الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

برع في استدعاء ومزج معاناته الشخصية بمعاناة أمته * « بيضة العقرب »لمحمود عيسى موسى.. رواية السيرة الذاتية الشفافة * * سعد الدين شاهين

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
برع في استدعاء ومزج معاناته الشخصية بمعاناة أمته * « بيضة العقرب »لمحمود عيسى موسى.. رواية السيرة الذاتية الشفافة * * سعد الدين شاهين

 

 
الحياة التي نحياها عموما في مفهومها الإبداعي الأصيل حشد من الأسرار وغالبية من الرمزية التي يكتنفها الغموض وتحتاج إلى كثير من الجرأة والشجاعة والصدق لزحزحة ثقل غموضها وأسرارها ورمزيتها حين ينوي مبدع ما بلورتها إلى رؤية شفافة متاحة لقارئها
دون رتوش تجميلية في الحدث ذاته ولكن بتفنن في طريقة تقديمه ليصبح مستصاغا ومقبولا ومشوقا للتواصل مع أحداثه كما قدمه الروائي والفنان التشكيلي محمود عيسى في رواية السيرة الذاتية مع مرض السرطان الذي نخشى حتى من ذكر اسمه والموسومه بعنوان "بيضة العقرب" والصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر .
حاولت بداية أن اسأل السؤال التقليدي لماذا يكتب المبدع سيرته بيده هل هو الخوف من المجهول ...وسرعة مداهمته لنا .. ، ؟ هل هودافع الأمانة وما يتبعها من الخوف من ضياع التجربة بعد ذلك والتي نعتقد أنها تجربة فريدة يجب أن يعلم بها الآخرون ويستفيدوا من إيجابياتها ؟؟ هل هي نزعة الحنين إلى الماضي الذي غاب شهوده ويصبح من الممكن تزويقه بكثير من البهار ؟ ،
بالتأكيد لم يكن أي من هذه الأسباب هي التي دفعت محمود عيسى من كتابة هذا الأيقون الذي علقه على صدره وتغلب به على مرضه ليجعلنا كما حدث تماما في مواجهة سهلة مع هذا المرض الخبيث ( مرض كذا مذا) حيث كما يلاحظ بدأ الكتابة صوتيا وهو يعاني ألم و هلوسات التخدير للجراحة والجرعة الكيماوية إذن هو يكتب احداث الرواية بأدق تفاصيلها أمام مرأى ومشاركة أصدقائه ومحبيه وزملائه ولم يكن أمامه متسع ليؤدلج سيرته رغم أنها بطبيعتها جاءت مؤدلجة إنسانيا ضد عدو استراتيجي للبشرية فكتب سردا آنيا ابداعيا وبموضوعية وتلقائية مما أجلس القارئ على كرسي هزاز وأخذ يؤرجحه يمينا وشمالا في أرجحة قصد منها مواساة القارئ في مصابه الشخصي حين كان يسرق منه الوعي بجسامة المرض وآلامه وتضعه في حالة نفسية تجعل من العقل هو المسيطر على حساب العاطفة في مواجهة مثل هذه الحالات حين كان ينقلنا من سرد لأوجاعه ومبضع الجراح إلى أحداث تاريخية مؤلمة من تاريخ عالمنا الذي نعيش تارة في مقارنة قد تبدو غير عادلة احيانا بين مرضة وألمه وجسامة الحدث التاريخي وكأنه يستهزء بهذا السرطان في مواجهة جسامة أحداث العالم ويستكثر على القارئ الآنجرار وراء عاطفته في الخوف على مصير هذالانسان الذي يسمى الآن محمود عبسى وتارة إلى قفشات لغوية فكاهية ثم يأخذك إلى منحى آخر لا علاقة له بالرواية وبأحداثها ثم إلى قافية تلقائية على الطريقة المصرية في الحديث وافتعال منولوجات داخلية وخارجية مع مرضى كانوا يشاطرونه الغرفة ويجاورونه السرير وهذه لقطة منولوجية لها مايتبعها يخاطب المريض الذي يجاوره والذي كان يزرط الموز حبة بعد الأخرى على اعتبار انه شفي وسيغادر غدا ولم يكن يعلم أنه سيغادر الى المقبرة (سأمسد لك وأمسدحتى أشم رائحة الموز وهي تصعد من دماغك ,على الله ان تستفيد من زرطه وتصبح فيلسوفا آخر الزمان)ص 211 ويستمر غيظ محمود في التندر على هذا المريض وموزه لأكثر من فصل في الرواية وكلما تذكره في فصول لاحقة لا لأن الرجل مات بل لأن الرجل كان مصدقا أنه سيعود الى البيت معافى ؟
لعل هذه المقدمة العملية توجز إجابة أسباب الكتابة كما قرأتها بعيدا عن التنظير لكن ما أن انتهيت من القراءة حتى برزت عدة
أسئلة مشروعة تطرح نفسها أمام القارئ أولها لماذا اختار الروائي محمود عيسى عنوان "بيضة العقرب" لروايته ؟
هل هو من مواليد برج العقرب ؟ ما ميزات وصفات العقرب حتى يتخذ محمود عيسى بيضته قرينا لبيضة الرواية . لنجد أن محمود عيسى يجد في العقرب بعض الصفات التي يحبها
هناك قول شعبي "محل العقرب لا تقرب - ومن صفات العقارب انها لا تحب البرد وتحب الدفء والحرارة محمود عيسى أيضا يحب الدفء والحرارة ولكنه يتحمل معاناة وقسوة البرد وفيه من الحنو أكثر مما لدى العقرب على أبنائها.
العقارب عادة لاتهاجم الإنسان , وتهاجم العقارب الأخرى وإلا لماذا هاجمه السرطان اللعين الشبيه بالعقرب . وهو أيضا لا يهاجم أحدا رغم أن هذا العقرب السرطاني قد هاجمه بشراسة إلا أنك تلمس وأنت تقرأ عن هذا الكائن المتوحش في الرواية أو لنقل في السيرة السرطانية صورا متشابكة أدخلها محمود عيسى الروائي والفنان التشكيلي مرسمه وأغرقها في ألوان إرادته ليزيل عنها مظاهر الرعب والبشاعة ولتضيع بشاعة المرض في متاهات المصائب.
العقارب بعكس العناكب تلد صغارها أحياء وتنمو بعد أن تفقس داخل جسم العقرب وفي حناياها ثم تتشبث بظهر الأم مدة أسبوعين حتى تقوى وتكبر .
محمود لمن لا يعرفه ورغم عدم مجاهرته وما نلمسه من الاحساس بمرارةالانفراد والوحدة إلا أنه يحمل بداخله وتعيش في حناياه أسرة مكونة من ثلاثة أبناء رغم الكثير من التنكر له كان يبدو ذلك جليا وهو يخاطب نباتاته الصبارية داخا (برندته) الضيقة يوميا... قيام جلوس يا صباح الخيرات ثم يتخيلها ترد عليه بصوت واحد صباح الصبر والنور . ويسهب لكن بمرارة مكتومة" كيف أنه يحمل دلو الماء ثم يسقيها في فمها واحدة واحدة حتى الارتواء ... ص11".

العقرب تشبه السرطان وسمها قاتل .... حين هاتفه صاحبه عبدالله برغل من سوريا قائلا "لا تخف يا محمود .. مت ولا تخف المهم أن يكون الانسان محورا ولو كان ذنابة عقرب ... فيرد عليه أنت تعرف يا عبد الله بأني لست ذنابة أنا عقرب كامل مكمل بذنابة ومحوري متين كعهدك به"ص 247
رواية" بيضة العقرب "رواية السيرة الذاتية الشفافة رواية المعاناة والتفاصيل الدقيقة للمعاناة التي تربط الحلقة الخفية بين الإبداعي والعلمي والفلسفي في آن واحد
يتنقل محمود عيسى الفنان التشكيلي بأريحية في رسم لوحات معاناته وكأنه ليس المعني بالألم فنجده يدخل المطبخ بيومياته البسيطة يتغزل بالملوخية والكزبرة والثوم حينا ويدخلها الى الحرب العالمية الثانية ومنها إلى أغاني فيروز شايف البحر شو كبير ثم يستهتر بكل شيء مستخدما قافيته كعادته في الحديث اليومي حيث يربط بين الوش ( بفتح الواو )الذي زرعه الكيماوي في رأسه عند العلاج وبين الوش ( بكسر الواو )الذي هو الوجه بالفصيحة حين يقول( الوش أحسن من القفا )ص9 وتتوالد القوافي لديه وتتقافز أمامه المفارقات مستهترة بآلامه وأوجاعه متمردا بها على كل خوف بروح عالية قلما تحلى بها من لسعه هذا العقرب اللعين السرطان مستعينا ببلسم القافية إلى ترياق آخر يصنعه بيديه وهو الصيدلاني الباهر ترياق ليس فيه أي مادة كيمياوية أو بيولوجية ترياق الخروج عن نص الألم من الألم ذاته إلى الاستهتار بمكنونه والهزء به واستدراج أسلوب الهذيان المقصود على شكل تعاويذ بما عداه كأنه يقول للقارئ هذا هو عالمكم وعالمي فهو قائم قبلي وقبلكم وسيستمر بدوني من بعدي ولن ينتهي الكون مواساة جريئة للذات تماما كجرأة المواجهة (اليوم الاثنين سيكون موعدي مع جرعة الكيماوي رقم السعد 7و3 الحجر الكريم : اللؤلؤ اللون : الأخضر والفضي المعدن الفضة مشاهيره أرنست همنغواي فرانز كافكا جورج أورويل بيير كاردان (ابو الكرافات ) آرمسترونغ وروكفلر ويختم بقافية ليقول ( روك عليه) كأنه يتكلم عن شيء لا يعنيه ولا يخصه.
جاء المدخل لتقديم محمود سيرته الذاتية بمقارنة موفقة وتحد قاس بينه شخصيا وبين السرطان مرضا ويرجا تماما كما في العقرب الذي عنون روايته به وبرج السرطان أول بروج الصيف فهو يحب الدفء والحرارة كما أسلفت السرطان نوعه أنثى العنصر الماء خاصيته رئيسي صفته الغالبة الاخلاص أنا جاهز للمنازلة والتحدي ( يخاطب السرطان) لك برجك ولي برجي خذ لك( ها لسي في) الرمز العقرب الصفة ذكر العنصر الماء السمة الغالبة المثالية الكلمة الأكثر شيوعا أنا أرغب يوم السعد الثلاثاء أي بعد تناول الجرعة الكيماوية ص 13 إذن قرر محمود الدخول في التحدي من بداية معرفته بمرضه وقرر التغلب عليه بكل التعاويذ التى ابتدعها والتواريخ التي سرد أحداثها ليخلص من لحظة الألم بتذكرها وبالقافية المرحة على الطريقة المصرية عند الكلام التلقائي النقي بالعزيمة وإرادة الذي خسر كل شيء في هذه الحياة ولا شيء سيخسره بهذا التحدي سيكون أكبرمما كان فأين المفر ؟ لا بد من المواجهة . للمرض أسلحته الفتاكة وللروائي محمود أسلحة إرادية أكثر فتكا بددت مخاوفه عندما طلب منه أصدقاءه أن يكتب فباح لهم بخوفه أن يكون المرض بطلا للرواية ويصبح هو مجرد عدو للبطل إلا أنه بفنية عالية استطاع أن يجعل نفسه صديقا لدودا للمرض وجعل المرض لدى القارئ أنيسا رغم فتكه وبطشه وبشاعة سيرته فبتلقائية صادقة وانسيابية في الحديث المقفى كعادته المعزز بالمفارقات و بالتواريخ والأحداث يجعلك تعيش المعاناة دون اكتراث بنفسك لأنه ينقل لك انموذجا للإرادة والإيمان الخفي بالقدر والمصير وإن لم يجاهر به على شكل مواعظ لكنه الإيمان المجسد يفقس من بين العبارات وتتفتق عنه كل عباراته وتصويراته وقفشاته الجريئة فهو شفاف لا يخشى الكتابة حتى في أدق تفاصيل حياته الشخصية واحتياجاته ويكشف عنها كما لو أنها ليست ملكه , وها هو يكتب بعد إلحاح اصدقائه عليه لا كما أمر ok تب أكتب لماذا أكتب ما هي الفائدة ما جدوى الفائدة ما فائدة الجدوى من الذي يجيء ويقطف ص 35 بهذه الجدلية والحوار الذاتي الداخلي المكشوف والإحساس بالفقد والمرارة والفراق لأعز ما يملك لأسباب خاصة ليس للمرض والموت علاقة بها بل هي سابقة لكل ذلك يصل إلى أن الكتابة أهم من الحياة ذاتها اهم من السرطان اهم من الموت والضحكة الأبدية لأنها تقرأ كلمة كلمة وجملة جملة وسطرا وراء سطر بعكس الانسان الذي لا يمكن قراءته هكذا والضحك على ذقنه 36ص لهذا كان في كل حادثة وكشف حسي مؤلم يواسي نفسه بتاريخ مؤلم من حياته الشخصية ومن تواريخ امتنا المعاصرة والعالم لسان حاله يقول دون ان يقول( شو يعني )الألم والمرض بالنسبة لهذه النكبات والأحداث لا يعني شيئا
السبت نوفمبر 2000 لم يسمح لي الألم الشديد في أسفل مؤخرة الرأس والعنق وما صاحبه من غثيان في مثل هذا اليوم هاجم الجندي المصري أيمن محمد حسن الباصات العسكرية الأسرائيلية اثر مجزرة الأقصى ص 90 ثم يقول واصفا الألم عند اجتثات المرض ألم شديد ثلاثة أشهر ثم صار محتملا في مثل هذا اليوم اتفقت فرنسا واسبانيا على اقتسام المغرب بينهما . لا يريد أن ينسى هموم أمته ويستخدم استذكارها ليخدر بها آلامه وأوجاعه الموضعية أو لينكأ بها الجروح لنتذكر سباتنا العميق في اعتقادي هكذا كان يقسو على نفسه في مواجهة وتحدي مرضه , حتى عندما كان بعلم بنتيجة تحليل ايجابية للدم اوللهرمونات اوللمرض عموما كان يقرن ذلك بحادثة من التاريخ مفرحة كانتصار مثلا او استقلال دولة عربية او ما شابه
(اليوم نسبة ال B HCG في دمي أقل من واحد والطبيعي اقل من خمسة استقلال لبنان كان في مثل هذا اليوم من سنة 1943) ص 61 .
شيفرة السرد هذه عند محمود عيسى الفنان التشكيلي والروائي بين التلقائية والقافية بالطريقة المصرية في الحديث وبين القفشات اللغوية الساخرة حينا واستذكار الحوادث والأحداث التاريخية كل ذلك ليس هذيانا تحت تاثير ألم المرض نفسه كما انها ليست هذيانات بتأثير جرعة الكيماوي العلاجية إنها استدراكات مقصودة تقع في المساحة بين التهكم لامتصاص المرارة وبين التغلغل كمخدر وكترياق قصد به أن يهون علينا نحن القراء الذين نخاف حتى الاقتراب من كلمة سرطان وقراءتها أو سماع سيرته وجعلها منبها لإرادتنا وتحريك حواسنا لالتقاط الواقعة وتخيل المعاناة ومعايشتها ودمج الواقع الشخصي المعاش بالهم الانساني والوطني والسياسي والعام إضافة إلى أنه استطاع أن يستدعي الايقاع النفسي فيساوي بين آلامه الشخصية لحظة معاناة أوجاع المرض وآلام أمته وعالمه ويجعل من ألمه نقطة في محيط آلام العالم كون هذه الأحداث والتواريخ ترديا تاريخيا ونكوصا مؤلما أكثر من السرطان نفسه بهذه الانفعالات الباطنية تخلص من العبء الشعوري المتكتم بالاحساس بالوحدة والانفراد بالتماسك الشعوري بالبوح لحظة السرد الابداعي مما مكنه بتقنية عالية من الامساك بأعصاب القارئ وشده للقراءة حتى النهاية بجعله يلعب معه دورا مركزيا في إقامة التوازن داخل النص.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش