الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الواقعية التجريدية في الفـن لـ «وسماء الآغـا»

تم نشره في الجمعة 25 تموز / يوليو 2008. 03:00 مـساءً
الواقعية التجريدية في الفـن لـ «وسماء الآغـا» غـازي انـعـيـم

 

 
في هذا الكتاب تقدم د. وسماء الآغا إنجازاً عبر تأسيس مصطلح نقدي يعبر عن موقف فكري ومعرفي يغني الأسس النقدية ، باعتمادها مفهوماً خاصاً في قراءة النصوص الجمالية ، إذ يرفع عنها الكثير من العقبات التي تعيق حرية التحليل ، ويساهم في تطوير الدراسات الفنية وما تقدمه مناهج النقد وأنواعه من نظم في حدودها ومصطلحاتها.

هذا الكتاب يأتي ليناقش بالعقل ، رؤية نقدية جديدة اتصفت بالثراء والشمولية.. عندما ابتكرت المؤلفة مصطلحاً نقدياً لم يتناوله أحد من النقاد سابقاً ، يعالج المادة الفنية بروح علمية تحليلية.. تجلو غموض الكثير من الأعمال في محاورات جادة مع عناصرها وجماليتها.

ومصطلح ( الواقعية التجريدية ) الذي يطرحه الكتاب لأول مرة ، بلغة وسمات خاصة ، تضيف لقراءة النص الفني جوانب معرفية مهمة.. ولهذا يمكن عد هذا المصطلح إبداعاً وابتكاراً جديداً في حقل المعرفة ، بوصفه نتاج أبعاد لتجربة إنسانية وفنية وجمالية يفتح بوابات عديدة لعوالم مزاحة لم يسبق الحديث عنها ، وفي الوقت نفسه يقوم بشد التشخيصات المتعينة بسياجها الخارجي ، واللحظة المخفية تحت قشرتها ، في وحدة متكافئة كاملة.

تسعى الكاتبة في الفصل الأول ـ مقدمة وتعريف ـ إلى تثبيت أسس جديدة لمصطلح نقدي وفني هو مصطلح ( الواقعية التجريدية ) ، وهي واقعية جديدة تضاف إلى أنواع الواقعيات الأخرى.. وهذا يعني أن الواقعية مفهوماً والتجريدية كذلك ، بحيث لا يمكن النظر إلى أحدهما بمعزل عن الآخر في ضوء هذا المصطلح ، والذي لا يمكن له أن يتحقق إلا في العملية الفنية.

وذلك المصطلح يشكل نافذة ومفتاحاً للاهتداء لفهم تاريخ الفن فهماً جديداً ومعاصراً. وكلما أوغلنا في تتبع خطوط الواقع والتجريد المشتركة في العمل الفني ، توصلنا إلى حقيقته دون قيود.

وتدرس المؤلفة في الفصل الثاني"أنواع الواقعيات حسب تسلسلها التاريخي الفلسفي"، وتبين أن الواقعية ككلمة وكتسمية ظهرت لأول مرة واعتبرت تاريخاً لبدايتها في الأدب ، حين طبعت عنواناً لمجموعة مقالات أدبية ونقدية للروائي الفرنسي ( شنفلوري ) عام 1858 م ، وهذا الكاتب يعد أول من أرخ للواقعية وتاريخ الفن والرسم الساخر ، رغم أن الفنان كوربيه قد سبق شنفلوري في كتابة كلمة ( الواقعية ) على واجهة معرض ضم لوحاته المرفوضة ـ بثلاث سنوات أي عام 1855 ـ لكنها لم تأخذ تاريخاً لبدايتها ، ربما بسبب أنه لم يكن راغباً في تحديد أسسها ومنهجها بشكل واضح ، رغم اعترافه أنه فنان واقعي"وصديق مخلص للحقيقة الواقعة ".

والواقعية في معناها الواضح كما يشير لافرينلسكي تعني:"إعادة خلق الواقع بكل ما ينطوي عليه من حقيقة ". وكان هذا كما تذكر المؤلفة هو القاعدة الأساسية التي تم استيعابها عن طريق الفن.

وقد شكلت الواقعية عبر مراحلها التاريخية وتطورها ، نظامها الخاص في محاكاة الشيء الموجود خارج وعينا ، وبشكل مستقل مع الاحاطة بمظهره الخارجي ، معرفة حقيقته ومسبباته ، واستيعاب الظروف التاريخية لكل مرحلة فنية ، والاستفادة من عناصر المذاهب الأخرى دون غموض ، ولهذا صار لها مفهوم متداول انتشر انتشاراً واسعاً بين مختلف الاختصاصات وعند كل الفئات. وكان مفهومها المعرفي للواقع قد شغل المنطق الإبداعي لعمليات الفن وخاصة في الفن التشكيلي.

وتذكر المؤلفة بأن الواقعية من حيث أبعادها التاريخية ، ليست وليدة القرن التاسع عشر أو العشرين ، وإنما كانت تسري عميقاً في التاريخ الانساني ، وكانت سبباً في تطور الفن لذلك تناسبت ملامحها مع كل عصر ، ومع كل ما كان الإنسان يعرفه عن نفسه وعالمه. كما ساهمت في تطور المفاهيم الجمالية ضمن حاجاته ، بحيث كانت تتأثر وتتغير اتجاهها الواقعي وتطوره في الفن.

ووضعت الباحثة مقياساً لأهم المنجزات الفنية عبر العصور ، وأكدت في المبحث الثاني ـ التجريد مدرسة ومفهوماً ـ أن أي تطور في الفن لا يكون بمعزل عن التغيرات الحاصلة في الحياة الإنسانية وما فيها من خلق وإبداع ومعايير جديدة ، ولهذا فالمؤلفة تقبل بحذر الآراء التي تعزو تطور الفن وظهور أساليب جديدة له ، كرد فعل لأنماط ماضوية يعتمد على الاختلاف في المواقف من الواقع ، أو من الحقيقة في فترة أو ظرف معين.

وعلى ذلك جرى الاتفاق بأن التجريدية كمدرسة بدأت عام 1910 حين عرض ( كاندنيسكي ) صوره اللاتمثيلية بمدينة ميونيخ ، ويعد عام 1913 بداية حقيقية للمدرسة التجريدية حتى برز أسلوب ( كاندنيسكي ) كاملاً بين العشوائية والهندسية ، ومبيناً على دراسة متقنة تعتمد على"تمحيص عقلي وبداهة انفعالية ".

وتبين المؤلفة أن المدرسة التجريدية التي انتشرت في جميع أنحاء العالم مستلهمة أفكار ( كاندنيسكي ) و ( موندريان ) انطبقت كتسمية على جميع المذاهب التي تخلت عن التشبيه ، وعن الصورة المألوفة إلى درجة التركيز والتكثيف ، واعتمدت على علاقات خالصة في بناء أشكال لا أساس لها في الواقع ، وركزت على إبراز"الفكرة القائمة وراء مظاهر الأشكال"، وتركت الشكل الظاهري لصالح جوهره.

من هنا تجد المؤلفة أن كل المدارس الحديثة في فن التصوير... تنحو منحى تجريدياُ ، إذا ما نظرنا إلى طبيعة أساليبها الفنية التي تقوم على تحوير الواقع الموضوعي عن طريق التركيز أو الإزاحة الجزئية أو الكلية لذلك الواقع: فتتداخل وتتطابق المشاعر مع الطبيعة في الخيال الإبداعي للمصور.

لذلك فإن مفهوم التجريد: هو عملية ذهنية يسير فيها الذهن من الجزئيات إلى الكليات والإضافات ، وأيضاً هو عملية أساسية وراء أغلب معارف الإنسان وسائر تأملاته الراقية ، وهذا يفسر قدرة التجريد على الكشف عن الكثير من الحقائق المجهولة والاحاطة بها ، وتتسع دائرة مفهوم التجريد كلما أوغلنا في متابعة نشاط الإنسان وجهده وتجربته في عكس الواقع الموضوعي ، ومن خلال الممارسات الاجتماعية والإنتاجية ، وكذلك النمو التاريخي للمعرفة.

في الفصل الثالث من الكتاب ، تتحدث المؤلفة عن مصطلح الواقعية التجريدية وتفرعاتها التي شملت: البدائية ، بعد البدائية ، بعد التقنين ، في بيئتها العربية الإسلامية ، عصر النهضة والمدارس الفنية الحديثة.

وقد سعت المؤلفة في هذا الفصل إلى ضبط مفهوم أو ( مفاهيم ) مصطلح الواقعية التجريدية ، من خلال دراسة تحليلية تركيبية للشكل والمضمون لنماذج فنية تشكيلية ( رسومات ) عبر العصور.. بدءً من رسومات الكهوف الجدارية ومرورا بصور الأختام والنحت البارز في الفن العراقي القديم والفن الإغريقي والمنمنمات العربية الإسلامية وصولا إلى التحولات التي حدثت في فن الرسم في عصر النهضة وفي بداية الثورة الحديثة في الفن وذلك لإثبات خاصية هذا المصطلح وأصالته.

وبعد استقراء المؤلفة لعدد من الصور الفنية التي تمثل المدارس الفنية الحديثة ، تتضح أهم سمات مفهوم الواقعية التجريدية في ص 123 و ص ,124

وفي الفصل الرابع تناولت المؤلفة"سمات مصطلح الواقعية التجريدية"وتحدثت عن: المحاكاة ، وهيكلة المضمون ، مثل: المنظور واللون والشفافية ، وكذلك سردية الصورة والاستجابة.

هذا الفصل يأتي تتويجاً لما قدمته المؤلفة في الفصل الثاني والثالث من دراسة عن الواقعية التجريدية في الفن ، ومهدت السبيل إلى تثبيت حقيقة أن الواقعية التجريدية هي نظرة جديدة في قراءة النص الفني ( الصورة ) بوصفه تجربة ذات أبعاد فكرية وفنية ، وترى أن الواقع فيه تجريد في الوقت نفسه ، بصرف النظر عن النظريات الفنية والاتجاهات الأخرى التي عاصرت كلاً من الواقعية والتجريدية الواحدة بمعزل عن الأخرى عبر العصور.

وتجد المؤلفة في الفصل الخامس أن دراسة الفن العراقي المعاصر وتحليل أعماله واستقراءها ، في ضوء مفهوم الواقعية التجريدية ، يشكل مصدراً مهماً وغنياً للمعرفة ، فهي لا تكشف في الأعمال الفنية العائدة للفترة الزمنية 1945 ـ م1990 عن تطور البنى الفنية وعلاقات أشكالها وارتباطاتها الثقافية والحضارية فحسب ، بل تكشف أيضاً عن ظروف نشأتها والبحث في جذورها ، التي تمتد بعيداً في تربة ثقافات أبعد من زمناً.

بعدها تنتقل المؤلفة لتحليل اللوحات ( النصوص ) الفنية وفق معيار الواقعية التجريدية ، وقراءتها للوحات تستند إلى تجسيد المعنى السامي في هذا النص أو ذاك ، وهو المعنى الذي أكد عليه الجماليين في ربطهم المعنى الفني أو المضمون بالفكر على حد تعبيرهم"كلما كان المعنى سامياً يهم الفكر ، كان على الأثر الفني أن يهم الحواس: فللفن إذاً غاية مزدوجة: أن يجعل المعنى حسياً عيانياً ، وأن يجعل الإحساس خصباً فيخرج منه فكراً ". وهذا ما حاولت الواقعية التجريدية في هذا الكتاب أن تبرزه.

وترى المؤلفة في خاتمة الكتاب ـ الفصل السادس ـ أن رصد الأعمال الفنية عبر العصور... في ضوء مصطلح الواقعية التجريدية ، تطلب تفحص التجارب الفنية التي يقوم بها الفرد ( الفنان ) في تعامله مع الطبيعة بمعناها الخاص والعام.. وترى أن الواقع والتجريد يشكلان أساساً جوهرياً ، يمكن من خلال وحدتهما الوصول إلى حقيقة تلك الأعمال ، وبالتالي الكشف عن جمالياتها.

أخيراً حاولت المؤلفة في كتابها الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، والذي يقع في 288 صفحة من ضمنها حوالي 100 صورة ما بين الملون والأسود والأبيض ، أن يأخذ مصطلح ( الواقعية التجريدية ) حصته في مجال النقد ، فأعطت أمثلة كثيرة في قراءة نتاجات لمختلف المدارس الفنية وعبر عصورها التاريخية كما يقول أ. د. ماهود احمد.

أخيراُ ، هذا الكتاب كما يقول ماهود:"بإطاره النظري وتحليلاته ومتابعاته لتاريخ الفن وفلسفته ، وكذلك نتاجاته ، سوف يغني المكتبات ويسد فراغاً بمعطياته وتخصصه ، ويفتح طريقاً نقدياً جديداً في عالم الفن ".



ہ نـاقد وتشكيـلي أردني



[email protected] yahoo.com



Date : 25-07-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش