الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * استطاعت اللغة العربية أن تستوعب ثقافات كثيرة وأن تقضي على لغات قديمة كثيرة * بقلم: د. سعيد التل * الحلقة الحادية عشرة

تم نشره في الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
هوية الانسان في الوطن العربي - «مشروع قراءة جديدة» * استطاعت اللغة العربية أن تستوعب ثقافات كثيرة وأن تقضي على لغات قديمة كثيرة * بقلم: د. سعيد التل * الحلقة الحادية عشرة

 

 
هوية الانسان في الوطن العربي.. وبالتالي هوية الامة العربية هوية مركبة تتشكل من محصلة اربعة انتماءات رئيسية هي انتماؤه الاسلامي وهو الاساسي وانتماؤه القومي وانتماؤه الوطني وانتماؤه الفئوي ، وهذه الانتماءات ليست متعارضة او متقاطعة بل هي انتماءات متكاملة تشكل معا نظاما واحدا متكاملا يمكن تمثيله هندسيا بدوائر اربع متحدة المركز.
وهنا يجب الاشارة الى ان تصور بعض قادة الدول العربية وبعض شعوبها القائل بأن دولهم تستطيع ان تستمر في اطارها القطري كدولة وتتطور وهم كبير ، وهذا الوهم الزائل سوف يتلاشى وبسرعة كبيرة وخاصة بالنسبة للدول التي ارتبط اقتصادها الوطني بمصدر واحد كالنفط على سبيل المثال.. فلهذا النفط عمر محدد وقصير جدا اذا ما قورن بعمر الشعوب والامم.. ومن هذه المنطلقات وغيرها تأتي ضرورة وبالتالي اهمية تحديد هوية الانسان في الوطن العربي لتكون اداة جامعة في تطوير وجدان عربي مشترك يكون قاعدة لبناء ارادة عربية واحدة تمهد لقيام اتحاد عربي لجميع شعوب الامة العربية..
هكذا يكثف لنا د. سعيد التل استخلاصاته الفكرية في خاتمة ابحاره البحثي في اصداره الجديد «هوية الانسان في الوطن العربي.. مشروع قراءة جديدة» الذي تنفرد الدستور بتقديمه للمواطن ـ القارىء على حلقات..
الواقع اللغوي في الوطن العربي
بعد الفتح الاسلامي للوطن العربي ، ومع تحول سكان هذا الوطن ، وبتسارع كبير الى الاسلام اخذت اللغة العربية بالانشار السريع. فاللغة العربية هي لغة الدين الاسلامي التي يمارس من خلالها المسلم عباداته. كما ان اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة ولرجالها. يقول محمد عدنان البخيت: «... ومع انتشار الاسلام اصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية لبلاد العرب في الشرق والشمال الافريقي والعمق السوداني ولم تزاحمها لغة اخرى الا اللغات الاوروبية في مطلع القرن العشرين».
ويضيف عبدالعزيز الدوري: «.. ان انتشار الاسلام كان عاملا اساسيا في انتشار التعريب لاكثر من سبب ، فتعلم القرآن كان ضرورة لفهمه ، كما ان الثقافة التي نشأت في اطاره عربية ، وللعرب الدور الرئيسي فيها في الفترة الاولى. ولمدة قرنين كان كل نشاط ثقافي بالعربية ، وكان الارتباط وثيقا بين الاسلام والعروبة». ويقول عماد الغزالي: «.. ترافق انتشار الاسلام في البلاد المفتوحة بشيوع اللغة العربية التي كانت لغة الفاتحين الجدد. واكتسبت العربية اهميتها من ناحيتين على الاقل ، اولاهما انها لغة الدين الجديد لغة القرآن الكريم بما تمتلك من قداسة في نفوس المسلمين. وثانيهما انها لغة النخبة الحاكمة. وعلى الطامحين في المشاركة في السلطة ان يتقنوها. ومع زيادة موجات الهجرة العربية الى ايران واختلاط الانساب والتزاوج والجوار جرت العربية اكثر على ألسنة الايرانيين.. وشكلت اساسا لثقافة جديدة عبرت عن نفسها بلسان عربي وفارسي.

اللغة العربية تستوعب ثقافات كثيرة
يقول عبدالمحسن عاطف سلام: «.. لقد كان تعريب هذه المناطق التي غزاها العرب موضع دهشة المؤرخين والباحثين. ولفت نظرهم ان العرب استطاعوا بعد قليل ان ينشروا لغتهم نشرا كاملا في كثير من البقاع. ولم تنقض خمسة قرون على بداية الغزو العربي السريع حتى اصبحت اللغة العربية وسيلة التعبير الوحيدة عن كل شيء في الحياة اليومية في منطقة تمتد من جبال البرينية الى فارس. واصبحت وسيلة التعبير عن كل الثقافات التي نشأت في هذه الدولة المترامية الاطراف ، واستطاعت اللغة العربية في هذه المرحلة من حياتها ان تستوعب ثقافات كثيرة ، وان تقضي على لغات قديمة كثيرة مثل القبطية والارامية واليونانية واللاتينية. وبانتشار اللغة العربية اختفى التمييز بين العربي الاصلي الذي غزا بقاعا معينة وبين اولئك الذين استعربوا واصطنعوا اللغة العربية لغة لهم».
ويقول حسن ابراهيم حسن: «.. ان السواد الاعظم من الذين اشتغلوا بالعلم كانوا من الموالي وخاصة الفرس. وكانت اللغة العربية هي الوسيلة الوحيدة للتفاهم بين المسلمين الى ان ازال المغول الخلافة العباسية من بغداد في القرن السابع الهجري». .. ان «امراء البيان العربي» من شعراء وناثرين كانوا في غالبيتهم الساحقة من «الاعاجم».. فبدءا بابن المقفع وعبدالحميد الكاتب ، ومرورا بالجاحظ والتوحيدي ، وانتهاء بالجريري والغزالي في النثر وبدءا ببشار وابو نواس وانتهاء بابي تمام وابن الرومي في الشعر فإن الاستعراب قد انتج اشهى ثمار البلاغة العربية». ويقول ابن خلدون «.. صار استعمال اللسان العربي في شعائر الاسلام وطاعة العرب ، وهجرت الامم لغاتهم والسنتهم في جميع الامصار والممالك وصار اللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع امصارهم ومدنهم وصارت الالسنة العجمية دخيلة فيها..» ويضيف ابن خلدون: «ان لغات اهل الامصار انما تكون بلسان الامة او الجيل الغالبين عليها او المختطين لها ، ولذلك كانت لغات الامصار الاسلامية كلها بالمشرق والمغرب لهذا العهد عربية وان كان اللسان العربي قد فسدت ملكته وتغير اعرابه: والسبب في ذلك ما دفع للدولة الاسلامية من الغلبة على الامم».

اشكال انتشار اللغة العربية
ويوضح عبدالعزيز الدوري اشكال انتشار اللغة العربية في ارجاء الوطن العربي: «.. لم يكن سبيل التعريب البشري وطريقه واحدة ، ففي البلاد التي كان فيها شعوب من اهل الجزيرة ، وحيث كانت اللغة الارامية ، كان التعريب شاملا وسريعا نسبيا. وخاصة حيث توجد بالاضافة قبائل عربية من قبل «كالشام والعراق». وفي مصر كانت الهجرة المتصلة او المتتالية بعد مطلع القرن الثاني وانتشارها السريع في الريف بعيدة الاثر في تعربها. وفي الشمال الافريقي توالى ارسال مجموعات المقاتلة خلال القرن الاول حتى اواسط القرن الثاني للهجرة. حيث كان التعريب واضحا في القرن الثاني في المدن والمراكز العربية والريف المحيط بها. ولكن تعريب الريف لم يكن واسعا وممتدا الا بعد الهجرة البدوية الهلالية في القرن الخامس».
ولما اصبحت اللغة العربية هي اللغة السائدة في جميع ارجاء الوطن العربي وانحسرت اللغات التي كان الناس يستخدمونها «... اضطر رجال الكنيسة المسيحية ان يترجموا الكتاب المقدس الى العربية والى تفسيره بالعربية حتى يستطيع الذين ظلوا على دينهم ان يفهموا كتابهم المقدس. وعمل المسيحيون موظفين في الدولة ، وكان بعضهم يذهب في بعثات دبلوماسية الى الامويين يتحدثون اليهم بالعربية». هذا و«لم يستخدم المسيحيون واليهود الذين كانوا يعيشون في البلاد التي فتحها المسلمون اللغة العربية بدلا من اللغات التي كانوا يستخدمونها فقط بل الفوا بهذه اللغة وترجموا كتبهم المقدسة اليها. وفي حالاات ، كانت تكتب مؤلفات المسيحيين باللغة العربية بالحروف السريانية ومؤلفات اليهود باللغة العربية بالحروف العبرية وذلك لمنع المسلمين من الاطلاع عليها».

اللهجات العربية
ويعود اختلاف لهجات اللغة العربية في مختلف مناطق الوطن العربي التي انتشرت فيها هذه اللغة الى امرين رئيسين الاول: يتعلق باثر اللغة واللغات التي كانت سائدة في هذه المناطق قبل انتشار اللغة العربية. اما الامر الثاني: فيتعلق بلهجة القبيلة العربية التي هاجرت من الجزيرة العربية وسكنت هذه المناطق. يقول الجاحظ: «.. خرجت القبائل من الجزيرة وكانت لها لغات «لهجات» خاصة ، واقامت مجتمعة في الامصار الجديدة ، مما ادى الى ظهور عربية تخاطب مشتركة في المصر». ويقول: «.. واهل الامصار انما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب ولذلك تجد الاختلاف في الفاظ من الفاظ الكوفة والبصرة والشام ومصر». هذا «.. ولقد ظلت اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة التي تستعمل في الادارة والتجارة والثقافة حتى الغزو التركي».
بصورة عامة يمكن القول ان التطور اللغوي في اقاليم الوطن العربي بعد الفتح الاسلامي يختلف عن التطور الاثني. فلقد اخذ التطور الاثني بعد الفتح الاسلامي في كل اقليم من اقاليم الوطن العربي اشكالا تختلف عن الاشكال التي اخذها في اقليم اخر بسبب الواقع الاثني في كل اقليم قبل الفتح. ومن جهة اخرى ، استمرت عملية التطور الاثني وبصورة عامة في اغلب اقاليم الوطن العربي بسبب الهجرات داخل هذا الوطن او الهجرات الى هذا الوطن من الخارج منذ الفتح الاسلامي وحتى نهاية القرن التاسع عشر.
اما بالنسبة للتطور اللغوي بعد الفتح الاسلامي ، فقد اخذت وبصورة عامة شكلا يكاد يكون عاما في مختلف اقاليم الوطن العربي. فلقد جاءت اللغة العربية مع الفتح الاسلامي وانتشرت مع انتشار الاسلام.

اللغة العربية في الهلال الخصيب
فبالنسبة لاقليم الهلال الخصيب فقد حلت اللغة العربية بعد الفتح الاسلامي بالتدريج محل اللغة الآرامية واللغة البيزنطية في بلاد الشام كما حلت محل اللغة الارامية واللغة الفارسية في بلاد ما بين النهرين. لقد امر الخليفة الاموي عبدالملك بن مروان بنقل الدواوين الى العربية من البيزنطية.. ويقول المقريزي ان «اول من نقل الدواوين من الفارسية الى العربية الوليد بن هشام بن مخزوم ابن ذكوان ، وتوفي سنة اثنتين وعشرين». ويقول احسان عباس: «... كان اول تغير عرفته المدن الشامية (على المستوى الرسمي) اثر الفتح العربي عودة اسمائها السامية اليها وطرح الاسماء اليونانية والرومانية ، فعادت سيكثوبوليس تدعى بيسان ، وفيلادلفيا تسمى عمّان «وذلك اقرب الى ربة عمون» وزال اسم بطوليمس وحل محله عكا ، وعادت هليوبولس تدعى بعلبك ، ونسي اسم انسطاسيو بولس ان الرصافة اسهل منه وارق. ولكن لهذه القاعدة بعض استثناءات في مثل نابلس وطرابلس وقيسارية وايليا «التي راوحت تسميتها بين ايليا وبيت المقدس» اذ كانت هذه الاسماء الاخيرة صورا تذكر بالاصول اليونانية او اللاتينية او تحمل النطق الاصلي الدقيق».

اللغة العربية في مصر
وبالنسبة لمصر ، فبعد الفتح الاسلامي ، اسلم اغلبية المصريين وتعرب جميعهم حتى أولئك الذين بقوا على نصرانيتهم. وباستثناء الكنائس فقد تلاشت القبطية تدريجيا من الحياة العامة. ويقول محمد احمد خلف الله ان العربية كانت اكثر انتشارا من الاسلام في مصر من حيث ان جميع سكان مصر قد تعربوا ولكنهم لم يسلموا جميعا. فالاقباط المصريون متعربون ولكنهم غير مسلمين. ويقول جمال حمدان ان اللغة العربية لم تسد في مصر بصورة كاملة ونهائية الا في حوالي القرن الربع عشر وبالنسبة للغة القبطية في مصر يقول ابو سيف يوسف: «.. ان القبطية ظلت لغة الحديث حتى القرن الثالث عشر الميلادي ، في رأي ، وحتى القرن السادس عشر في رأي آخر ، والى القرن السابع عشر في رأي ثالث».
يقول المقريزي: «.. نقل ديوان مصر من القبطية الى العربية عبدالله بن عبدالملك ابن مروان امير مصر في خلافة الوليد بن عبدالملك سنة سبع وثمانين ونسخها بالعربية».

تطور اللغة في المغرب
وبالنسبة لاقليم المغرب العربي ، فان موضوع تطور اللغة العربية فيه بعد الفتح الاسلامي يختلف عن تطورها في اقاليم الوطن العربي الاخرى. مع ان جميع سكان اقليم المغرب العربي قد تحولوا الى الاسلام واصبحوا اكثر من المسلمين تحمسا للاسلام وتعصبا له وفي هذا الصدد يقول محمد علي مادون: «لم يندمج الامازيغيون اندماجا كليا في اطار حضارة معينة كما اندمجوا في اطار الحضارة الاسلامية.. ويمكن القول ان ذلك الاندماج الكلي تم بصفة نهائية في اوائل العهد الموحدي.. اي بعد عهد الفتوحات الاسلامية الاولى بخمسة قرون على وجه التقريب».
ومع هذا التعصب والحماس للاسلام والاندماج في حضارته الا ان انتشار اللغة العربية في اقليم المغرب العربي ظل وبصورة عامة محصورا في المدن والحواضر والاماكن القريبة منها وظلت اللغة الامازيغية بلهجاتها المختلفة اللغة الدارجة بنسبة كبيرة بين اهالي الريف والبادية في المغرب العربي. يقول محمد علي مادون: «ولما استولى العباسيون على الخلافة ، كان المغرب قد استقل سياسيا عن المشرق ، فكان من الطبيعي ان يستمر الامازيغيون على حالهم في التخاطب بينهم باللغة الامازيغية». ويقول المقدسي ان الغالب على بوادي اقليم المغرب البربر الذي لا يفهم لسانهم.

الواقع الاثني في الوطن العربي
حصل تغير كبير في الواقع الاثني لسكان الوطن العربي ، وذلك بعد الفتح الاسلامي وقيام الدولة الاسلامية التي امتدت وكما ذكر من شواطىء الاطلسي غربا حتى اسوار الصين شرقا. فلقد اندفعت وتدفقت مع جيوش الفتح الاسلامي عشائر وقبائل عربية كثيرة وغفيرة. واستقرت في مختلف المناطق التي وصلت اليها جيوش الفتح الاسلامي وهي التي دعيت بدار الاسلام. ولقد استمر هذا الاندفاع والتدفق وبدرجات متفاوتة بعد الفتح وحتى وقت قريب ، عندما قسمت ديار الاسلام ورسمت حدود سياسية تفصل بين اجزاء هذه الدار. وبصورة عامة يمكن القول ان حجم العشائر والقبائل العربية التي استقرت في مختلف ارجاء دار الاسلام كانت تتناسب عكسيا مع قرب هذه الارجاء من اقليم الجزيرة العربية او بعدها عنه. ان استقرار القبائل والعشائر العربية في المناطق التي وصلتها جيوش الفتح الاسلامي ادى الى امتزاج بين هذه القبائل والعشائر العربية وسكان هذه المناطق. فعلى سبيل المثال اتخذ جند الفتح زوجات لهم من اهل البلاد المفتوحة.
وبالمقابل ، وبعد ان تحددت دار الاسلام وبعد ان انتشر الاسلام في جميع ارجائه انتشارا واسعا وكثيفا بدأت عشائر وقبائل مسلمة ومن جذور اثنية مختلفة تنتقل الى الوطن العربي للعيش والاستقرار فيه ولاسباب سياسية او عسكرية او دينية او اقتصادية او اجتماعية وغيرها.
ومن الطبيعي ان تكون المراكز الدينية والسياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية في الوطن العربي اكثر جذبا من غيرها لهذه القبائل والعشائر والمجموعات الآنفة الذكر. فعلى سبيل المثال يقول ذوقان قرقوط: «... لدينا ما يؤكد ان كثيرين كانوا اثناء الحج في الذهاب او العودة ، كانوا يستقرون حيث يحلو لهم.. وحتى النزوحات لم يكن يقف في وجهها مانع.

الحروب والغزوات وانتشار الاثنيات
ولقد ساهمت ، بصورة او بأخرى ، الحروب والغزوات والنزاعات التي نشبت في دار الاسلام في انتقال مجموعات بشرية من اثنيات مختلفة داخل اطار هذه الدار ، كما ساهمت الحروب والغزوات التي تعرضت لها دار الاسلام وخاصة الغزوة المغولية والغزوة التترية وغزوات الفرنجة في انتقال مجموعات بشرية من اثنيات مختلفة من خارج دار الاسلام الى داخل هذه الدار واستقرارهم فيها.. يقول جمال حمدان ان الغزوات على الوطن العربي كانت «.. تبدأ لمجرد غزو ولكنها لا تلبث لاسباب او لاخرى ان تستقر وتتحول الى نوع من الهجرة المتسربة او التسلل المقيم».. ويقول حسن ابراهيم حسن انه «.. لما ولي المعتصم الخلافة.. استكثر من الاتراك. ، لان امه تركية ، فولاهم حراسة قصره ، واسند اليهم اعلى المناصب وقلدهم الولايات الكبيرة ، وآثرهم على العرب والفرس». ويقول عبدالمحسن عاطف سلام: ان المماليك الذين حكموا مصر وبلاد الشام والحجاز «.. كانوا في البداية اتراكا... واصبحوا بعد ذلك مغولا.. واجناسا اخرى من اليونانيين والاكراد ، وبعض الاوروبيين» ويضيف قائلا ان قبائل تركية كاملة هاجرت الى العالم الاسلامي وابتداء من العهد العباسي ، يمكن القول وبصورة عامة ، بدأ يشارك في سلطة الحكم في الدولة الاسلامية مسلمون من غير العرب.
يقول عبدالكريم غرايبة «الدولة الاموية ، من حيث المبدأ ، مثل الدولة العباسية ، دولة اسلامية تستوعب كل الاجناس والعروق والحضارات والاديان ، ولكن اكثر المسلمين في العهد الاموي كانوا عربا ، ثم تزايد عدد غير العرب في اواخر العهد الاموي وأوائل العهد العباسي وهذا يفسر بروز ولاة وعمال ورجال دولة من الموالي في اواخر العهد العباسي».
ويقول حسن ابراهيم حسن «... كان الجند... حتى اخر عهد الدولة الاموية من العرب ولما جاءت العباسية بمساعدة الفرس دخل الجيش العنصر الفارسي الذي تغلغل نفوذه في جسم الدولة».


تحول العرب الى اقلية محكومة
«ان التركيبة السكانية للدولة العربية الاسلامية كانت تقوم على التعدد الاثني ، بل التحول من الدولة الاموية الى الدولة العباسية تحول العرب ، بالمعنى الاثني للكلمة ، الى اقلية بل الى اقلية محكومة بدلا من ان تكون حاكمة ، شأنها في عهد بني امية» ولقد تطورت هذه المشاركة حتى اصبحت هذه السلطة بصورة رئيسية بأيدي هؤلاء المسلمين ، وبعبارة اخرى اصبحت سلطة الحكم في الوطن العربي بأيدي امراء وملوك وسلاطين مسلمين كان بعضهم من داخل هذا الوطن وكان بعضهم من خارجه كالايوبيين والمماليك والعثمانيين وغيرهم ، لقد لعب هؤلاء الامراء والملوك والسلاطين مثل نور الدين زنكي وصلاح الدين وقطز والظاهر بيبرس والناصر قلاوون والخليل بن الناصر قلاوون وغيرهم دورا مهما ورئيسيا في حماية الوطن العربي ورد الغزاة عنه.
من جهة اخرى شجع هؤلاء الامراء والملوك والسلاطين على هجرة اعداد كبيرة من الاتراك والاكراد والفرس والشركس والشيشان والالبان وغيرهم للقدوم الى الوطن العربي والاستقرار فيه. ولعل العشائر الشركسية والشيشانية التي اسكنتها الدولة العثمانية في بلاد الشام كانت اخر هذه المجموعات ، ولقد لعبت الصراعات السياسية في داخل دار الاسلام دورا له اهميته في اعادة توزيع مجموعات بشرية من جذور اثنية مختلفة في هذه الدار.
لا تتوافر معلومات موضوعية دقيقة ولا شبه او شبه دقيقة لتغير الواقع الاثني وتطوره ، ذلك الذي آل اليه الوطن العربي بعد الفتوحات الاسلامية ، ان عدم توافر مثل هذه المعلومات الموضوعية لا يعني عدم توافر معلومات وصفية كثيرة جدا متناثرة في المراجع التاريخية والجغرافية والسياسية والدينية وغيرها.
ان عينة المعلومات الوصفية التي اختيرت لتوضيح التغير والتطور في الواقع الاثني لسكان الوطن العربي بعد الفتح الاسلامي صنفت على اساس اقاليم الوطن العربي الاربعة الرئيسية.

التطور الاثني في الجزيرة العربية
بالنسبة لاقليم الجزيرة العربية فان التغير والتطور في الواقع الاثني لسكانه ظل محدودا اذا ما قورن بأقاليم الوطن العربي الاخرى ، ذلك ان هذا الاقليم ظل بعد الفتح الاسلامي كما كان قبله طاردا للسكان بسبب امكانياته الاقتصادية المحدودة آنذاك ، لا بل ان الدولة الاسلامية شجعت سكان هذا الاقليم على الهجرة خارجه. يقول عبدالعزيز الدوري: «.. شجعت الخلافة الهجرة الى الامصار واعتبرتها لازمة للانتماء الكلي للامة ، واعتبرت العودة الى البادية بعد الهجرة امرا مكروها ، هذا ادى الى استقرار متزايد للقبائل في البلاد المفتوحة» ويقول في مرجع اخر «وكان من سياسة الخلافة تشجيع الهجرة من الجزيرة الى الامصار الجديدة ، واعتبرت الهجرة اساسا للانتماء الكلي للامة ، كما اعتبرت العودة الى البادية بعد الهجرة مكروهة ، وهذا ادى الى انتشار العرب واستمرار تدفقهم من الجزيرة في صدر الاسلام خاصة. وكان ذلك وراء انشاء عدد من المراكز والمدن العربية الجديدة» ويقول في مرجع ثالث: «الهجرة كانت اوسع بعد الفتح ، وخاصة الى العراق والشام ومصر ، وفيما بعد الى الشمال الافريقي ، وكانت سياسة الدولة تشجيع الهجرة في صدر الاسلام وجعلها رمز الانتماء الكلي للامة».
وتأكيدا على تشجيع الهجرة ومنع المهاجرين من العودة الى الجزيرة العربية يقول الرسول عليه الصلاة والسلام «ان الله لا يحب ان يدفن احدكم في البلد التي هاجر منها».
بالنسبة الى الهجرة الى اقليم الجزيرة العربية ، فلقد نقل الى المدينة المنورة عندما كانت عاصمة الدولة الاسلامية اعداد غير قليلة من اسرى الحرب وسباياه الذين استقروا في المدينة المنورة وفي بعض حواضر الجزيرة العربية وامتزجوا مع سكانها ، فعلى سبيل المثال يقول ميشيل مورني: بعد الفتح الاسلامي للعراق نقلت اعداد كبيرة من نساء الفرس واطفالهم الى المدينة المنورة».
يقول افضل اقبال: «حضرت الى المدينة المنورة كأسرى خلال حكم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثلاث من بنات ملك الفرس يزدجرد ، اخذ الاولى عبدالله بن الخليفة عمر بن الخطاب وانجب منها ولدا اسمه سليم واخذ الثانية الحسين بن الخليفة علي بن ابي طالب رضي الله عنهما وانجب منها ولدا وهو زين العابدين واخذ الثالثة محمد بن الخليفة ابو بكر الصديق وانجب منها ولدا اسمه القاسم.. ويقول حسن ابراهيم حسن: «زواج الحسين بن علي بشهربانوه احدى بنات يزدجرد اخر ملوك الاسرة الساسانية. وقد رأى الفرس في اولاد الحسين وارثين لملوكهم الاقدمين ، وهذا الشعور يفسر لنا تعلق الفرس بعلي من جهة ، وظهور المذهب الشيعي في بلادهم من جهة اخرى» ويؤكد هذا القول اليعقوبي ويقول «وكانت ام علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب «زين العابدين» ، «حواء بنت يزدجرد كسرى ، وذلك ان عمر بن الخطاب لما اتى بابنتي يزدجرد وهب احداهما للحسين بن علي ، فسماها غزالة ، وكان يقول بعض الاشراف اذا ذكر علي ابن الحسين يود الناس كلهم ان امهاتهم اماء».
وبحكم وجود الاماكن الاسلامية المقدسة: الكعبة المشرفة في مكة المكرمة وضريح الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة فقد انتقل اليهما واستقر فيهما تعبدا وتبركا اعداد غير قليلة من المسلمين من جذور اثنية مختلفة ومن جميع انحاء العالم وبدون اي استثناء.
ولقد جذبت مراكز العلم التي تأسست في مكة المكرمة والمدينة المنورة اعدادا من العلماء والطلبة من جميع انحاء دار الاسلام ، ومع ان بعض هؤلاء الطلبة والعلماء قد عاد الى بلاده الا ان نسبة غير قليلة منهم استقرت في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

اقليم الهلال الخصيب كمنطقة جذب
ظل اقليم الهلال الخصيب بجناحيه بلاد الشام وبلاد الرافدين ، وحتى وقت قريب منطقة جذب قوية لقبائل وعشائر جزيرة العرب ، وعندما اكتمل الفتح الاسلامي لاقليم الهلال الخصيب وانسحاب السلطة البيزنطية من بلاد الشام ، والسلطة الساسانية من بلاد ما بين النهرين لم تزل الصعوبات التي كانت تقف امام هذه الهجرة فحسب بل زادت المبررات والدوافع والتشجيع لهذه الهجرة.
وبالنسبة لبلاد الشام ، وعندما اصبحت حاضرتها مدينة دمشق عاصمة الدولة الاسلامية لم تعد هذه البلاد منطقة جذب للهجرة من الجزيرة العربية فحسب بل اصبحت منطقة جذب لهجرات من جميع انحاء الدولة الاسلامية ولاسباب سياسية واقتصادية واجتماعية ، ومن الطرف التاريخية التي لا تخلو من المبالغة ان موسى بن نصير عندما عاد من الاندلس بعد فتحها احضر معه الى دمشق عشرين الف جارية اسبانية.
ومن العوامل التي لعبت دورا في الواقع الاثني لبلاد الشام بعد الفتوحات الاسلامية الغزوات التي تعرضت لها وبصورة خاصة غزوة المغول بقيادة هولاكو والغزوات الصليبية بقيادة اباطرة اوروبا وملوكها وامرائها ، وغزوة التتار بقيادة تيمور لنك. فلقد صاحب كلا من غزوة المغول وغزوة التتار مجموعات بشرية كثيفة استقرت نسبة غير قليلة منها في بلاد الشام بعد انتهاء هذه الغزوات.
وبالنسبة لغزوات الصليبيين ، وهي التي ضمت جيوشها مقاتلين من اقوام اوروبا من الانجليز والفرنسيين والطليان والبيزنطيين وغيرهم ، . صاحب هذه الجيوش وتبعها اعداد كبيرة من هذه الاقوام. لقد اقام الصليبيون في المناطق التي احتلوها دولا استمر بعضها قرابة قرنين من الزمان. وبعد هزيمة الصليبيين وانهيار الدولة التي اقاموها استقرت نسبة غير قليلة منهم في بلاد الشام ولقد استمر بعضهم على عقيدته المسيحية والبعض الآخر منهم اعتنق العقيدة الاسلامية «وتمتاز سورية بالتنوع البشري من عنصري ولغوي وديني ، ففيها بالاضافة الى العناصر السامية العربية جاليات قديمة من الاكراد والسريان والاتراك والتركمان والجراكسة والشيشان... والكريتيون والالبان والارمن واليونان والايطاليون والاندلسيون ويهود من كافة الاقطار».
وبالمقابل ، ضمت الجيوش الاسلامية التي تصدت للغزوات الصليبية مقاتلين من العرب والاكراد والاتراك والفرس وغيرهم.. وبعد هزيمة الصليبيين وانهيار دولهم استقرت الاغلبية الساحقة من المقاتلين وممن رافقهم من قبائلهم وعشائرهم في بلاد الشام ، . هذا ولقد حث القادة الذين تصدوا للغزوات الصليبية المقاتلين ومن معهم على الاستقرار في بلاد الشام بصورة عامة وفي فلسطين بصورة خاصة لتأمين الحماية المستمرة لهذه البلاد ولاماكنها المقدسة. امام احتمال ان يكرر الصليبيون غزواتهم على بلاد الشام ، ولقد «شكل المسلمون من عرب واكراد واتراك وتركمان اكثرية بسيطة في سورية ولكنها كانت القوة السياسية المسيطرة» وعندما اصبح الحكم في الوطن العربي بأيدي مسلمين من خارج الوطن العربي قدم الى بلاد الشام واستقر فيها مجموعات من الاكراد والاتراك والالبان والشركس والشيشان وغيرهم.

الواقع الاثني في بلاد الرافدين
وبصورة عامة يمكن القول ان كل ما قيل عن بلاد الشام ينطبق على بلاد الرافدين. فلقد ظلت بلاد الرافدين ، كبلاد الشام ، ومنذ اقدم الازمنة منطقة جذب قوية لهجرات قبائل وعشائر من جزيرة العرب.وعندما اكتمل الفتح الاسلامي للعراق ، وانهيار الامبراطورية الفارسية لم تزل الصعوبات التي كانت تقف امام هذه الهجرات فحسب بل زادت المبررات والدوافع لها ، ولما اصبحت حاضرة الدولة الاسلامية في العراق لم يعد العراق منطقة جذب من جزيرة العرب فحسب بل اصبح ايضا منطقة جذب لهجرات من جميع انحاء الدولة الاسلامية من اقصاها الى اقصاها. ومن الطرف التي لا تخلو من المبالغة ، وتلك التي تصف بصورة عامة الواقع الاثني في العراق ان عدد الجواري في بغداد في عهد هارون الرشيد تجاوز النصف مليون جارية قدمن من جميع انحاء الدولة الاسلامية.
ان دور الفرس في انتصار العباسيين على الامويين زاد من نفوذهم وقوتهم في الدولة الاسلامية ، وهذا الامر شجع مجموعات كثيرة منهم على الانتقال من بلاد فارس الى العراق. ولقد عمق هذا النفوذ ومترتباته الصراع بين الخليفة الامين والمأمون الذي اعتمد على الفرس في هذا الصراع وحسمه لصالحه ، كما ان اعتماد الخليفة المعتصم على الاتراك لكي يقلل من نفوذ الفرس المتزايد شجع مجموعات كثيرة من الاتراك على الانتقال الى العراق والاستقرار فيه ، هذا ولقد تزايد اعداد الفرس والاتراك في العراق بصورة عامة وفي بغداد بصورة خاصة لتزايد نفوذهم بحيث اصبحوا ليس اصحاب القرار السياسي الرئيسي في الدولة الاسلامية فقط بل اصحاب القرار الرئيسي في تعيين الخلفاء وعزلهم.
ومع ان بلاد الرافدين لم تتعرض كبلاد الشام للغزوات الصليبية بصورة مباشرة الا انها تعرضت للغزوات المغولية بقيادة هولاكو خان والغزوة التترية بقيادة تيمور لنك وبالتالي كانت نتائجها على الواقع الاثني في بلاد الرافدين اعمق من نتائجها على هذا الواقع في بلاد الشام وعندما اصبحت سلطة الحكم في الوطن العربي بأيدي مسلمين من خارجه قدم الى بلاد الشام واستقر فيها مجموعات كثيرة من الاتراك والاكراد والفرس وغيرهم.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش