يسهم في جلاء الرؤية ، ويعطي للفكرة التي يطرحها عمقها. إنّنا أمام بان ماهر يشكل لوحة مبهرة ، وسرّ إبهارها في خطوطها المتقابلة التي يزيد كل منها قبيله وضوحا واتساقا. فإذا ما وصلنا آخر المقطع وجدنا الإنسان ملخصا في كلمات محدودات: لاعبا لاهيا ، فمضيعا طريقه ، فخائفا وهو يواجه مصيره المحتوم :
دارت به السنواتُ:التراب المبعثر بين أصابعه ،
والسبيل المبعثرُ ،
والنظرة الحائلة.
كما لاحظنا كلمة بسيطة هي (المبعثر) تقدم إيحاءين متناقضين تناقضا صارخا: فكم بين البعثرة في اللهو ، وبعثرة السبل من فروق شاسعة؟. إنها لغة طازجة تصنع روحها الخاصة المتميزة دون بهرجات طاغية ، أو صور فاقعة ، بل عبر ألفاظ بسيطة تكتسب عبر سياقها غنى وكثافة فريدة في المعنى.
البحث عن هواء
فإذا انتقلنا إلى المقطع الثاني من القصيدة ، والذي يفتتحه مدخل هوائيّ هذه المرة :
حين عالجتها بالهواءْ
-هذه الروح - قال الهواء :
يومَها ، ما هببتُ.
وجدنا الروح إذ لامست الهواء قد منعته الهبوب ، والهواء هنا يرتبط بالبحر ، لكنه ليس الريح التي اعتمد عليها عبر التاريخ في ركوب البحر ، كما قد يتبادر إلى أذهاننا ، بل إنّ ألفته بالبحر أعمق تصل إلى درجة الاندماج ، فهو يتشرّب روائح البحر قبل أن يهبّ إلى الشاطىء ، فيمسّ بها الناس ، ثم يضيف إليه روائح البشر ، قبل أن يعود ليتسرّب بين القواقع ، مشكلا حميميّته التي يمسّ بها وجه الماء فيزهر فقاقيع تميّز البحر وتعطيه خصوصيته. إنّ الروح تلامس الهواء في البحر وليس في مكان آخر ، فيتوقف الهواء ، وتتجمد كل الروائح الأليفة ، فيتساءل الشاعر :
من يملأ الرئة اليوم؟
-إني أحشرج بين الرفوف التي سكنتها الرواسب ، والفيضانات.. -
ترى هل يملأها «الهواءُ الذي جاء من نينوى» ، أم يملأها: «الهواءُ الذي ظلّ قنينةً...» ، أم أنّ: «الهواء - الهواء» هو الذي سيعبىء هذه الرئة ويساعدها على الحياة؟.
ينطلق هذا التساؤل من توقف الهواء الذي أشار إليه المدخل ، إنه موقف الحيرة الذي صنعته الروح إذ لامست الهواء الذي كان ماضيا في حياة ذات لون ورائحة تتكرر ، لا تقدم جديدا ، إنها أشبه بحياة لا حياة فيها ، أو هي حياة في الموت. لكن التساؤل يدخل في إشارات أشمل: فالشاعر - أو الإنسان العربي اليوم - أمام خيارات ينبني عليها مصيره في هذا العالم: إما أن يتنفّس (هواء نينوى) ويبقى يعيش على أمجاد الماضي ، وإما أن يأخذ من (هواء القنينة) ويرضى بما يعطونه من هذا الهواء الذي يصرف بحساب معلوم ، وحسب مشيئة السلطة القاهرة ، أو أن يتمرّد وينطلق باحثا عن (الهواء الهواء).
لقد خرج الشاعر بالروح من دلالاتها المطلقة ليعبّر عن حال الإنسان المقموع ، أما البحر الذي يجلوه باحثا عن هواء نقيّ يتنفّسه بحرية فقد غدا الوطن بما فيه من رواسب وما فيه من فيضانات. أما الرواسب فبعضها يشدّه إلى الخلف ، ليبقى في إسار أمجاد بادت واندثرت ، ورغم أنها تعطيه عمقه وتميزه إلا أنها لا تكفي وحدها لاستمراره حيا في هذا العالم ، وبعضها يشدّه أفقيا ليعيش في رداء الزعيم الأوحد. وأما الفيضانات فتمضي به إلى الأمام ، ولعله يصل إلى الهواء.
نلاحظ أن الشاعر يعمد إلى الصور الصادمة والألفاظ الثقيلة ، والتي تضفي على هذا المقطع خصوصيتها ، فما أن نحاول التخلّص من روائح اليود والسمك المتعفن والثوم الصادمة حتى تركب أسماعنا ألفاظ مثل (القواقع) و(فقّاعة) التي تشيع ثقلها فينينا ، وتجعلنا نلمس اضطراب الشاعر ومحاولته التعبير عن جوّ مشحون بالترقب ، ثقيل على نفسه ، إنه على مفترق مصيري إما أن يتمكن من التنفس وإما أن ينخنق بهذه الروائح ، وهذه الثقالة التي تكتم أنفاسه وتعيق تقدمه.
سقوط الحجر
في المقطع الثالث تصبح ملامسة الروح للحجر طريق نهاية هذا الحجر:
يوم عالجتُها بالحجرْ
-هذه الروح - قال الحجر :
هل أكون انتهيتُ؟.
كان الحجر سيدا ، بل إلها ، والروح هنا لا تتفاعل معه بل تسحقه وتقضي عليه لتبني عالما جديدا خاليا من الأصنام التي ملأت الكون منذ أن بدأ الإنسان فيه. رغم تاريخ الحجر الزاهي الطويل ، ومكانته التي لم ينازع عليها تتأكد للشاعر مواجهة محتومة بين الإنسان الناهض والحجر الجامد ، إنها مواجهة في سبيل أن تبدأ حياة خالية من الأحجار.
ونلاحظ أنّ إيقاع الكلمات في هذا المقطع ينسال ويتدفق دون اضطراب ، كأنما هو تعبير عن إيمان الشاعر المطلق بنهاية عصر الحجر. ففي حين كنا نحسّ اضطرابه عبر المقطع السابق وهو يركّب كلمات ثقيلة منفّرة ، نراه يسيّل - في هذا المقطع - كلمات أخفّ على السمع ، وأرشق في حركتها على الأذن.
كما يكثر الشاعر من استخدام الاستفهام لتأكيد وجهة نظره ، سواء للهروب من التقرير المباشر: «هل أكون انتهيتُ؟» ، تعبرا عن الانتهاء ، أم للتكثير: «أيّ زمانْ قطعْنا معاً، أيّ أرض حللنا، وأيُّ مواطنَ لم تنفتح وطناً،» ، وحتى لإظهار إصراره ونفي إمكانية تراجعه: «هل أنثني؟». مما يضفي على المقطع حيوية ونموا دراميا متصاعدا ، بدأ يظهر منذ مدخل المقطع الأول ، لكنه يتجلى في هذا المقطع برشاقة عبر زحام الاستفهام والتعجب ، وهو يلخص تاريخ الحجر منذ كان معبودا حقيقيا ، مرورا بكونه رمزا لمعبودات بشرية ، حتى أصبح رمزا للإله الآلة أو الآلة الإله.
شجرات الطفولة
أمّا في المقطع الرابع فإنّ الروح تلامس الشجر فيحترق كما احترق التراب بالحياة :
يوم عالجتُها بالشجرْ
-هذه الروح - قال الشجر :
كالتراب احترقتُ.
لكن احتراق الشجر يدفع الشاعر إلى عالم الطفولة ، في محاولة لمنع احتراق ذكرياته ، وهو دفع معبّأ بالحنين والرقة ، يبدأ بنداء ملح :
شجراتً الطفولةً ، يا شجرات الطفولة ، يا شجرات الطفولةْ
وينتهي بنداء محدًّد مؤكًّد :
أنت يا شجراتً الطفولةْ
وخلال ذلك يستمرّ باستخدام حروف المدّ التي تضفي على الكلمات إيحاءات النداء الذي يحاول استدعاء الذكرى مرة تلو مرة ، والتي تلحّ على بقاء الكلمات حيّة في قلب اللفظ أطول مدّة ممكنة: (واضحين..الحنين..الجبين..الغصون..العيون..أبكي) ، لعل الشاعر يطيل الذكرى ما وسعته الإطالة ، فإذا شعر أنّ طول المدة التي منحها المدّ للفظ ليس كافيا لجأ إلى التكرار في إلحاح واضح على حياة الذكرى في وجدانه. ولعل التكرار يمنح الألفاظ حياة جديدة قبل أن تمارس حياتها الأخرى على الورق ، وهي حياة تختلف بين قارىء وآخر. ولا يقتصر التكرار على إعادة جمل النداء ، والإلحاح على هذه الإعادة ، بل نرى كلمات بعينها تحيا وتحيا في المقطع وتشعرنا بعلاقتها العضوية بذكريات الشاعر وطفولته ، في حين أنه يمكننا حذفها دون أن تؤثر على إيقاع القصيدة الخارجي من حيث الوزن والعروض ، لكن علاقتها بإيقاع المشاعر الدافق واضحة جلية: من ذلك الإلحاح على لفظة (مرّة) المجردة في الزمان ، فكأنما تجريدها يساعد في دفع الماضي إلى الحياة من جديد ، وكذلك الفعل (لنقل) حيث يؤدي ارتباط الفعل المضارع بلام الأمر إلى إشعارنا بقيمة القول ، واستخدام المضارع يجسّد حياة هذا القول وارتباطه بتجريد (مرّة) يلحّ على استمراره وبقائه عالقا في ذهن القائل ثم القارىء.
ونلمح في ألفاظ الشاعر رقة وعذوبة تتسرب إلى الصور ، تميز هذا المقطع وتطبعه بطابعها :
لنقلْ مرةً إن أبهى الغصونْ
ما اختفى في العيونْ.
ولا حاجة للحديث عن عذوبة ألفاظ هذين السطرين ، فإذا اكتمل تركيبهما في أذهاننا خطرت لنا صورة غصن يتشرّبه الشاعر ليعلق في قلبه وعقله ، ولا يأتي هذا التشرّب إلا من جهة العين التي تخفي الصورة وتختزنها إذا كانت محببة ، وتشيح عنها إذا كانت غير ذلك.
لكن الشاعر يخلص إلى أنّ كلّ محاولاته لحفظ ذكرى طفولته وشجراتها باءت بالفشل رغم امتداد هذه الشجرات ، فهذا الامتداد - على ما يبدو - لم يستطع أن يقيه مرارة العمر وخساراته المتواصلة ، فاضطرّ إلى مواجهة الأقسى والأمر:
لنقل إننا ما عرفنا الطفولةْ :
أنت يا شجراتً الطفولةْ
كنتً ممتدّةً...
وأنا كنتُ أبكي.
روح تعوي بالحياة
لكن الروح في المقطع الخامس الأخير تستريح إذ تختلط بالنار :
يومَ أطعمتُها نارَها
قالت الروح :
إني استرحت.
والنار التي يقصد هنا منسوبة إلى الروح وليست خارجة عنها ، فهي منها ولها ، وإذا كانت قد فارقتها فخبت الروح وقتا فليس معنى هذا أنها فقدت التوهج إلى الأبد. إن الشاعر يصورها وثّابة متألقة... طلْقة هذه الروحُ
مجنونة..
وهي تشتري العذاب والآلام بسبب من الوعي والانفتاح على كل الجهات والأفكار: فهي تجمع (رامبو) الغرب ببشار الشرق دون تعصّب أو انغلاق ، ولا تحدها حدود ، معبّأة بتاريخ زاخر يبدأ منذ بدأ الإنسان يسطر مدنيّته على الأرض ، لم تحطها الممالك ولم تخضع لسلطات القهر ، تتنسّم من بابل شعلة ، ومن التراث العربي شعلة ، ومن تراث التضحية عند كل المظلومين شعلة ، ومن القادم المنتظر شعلة ما زالت تتكون.
ويختم القصيدة بأن يصف الروح :
كالريح تعوي وتذوي
وكالريح تذوي فتعوي
وكالريح تعوي...وووووووووي...
فهي بعد صراخ وظهور تنام ، وما إن تملّ نومها حتى تصرخ ثانية وتحاول التوهج.
نلمس في هذا المقطع توهّجا في اللغة يتناسب مع توهج المشاعر: فالروح طلقة ، ومجنونة ، تَأخذ من شحنات البنادق ، وتُأخذ بارتعاشات الموت ، وهي قد أودعت نيران جنّ يغنون ، ونار مجمرة الحرب والتضحيات. كما نلحظ أنّ لفظة (طلقة) - التي يربطها الشاعر بالروح ، والتي توحي بالاستبشار والانطلاق والسرعة - تسم المقطع عبر تكرارها التأكيدي ، وتمارس مع الألفاظ المتوهجة التي أشرنا إليها دلالات التمرد والاشتعال والتوهج التي يطلبها الشاعر في هذا المقطع المعنيّ أساسا بإشعال اللغة لتتناسب مع احتراق الروح الذي يعطيها ولادة جديدة بعد أن ذوت لتصرخ من جديد بالحياة.
ثم يجعل الشاعر ختام المقطع ، ختام القصيدة ، تلخيصا لتاريخ الروح التي يشبهها بالريح ، من حيث الهبوب القوي الذي يليه انحسار فهبوب آخر ، ثم يبث الحياة في هذا الهبوب عبر الفعل المضارع (تعوي) ، الذي يحيل إلى صورة تراثية يقف فيها الذئب في ليل الصحراء خائفا جائعا يطلب الحياة ، ويعبر عن ذلك بصوت وجل حزين مؤثر ومرعب في الوقت عينه. كما أنه يبثّ الذبول في الانحسار الذي يوحي بالموت عبر الفعل الآخر (تذوي) ، والذي يحيل هو أيضا إلى الشجر الذي يكاد يموت قبل الشتاء ، ثم يعود إلى الحياة ما إن يمسّه ماؤها.
إننا أمام حضارة تعوي ثم تذوي ، وهي إذ تذوي تعود لتعوي وتعوي حتى تصل إلى الحياة. ويمارس الفعلان المضارعان (تعوي وتذوي) ها هنا دورهما الصوتيّ الممتدّ ، إضافة إلى الدلالات اللغوية التي أشرنا إليها ، عبر تتابع حرفين قويين متتابعين من حروف المدّ ، يضفيان على الصورة توهجا خاصا يلحّ عليه الشاعر بتكريرهما في نهاية المشهد ، موحيا بلانهائية هذا التكرار الممتدّ في الزمن والمعبر عن سنة في الكون ، لك الفعل (تعوي) هو الذي ينزل الستار على صورة المشهد محاولا أن يدفع بالأمل إلى الواجهة.
خلاصة
حاولت هذه القراءة أن تتماهى مع قصيدة الروح التي أطلقها سعدي يوسف في إشراقة من إشراقات الإبداع ، وهي إن لم تحط بكل تجلياتها فلعلها سلّطت إضاءة تنير بعض ممرّاتها المدهشة.
إنّ القراءة النقدية للشعر وعرة شائكة لا يسلم سالكها من تعثّرات وسقطات ، فنحن أمام فنّ يكثف العالم ويعيد إنتاجه عبر اللغة الموحية المشرقة المواربة.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش