الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

في مجموعته القصصية «زمن الانفصالات» * روجيه غرونييه يستظل بـ «يتشيخوف» ويلتقط الكائنات في قفزتها الاخيرة

تم نشره في الأحد 6 آب / أغسطس 2006. 03:00 مـساءً
في مجموعته القصصية «زمن الانفصالات» * روجيه غرونييه يستظل بـ «يتشيخوف» ويلتقط الكائنات في قفزتها الاخيرة

 

 
الدستور - مدني قصري
الخبر الاول الذي يفتح الديوان: في نيسان 1944 يغادر رسام معماري في باريس مكتبه ليلتحق بامرأة شقراء ، فائقة الجمال ، طويلة الساقين. حلمه الكبير في الريف. لكن ركوب القطار من محطة اوستيرلتز الى كليرمون فيران ، تحت قصف القنابل ، والسبل المقطوعة ، والقوافل الالمانية التي تستبيح هذه السبل ، واللقاءات العابرة ، والعربات التي تنتظر قاطراتها ، كل هذا يحول سفرا عاديا الى قصة غرامية مثيرة. النص لا مثيل له في سوداويته وفي سقوطه الصاعق.
ان قراءة روجيه غرونييه هي الرحلة في الزمن الادبي. لماذا؟ لأنه يكتب قصصا هادئة في الظاهر ، كلاسيكية جدا ، تدير ظهرها للحداثة ، ولكنها تستلهم صورها وافكارا ، وجمالياتها من العصر الذهبي للقصة القصيرة لنهاية القرن التاسع عشر ، من مونباسان ، ذي النكهة السوداء ، الى "جول رونار" ذي النكهة الحامضة ، مرورا ب "تورغينييف" بطعمه الزكي ، وظلاله الانثوية ، وسواء جرت هذه القصص العام 1914 او في الجماهير الحالية فانها تنمي الشعور بالغرابة. هل هو غرونييه ما بعد الرومانسي ، التائه في القرن الواحد والعشرين؟.
في شخص غرونييه شيء من هذا. اننا لنشعر بالرغبة في ان نسرد كل قصة من قصصه ، لقفزاتها الشاذة الغريبة ، المثيرة للضحك. تكاد تكون سريالية. انها قصص الرجل العاشق الذي يُرقع وجهه المشوه بالضربات ، والذي يشهد في غيظ وبلا حراك تحرش ممرضه في المستشفى بالمرأة التي عشقها. الرجال عند هذا الكاتب رجال ضعفاء في غالب الاحيان ، وهميون ، مرتجون ، تائهون ، معقدون ، حساسون. فيما النساء معدنهن غليظ قاس.
شخصيات روجيه غرونييه الرئيسية تبدو وكأنها قتلت بالخطاً نورساً. جميعها تغيرت وجوهها وملامحها بفعل التقائها بامرأة فاتنة ، وبفعل التقائها بعابر سبيل على ضفة بحيرة أو في بستان كرز. هذا يذكرنا بان روجيه غرونييه قد كتب قصة عن تشيكوف (معلمه ) "انظروا سقوط الثلج". المفتاح السري الحميمي لعمله. كما واقتبس واستنبط حوارات واوضاع التقطها من قصصه التي رسمها حديثا جدا على نهر مسرح مونتبارناس الصغير. وعلى غرار قديسه المعلم ، الذي مات في بادين ، يلتقط روجيه غرونييه الكائنات في قفزتهم الاخيرة ، وعند سكتاتهم القلبية ، في هدوء مهيب. بنية نثره الحساسة ، الذي يجعل هذه القصص تشبه هياكل الطيور العظمية ، تنتهي على ضفة الفراغ ، وتكشف للقارىء ضفة العدم الشاسعة المميتة. لكن في غضون ذلك يحدث الاشراق ، وتعطر رائحة النساء الجميلات ، واسرارهن ، وابتساماتهن. وعلى الابتسامات ينغلق الباب ، ويظهر رجل يختنق حرا في بدلته الانيقة. ويعود ليجلس على مقعد الحافلة ، ليستحيل شخصا مجهول الهوية ، ضمن المجموعة. لا بد من قراءة هذا الادب الفظ الحزين.
روجيه غرونييه ، الذي يظل واحدا من ابرز المديرين الثقافيين في دار غاليمار للنشر ، يعطينا في كتابه ، درسا في الاخلاق ، وفي حسن السلوك والاقتصاد. وحتى وان قيل هذا في تحفظ وحذر فلا شيء اكثر اضطرابا وغموضا وشيطانية مما يكشفه لنا هنا في "زمن الانفاصالات"عن الطبيعة البشرية. انه فن كلاسيكي عذب ، حساس ، ينفتح على الاعماق. انه زمن الانفصالات.
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش