الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

من خندق البنيويين أتحدث

تم نشره في الجمعة 1 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
من خندق البنيويين أتحدث

 

 
علي بدر

في الثمانينيات اجتاحت الدراسات البنيوية واللسانية الثقافة العربية بصورة ملفتة للنظر ، لسانيات سوسور ، بنيوية كلود ليفي شتراوس ، سيميولوجيا بارت ، ابستمولوجية فوكو ، تفكيكية جاك دريدا...وعلى نحو آخر كانت هنالك أسماء أخرى: تودوروف ، جوليا كريستيفا ، التوسير ، لاكان ، غولدمان...والخ الخ...ترجمات ، قراءات ، عروض ، ندوات ، مؤتمرات ، ولكنة خاصة قادمة من المغرب العربي يزيدها غموضا أسماؤهم الجديدة التي مسحت بحركة واحدة كل أعلام المشارقة: سعيد بنكراد ، محمد مفتاح ، عبد السلام بن عبد العالي ، محمد عابد الجابري ، محمد أركون ، والخ الخ. اندفاعة هائلة أشبه بانفجار ، وعلى نحو غير مسبوق ، سرت أشبه بالحمى في أوصال الثقافة العراقية ، شيء قريب من الهوس والجنون ، في المقاهي في الجامعة في التلفزيون في الصحف في المجلات. ليس المهم الإجراء العلمي حتى وإن تحولت النظرية الأدبية أول مرة إلى نظرية علمية ، إنما المهم هو الجهاز الاصطلاحي: علامة ، دال ، مدلول ، خطاب ، المتن الحكائي ، سرديات ، سيميولوجيا ، إيديولوجيم ، محايثة ، مورفولوجيا.
في البداية ، كان محررو الصحف ، وأكثرهم من القوميين التقليديين ، بعضهم من المولعين بالتراث ، والآخر من المولعين بالأدب الملتزم على الطريقة العراقية حاربوا هذه الموجة بلا هوادة ، أولا اعتبروها معادية للسلطة والنظام ، وإنها موجة امبريالية الهدف منها تقويض الثقافة العربية وتهديمها ، ومن ثم ما هي البنيوية؟ شيء غامض وغير مفهوم ، (معنا أو علينا؟) ، إذا كان النص بمعزل عن قائله فمن يكتب عن الحرب ، وعن القائد ، وعن الحزب...واستعانوا هذه المرة لا بالسلطة وحدها إنما بالحزب أيضا...لتجييش معاداة رسمية وسياسية واجتماعية أيضا...ضد كل من يكتب بها أو يتبناها... وأخيرا إذا كانت هذه الموجة هي السارية فماذا يكتبون هم؟ ؟لأنهم غير قادرين على تمثلها وركوبها والعبور بها ، فماذا يصنعون هم؟ هل يخلون الساحة إلى غيرهم...وهكذا نشأ صراع طاحن تمترس به المتحاربون كل على جهته ، حلت أخيرا بترجمة كتاب روجيه غارودي (البنيوية فلسفة موت الإنسان) وكان غارودي نجم بغداد وزائرها الأول بلا منازع ذلك الوقت ، لتنتصر كفة الرسميين على الموجة الإمبريالية المستجلبة.
في التسعينيات وبعد انهيار العراق اقتصاديا وسياسيا ، وضعف الدولة ، ونهاية رقابتها تقريبا ، وجدت البنيوية مسلكا آخر ، فطالما لا تتحدث بالسياسة ، ولا تنظر إلى الخراب ، ولا تحاسب مسببي الحروب العبثية فلها الشرعية في الوجود ، وأخذت تزاحم الحقبة التقليدية لتحل محلها.
وكانت البنيوية في العراق تتوزع على ثلاث فئات: فئة من الجيل الرسمي ، يرتبط مع القديم بقدم ، ومعنا بقدم أخرى ، وفهمه بسبب ثقافته التي نشأ عليها على النصف ، ومعرفته باللغات الأوربية على الحافة ، وفئتنا نحن الشباب الجامعيين (كنت طالبا في الدراسات العليا في قسم اللغة الفرنسية) وكنا نجيد لغات أجنبية ، ونقرأ بها ، وكنا أكثر حيوية ، وأقدر على التمثيل ، لا في الفكرة فقط ، إنما حتى بالشكل ، الملابس الحديثة ، والاستعراض أي الكتب التي نحملها وأكثرها باللغات الأوربية ، وطريقة استخدام المصطلح بالإنكليزية أو الفرنسية ومن ثم بالعربية.
الفئة الثالثة هي الأغرب تماما ، هؤلاء فئة النصابين الذين هبطت البنيوية عليهم من السماء ، وأكثرهم ممن لم يستطع النشر في الصحف في الزمن ما قبل البنيوي ، بسب رداءة كتابته ، وها هي جاءت البنيوية منقذا ، طالما الكتابة غامضة ، ومصطلحات لا أحد يعرف أن يضعها ، ولا يفهم مكانها ، ولا يدرك مغزاها ، إذن كلما خلطتها بعشوائية كانت الطبخة أدسم ، وهكذا احتل هؤلاء النصابون الواجهة ، بمقالات ما أنزل الله بها من سلطان ، وأكثر نماذجهم التطبيقية من محرري الصحف والمجلات ، فهو يأخذ مسؤول قسم ثقافي وهو شاعر أو روائي ويطبق عليه طبخته: (إن النسق الدلالي في شعر فلان يتمحور مع الخطاب السيميائي لإنتاج بنية العلامة...) وهكذا من أول سطر إلى آخر سطر ، وهؤلاء غريبو الأطوار ، كيف؟
في التسعينيات وفي وضع اقتصادي قاهر ، كانوا يرتدون بدلات أنيقة ، ونظارات راقية ، وحقائب جلدية ، وتراهم في كل مكان ، في المؤتمرات ، في الصحف ، في المقاهي الأدبية ، في المكتبات ، يأكلون ويشربون ويشترون الكتب بأي ثمن...وكنا نسميهم القوى الغامضة.. ،
وهذه القوى الغامضة كانت أكثر عداوتها معنا ، نحن الجامعيين ، أو الذين نجيد لغات أجنبية ، كانوا يكرهوننا كراهية لا حد لها ، ويحاربوننا بشتى الوسائل ، فهم يعرفون بأننا نعرف دجلهم ، ونصبهم ، كما كانوا ينظرون لنا بحسد وإعجاب خفي ، حسد للفتوة التي لا تخضع ، والموضة والصديقات ، أما حربهم فكانت غير واضحة المعالم ، كما أنها غير متكافئة ، بمعنى لو كانت هذه الحرب نقدية وميدانها الصحافة ، النقد والتصحيح والتقويم ، فهم يعرفون أن ساحتهم مكشوفة ، لا إمكانياتهم تسمح لهم بالرد ، ولا هم قادرون على الدفاع عن ما كتبوه ، وبالتالي هذه الحرب لا يخوضونها ولا يتقربون منها ، الحرب الثانية هي تحريض محرري الصحف على الشباب ، وكانوا بارعين براعة تامة فيها ، فنحن لم نكن نملك غطاء على الإطلاق ، فمن جهة لم نكن من صلب السلطة السياسية ، ولا نحن من خدمها ، ولا تسمح مواردنا بالانفاق ، وبالتالي كان الحصار شاملا والحرب غير واضحة المعالم ، سوى أن الضحايا يتساقطون واحدا بعد آخر.
المرحلة الأخيرة من تاريخ هذه القوى الغامضة انتهت بعد الاحتلال بتصدرهم لمؤسسات المجتمع المدني ، فكل واحد منهم أسس لنفسه جمعية تدافع عن شيء ما ، وتحصل على موارد مالية من المنظمات العالمية ، فهذا المدافع عن الصحافة والآخر عن المثقفين ، وأحدهم يرأس جمعية للمفكرين ، وأغرب شخص فيهم أسس جمعية تعنى بالدفاع عن الفكر الحر ، وأول بند في نظامها الداخلي هو : نشر الفكر البنيوي في العراق ،
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش