الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

عالم مهدد بالنضوب والجفاف * سيف الرحبي وأرق الصحراء * * د. راشد عيسى

تم نشره في الجمعة 1 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 مـساءً
عالم مهدد بالنضوب والجفاف * سيف الرحبي وأرق الصحراء * * د. راشد عيسى

 

 
في كتابه «أرق الصحراء» يقدم سيف الرحبي نصوصا ادبية في صورة مذكرات يومية تغطي اسفاره المحلية والخارجية ، وهي تدوينات من النثر العالي تتعالق بجنسية ادب الرحلات ، وأدب السيرة الذاتية والغيرية معا ، ذلك انها تتماس مع الذاتاني الخالص ومع الغيري انسانا وحيوانا وجمادا ونباتا ، وتتآصر مع المكان بروابط روحانية متينة تصبح فيها ذات الكاتب كاميرا هائلة دقيقة التصوير تلتقط المشهد وتعلق عليه ايضا من خلال علاقة جدلية وجدانية شاهقة حتى لكأن الاشياء المصورة تبدو هي ابطال النصوص ويمسي الكاتب مخرجا فنيا نبيها.
«كل مدينة اكون على وشك الرحيل إليها تسبقني إليها الاحلام» هكذا يقول الرحبي او هكذا يستجيب لنازع الحنين وهاتف الحياة من اجل السياحة الحرة ورؤية من يحب ص 75.
وأتصور انه يعني بالاحلام احلام الكشف عن كل جديد جميل او مثير يغني الاجندة المعرفية القلبية ويطهر الحواس من خمولها ويصعد بمعراج الروح الى سماء أوسع وأبعد وأجمل.
ولعل اهمية هذا الكتاب تتأتى من ان مادته ليست فوتوغرافيات جاهزة ولقطات تكتفي بمنطقها الاول ، بل هي مشاهد مكانية وبشرية تكشف عن علاقات حياتية سرانية بين طبائع الاشياء ، فالرحبي يعيد انتاج ما يرى وما يحس وما يسمع وما يلمس ذاهبا به الى لغة شفافة تستمد جماليتها من وضوحها الصعب عبر سلسلة من الانطباعات التأويلية التي توحي اكثر مما تصرح بأسلوب ايمائي فطن ، ذلك انه يواجه اسفاره ببصيرة الشاعر وليس ببصر المسافر العادي لكأنه اذن يكتشف العلاقات الشعرية بين ذاته والعالم.
ولا اظنني اذهب بعيدا عندما اصف هذا الكتاب بأنه في جزء مهم منه يقدم مادة معلوماتية تتدانى من السمة الموسوعية في تعدد مناطقها الاعلامية ، فثمة معرفة جغرافية تضاف الى ذاكرة القارئ على غرار حديث الكاتب عن مواقع عُمانية مختلفة مثلا ، وثمة معرفة تاريخية وأخرى علمية بيئية من مثل حديثه عن مشاهد افريقية الذباب الشبح ، الطيور ، الاشجار ورابعة عن العادات والتقاليد لدى بعض الشعوب ، وخامسة تشتبك مع طبائع الاشخاص الذين يقابلهم وهي معرفة نفسية اجتماعية ، وسواها من المعارف الانسانية المتعددة ، غير ان الرحبي كان يواجه كل هذه المشهدية السفرية الواسعة باشغال عفوي على ما هو ادبي وفني كذلك ، فأحيانا يقدم لنا مخلصا لكتاب قرأه في سفره ، وأحيانا اخرى يضيئ على بعض علاقاته بأدباء وفنانين ، ادونيس ، محمود درويش ، نضال الاشقر ، جمال الغيطاني ، عيسى مخلوف ، محمد علي شمس الدين وقائمة كبيرة من زملاء الكلمة المشمسة ، كما يعود الى علاقاته المعرفية بأدباء وعلماء قدماء كالمعري وديستويفسكي ، انيشتاين وغيرهم - فيسترسل احيانا في انطباعاته وتحليلاته على نحو تأمله لسيرورة محمود درويش فيقول: محمود درويش الذي خبر الحياة والعالم سفرا وترحالا ومنافي يسلمه الواحد الى الآخر ، وعاش في قلب تراجيديا الاقتلاع والتيه.. المبدع يسكن حريته وخياره في الترحل والاقامة ف يالحرب والسلم ان وجد ، يسكن شرط ألمه وتاريخه وسط اجتياحات الزمن والتاريخ ص 31.
ففي هذا الكتاب اذن ما هو وثائق وأخبار وسير لمفكرين وفلاسفة وأدباء وفيه كذلك ما هو نص ادبي خالص يوازي القصة القصيرة في معاييره الفنية على غرار «مقدم الربيع» ص 143 كقوله «جلس الرجل الغريب على حافة السرير محدقا في السقف الذي تنيره البروق حيث يتدلى شبح المرأة الغائبة ، غائبة حتى في حضورها قام من مكانه على الحافة وتمشى قليلا محاولا ابعاد طيف الجسد الجميل كي يستسلم لوهم مراقبة المشهد بكل جوارحه».
ثمة ما يمكن ان أسميه انزياح النصوص عن اشكالها في كتابة عفوية لكنها ما كرة في قدرتها المنزلقة عن المسمى الشكلاني ، فيقع المتلقي على ما هو خواطري وقصصي وشعري ومذكراتي وانطباعي ، لكأن اغلب انماط التعبير الادبي موفرة في هذا الكتاب الذي يورط المشاهد والوقائع في الخروج على ذاتها الى جماليات مقروءة في البال تماما كالطيور العديدة التي مجدها الكاتب في اغلب النصوص ، فظاهرة الطير عميقة في نفسية الكاتب عمق ظاهرة الصحراء وأرقها حين عنون الكتاب ، حتى لقد خُيل الي ان الرحبي صحراء على شكل طير يحط في أمكنة العالم يكتشف مالا تقوله وما تنوي ان تقوله وما يريد الكاتب نفسه ان يشي به إليها من أنين انساني طفولي يجمل صورة الكون في ذاته تجميلا يأخذه الى سماء تاسعة فى الكتابة.
والغريب الجميل ان مثل هذه الكتابات السفرية التأويلية تبقى غنية بمواردها الادبية والفنية لانها مفتوحة جدا على الحلم ، وتستحضر ادق التفاصيل اليومية لتفلسفها بخفة او بما يمكن ان اسميه عبقرية البساطة. فالرحبي لم يكن شاهد مكان فحسب انما مؤرخ ومجغرف وبيولوجي ومهندس ورسام وبيئوي ولكن بروح الشاعر المنتمي الى الجرح الانساني والمكافح عن موت الجمال حينا والدال على اسباب الغبطة المعرفية المرئية والمكناة في حين آخر.
ولعل هذا المقطع المدون ايضا على الغلاف الاخير للكتاب ينبئ ويلخص ما أردت الاشارة اليه من ظواهر اسلوبية ونصية في مثل هذا النوع من السرد الشعراني الذكي الذي يجعل الصحراء الذكي الذي يجعل الصحراء مؤرقة بخلاق الحديقة: بحيرة فكتوريا هي اكبر بحيرة في افريقيا ، في هذه البحيرة المترامية الاطراف ثمة فصيل من الذباب يسمى ذباب ايار او الذباب الشبح ، تجذبه اضواء القمر فيفقس بيوضه ويتناسل في ظلال هذه الطلعة ثم يموت علي الفور. البشرية لا تختلف عن هذا الذباب من حيث التفقيس والتناسل ، لكنها تفتقد جمال ذلك المناخ الذي يحتضن الولادة والموت. لا تختلف اذا لم تكن هناك قيم روحية وجمالية تنقذ ما تبقى من ماء وجه المهدد بالنضوب والجفاف كذلك 10ص - 11.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش