الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سؤال الثقافة وإشكالية المفهــوم والمــرجعيـات

تم نشره في السبت 26 تموز / يوليو 2008. 03:00 مـساءً
سؤال الثقافة وإشكالية المفهــوم والمــرجعيـات سلطان المعاني

 

 
يناقش كتاب أدم كوبر "الثقافة التفسير الأنثربولوجي" الأسئلة الحائرة بين علماء الأثنولوجيا والأنثربولوجيا والأكاديميين في مسألة تحديد مفهوم الثقافة ومجالاتها وأهلية الانتساب إليها. ويلوي كوبر على آراء الباحثين الألمان والأمريكيين في التفسيرات الأنثروبولوجية والاجتماعية للثقافة وموقعها في الفكر الأوروبي والأمريكي المعاصر. حيث يزعزع كوبر ، على أية حال ، مرجعية الثقافة ويرحل بها من مستويات التحليل الاجتماعي أو السيكولوجي إلى التحليل التفسيري والتفكيكي ، ومعنى هذا نسبة الثقافة إلى حقل العلوم الإنسانية على حساب العلوم الاجتماعية ، إذ علينا الحديث "على نحو أكثر دقة عن المعارف ، أو الاعتقاد ، أو الفن ، أو التكنولوجيا ، أو التقاليد ، أو حتى الأيديولوجيا" لأن "الاحتكام إلى الثقافة يمكن أن يقدم تفسيراً جزئياً فقط لما يعتقده الناس ويسلكونه في أفعالهم ، وما يجعلهم يغيرون من أساليبهم..".

ويصفع عنوان "حروب الثقافة" حًسَّ المرء تجاه حيادية الثقافة ، وفي أن ما يمايز بينها ليس درجات الفضلوية والتعالي بل الاختلاف فقط. ولكن السياسة التي تفسد كل شيء دخلته ، جعلت الأكاديميات الأمريكية "تشن الحروب الثقافية".. فـ"السياسيون يحرضون على الثورة الثقافية.. فالكل يعرف الثقافة ، ولا يتعين عليك تفسيرها" . ولكن واقع الحال في دراسات الباحثين جعل من الثقافة مادة الحقول المعرفية المختلفة ، فمرة تكون مصطلحا من مصطلحات الفن ، وأخرى مفهوما سياسياً ، وثالثة مفهوما يشكل خطاب الهوية ، وفي منحى آخر تقفز الثقافة إلى رتبة النبوءة وفق تهويمات هنتنغتون في جعل سياسات الحضارات سياسات عالمية نَابها القوى العظمى المتنافسة ، والتي جعلت من صدام الحضارات وًجاءَ مفهوم التطورات السياسية والقتصادية المتباينة بين الشعوب. ويمضي الكتاب في تتبع تاريخية مفهوم الثقافة من منظور أنثربولوجي ، معلناً ضبابية وانزياح التفسيرات والمفهوم والمرجعيات.

يبدأ الجزء الأول من الكتاب ، بتناول المفارقات في الأطروحات والرؤى حول مفهومي الثقافة والحضارة ، وحول تلاقي أو توازي أو تنافر آراء المفكرين الفرنسيين والألمان والإنجليز فيما بين العقدين الرابع والسادس من القرن العشرين في تناولهم لهذين المفهومين. إن تناول مفهوم الحضارة بالمعنى الممايز بينه وبين الثقافة لم يتأت سوى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، ولم يجد فيبر وغيرة من المنشغلين بهذا المفهوم سوى دلالة التحول إلى القانون المدني ، أو تشير إلى ذلك المتحضر الذي يلتزم بالقانون مقابل لفظة وحشي أو بربري وهي المسارات التي تناولها الباحثون فيما بعد في رسم تاريخانية السلم الحضاري ، بدءاً بالوحشية والبربرية وانتهاء بالمستوى الحضاري الأرقى. وهي مسألة على أية حال غير مطردة ، فما تعارف عليه مفكرو ألمانيا حول الثقافة ساقه مفكرو فرنسا على الحضارة ، إلى أن تقاربت فيما بعد رؤية التقسيم المادي والمعنوي لكل منهما ، فالحضارة تمهظر مادي والثقافة أيقاع روحي داخلي. وقد راوحت هذه المشاريع والرؤى دوائر أنثربولوجية ومجتمعية برز فيها المفكرون ستاروبنسكي ، ونربرت إلياس ويوهان هيردر وودروف سميث وريموند وليامز.

أما تفسير علم الاجتماع للثقافة فقد استغرق الفصل الثاني بطوله ، حيث جاءت آراء فيبر وإلياس وويليامز في تتبع الأصول الفكرية التي تتناول المحيط الخاص بمفهومي الثقافة والحضارة محوراً أساس في مناقشة كوبر دراسات هذا السياق ، ففي العقد الرابع من القرن العشرين نشر بارسونز دراسة بعنوان "هيكل الفعل الاجتماعي" تحمل خطابات وضعية ومثالية على خلفية الإرص الخاص بالتراث التنويري والتراث معادي التنويري. وقد برز النفعيون في حقل العلوم الاجتماعية ذات الخطاب الوضعي ، حيث تبوأوا صدارة علم الاقتصاد ، وآمنوا بأن السبيل نحو قواعد تنتظم السلوك البشري تقارب القوانين يكون باتباع المنهج العلمي. وجاء المثاليون بالمقابل بأفكار تنفي وجود القواعد العامة التي تنتظم السلوك البشري ، فلكل فترة تاريخية ولكل ثقافة قوانينها ودينامياتها الخاصة. ويرى المثاليون أن غايات الأفراد ورغباتهم في نمط التشكل هو الذي يقولب الثقافة.

وقد تولدت في المذهبين الوضعي والمثالي مذاهب ونظريات جديدة مثل النظرية الآلية ومذهب الفردية والمذهب الجزئي ، وهي في الغالب تسلك درب المذهب الوضعي في عدًّ الوحدة الواحدة أو الفرد يتبعان الكل. وفي أن القيم الأخلاقية جزء يلتفت إليه بوضوح عند الاقتصادي ، وفي أن المصالحة بين وسائل وغايات الفرد والمجتمع يجب أن تتصدر نظرية إرادة الفعل الوضعي حسب مارشال وبارسونز وباريتو.

وقد نادى بعض الوضعيين بمسألة "معاملة الفرد في عزلة ، كما لو كان يتصرف بمفرده ، ويسعى وراء إشباع احتياجاته الخاصة بأفضل ما يستطيع" ، وهو ما انقلب عليه كل من دوركايم وباريتو "إذ أن للمجتمع مصالحه الخاصة ، وهو يفرض أهدافه على الفرد عن طريق الطقوس والرمزية" .

وفي كتاب "النظام الاجتماعي" لبارسونز برزت نظرية "الإرادية للفعل" والتي تطورت إلى "ما بعد النظرية العامة للفعل" ، حيث صنف كل ما يتعلق بالفعل ضمن ثلاث طبقات: الإجتماعية ، والطبيعية ، والثقافية ، ووفق الأنظمة الإجتماعية والبيولوجية والشخصية الفردية والنظام الثقافي وهي نُظم متفاعلة تَحكم ما يُطلَب من الفرد القيام به ، "فالفرد كائن بيولوجي". إن الثقافة مصطلح فتح فضاء الشمولية للأفكار والقيم والرموز معاً. وقد عرض الفصل أطروحات كلوكهون وبارسونز وتايلور لمفهوم الثقافة وتداخلها مع مفهوم الحضارة ، ثم تداخلها مع دراسات البنية الاجتماعية منذ المجتمعات البدائية وحتى العصر التنويري في المجتمع الصناعي الأوروبي.

وليس أقوى من أن نقدم كليفورد جيرتز ومفهومه عن الثقافة مما قاله هو في هذا السياق وذلك عن طريق جملة من الأسئلة التي تتعلق بالثقافة معتقداً وحاله أوبرالية ضخمة تصدرت الفصل الثالث من الجزء الأول من كتاب كوبر "الثقافة تفسير أنثربولوجي" وهي جملة من حقائق الوجود الاجتماعي في أسئلة المُلكيّة: وسائل الإنتاج ، السلاح ، الصحف ، الملفات. وأسئلة الحقائق المفترضة الحالمة للوجود ، مانحن؟ وماذا يجب أن نكون؟. وأسئلة المعتقدات ، العقوبات والربح والخسارة. وهذه أسئلة تبرز عناوين ثقافية أربعة كبرى: القوة ، والرغبة ، الحسابات ، والمصلحة ، ويخلص جيرتز إلى أنها سواء أقويت أم ضعفت فلن توقف الثقافة عن الاستمرار. وقد حاول أن يوظف هذه الاستنتاجات النظرية إلى واقع قابل للتطبيق في دراساته الميدانية في أمريكا وفي أندونيسيا ، حيث تابع فيها مسألة غاية في الأهمية وهي نشأة الزراعة وما رافقها من تحولات مجتمعية واقتصادية وأنثربولوجية ، ويسجل له تتبع هذه المسائل بحس إثنوغرافي وفكري تفاؤلي عميق تعقب فيه الرموز المجتمعية والدينية وتفاعلاتها في المجتمعات التقليدية التي تأخذها أموراً مسلماً بها ، وكيف تنهض وتتداعى أمام التحديات المجتمعية والانتاجية والعلمية والفلسفية. ولعل رواية جيرتز لصراع الديكة في قرية بالينيز الأندونيسية يضع فكره في بؤرة مكثفة ، فما يهمه هو "تفسير المشهد برمته من قبل الجمهور. فإن وظيفته ... تفسيرية" فما يحدث في مصارعات الديكة "لهو هدام ومزعج جداً: "فهي تجمع معها موضوعات رابطها الرئيس هو المشاركة في الغضب والخوف من الغضب ، موضوعات مثل الوحشية الحيوانية ، والنرجسية الذكورية ، والقمار بين الخصوم ، والتنافس على المكانة ، والإثارة الجمعية ، والتضحية بالدم" .

أما ديفيد شنايدر فقد كان فوضوياً مؤمناً بما بعد الحداثة ، والداه يهوديان معاديان للصهيونية مخلصان للشيوعية ، عاش مشاكساً معارضاً هداماً ، غير مؤسساتي ، اصطدم مع أساتذته ، افتتن بفرويد منذ صباه ، مارس البحوث الجتماعية ، وقامت اطروحته لدرجة الدكتوراه على البحث في مصطلحات الدرجات القرابية في أراضي ميكرونيزيا. وقد عمل بعدها في الأنثربولوجيا الاجتماعية ، وعني بدراسة التطور الانساني الذي تبنته أقسام الأنثربولوجيا الأمريكية والمتمثلة بمجالات الأنثربولوجيا الثقافية وارتباطها بالأنثربولوجيا الفيزيائية وعلم الآثار وعلم اللغة. ويبدو أن رؤى شنايدر ظلت متطرفة رغم إمكانية طرحها الهادئ وبذا ظل يقوم في أبحاثه على صلات القربى ورمزية ومدلولات العلاقات الاجتماعية القائمة على الدرجة القرابية ، وقد أثارت وما زالت تثير جدلاً وحضوراً كبيرين.

وفي حقل التجارب في جزء الكتاب الثاني جاء الفصل الخامس بأطروحات مارشال سالينز في تناول التاريخ كثقافة ، حيث تناوب في أفكاره على نظريتي النسبية الثقافية والنظرية التطورية الأمريكية ، التي تعود بداياتها إلى القرن الثامن عشر ، مارسها تايلور ومورغان في الدراسات الأنثربولوجية ، ولكن تطبيقها تعاظم على يد ليسلي هوايت وتلميذه سالينز ، وقد انجذب أتباعها إلى الماركسية. فبينما تعتمد النسبية الثقافية على الخصوصية المحلية ، وهي حسب سالينز سيلة حياة تناسب بيئة بعينها ، فإن التطورية اعتمدت "صفة التقدم ذاته" ، تقوم على دراسات مقارنة في الجزئية المعينة للدراسة ، والتي تركزت في الغالب على صلة القرابة ، وهي"تقوم على سلسلة من المراحل في مسار تاريخي مشترك ، فيمكن وضع كل مجتمع على خط متصل من التطور بدءا من المجتمعات التي تساوي بين أفرادها وتقوم على صلة القرابة ووصولا إلى الدول التي تقوم على التسلسل الهرمي للسلطة" . وقد مثلت هذه الدراسات الأثنوغرافية في مجتمعات متعددة منها ، مجتمعات ميلانيزيا الصغيرة وتونغا وهاواي وتاهيتي في مناطق المحيط الهادي ، ومناطق غينيا الجديدة. وتم تتبع صفة القرابة ووسائل الانتاج والهرمية الاقتصادية والسلطة ، ومبدأ السوق ، وقد طرحت فيها أسئلة التطور من العصور الحجرية وحتى الاقتصاديات الجديدة ، وفي مقابلة إثنوأركايولوجية يخلص سالينز إلى أن مجتمعات العصور الحجرية تساير مجتمعات "الكونغ بوشمان ، الصيادين السعداء بما يجود به الحظ والمستغنين عن كل من الحاجة والعمل الشاق". والمهم في مسألة التسلسل ملاحظة عوامل الطاقة والنمو في تطور المجتمعات والشعوب ، فالتطورية الجديدة تؤمن بالحتمية المادية ، والداروينية ، وما تؤديان نتيجةً إلى صوغ قوانين ثقافية. ومنها أن الماديين - حسب سالينز - ينظرون إلى "الثقافة على أنها مجموعة من الأدوات ، أي تكنولوجيا للاستغلال المنطقي للطبيعة". بينما ينظر المثاليون للثقافة على أنها "مجموعة من عمليات التمثيل التي شكلت الفعل وصاغت الأحداث".

وفي الوعي بعالم جديد شجاع يبدأ فصلُ انطلاق حركات حرية التعبير عن الرأي ، والذي انطلقت شرارته من جامعة بيركلي في النصف الأول من العقد السابع من القرن العشرين حيث أفرزت فئة من الطلاب ذوي التوجه الخارجي الداعي إلى التغيير والتحول في شؤون الأمة والعالم. أما الحدث الثاني الأكبر فهو نظرية النظام العالمي القائم على اتساع مدى الرأسمالية لتشمل العالم ، وقد تطلب ذلك ولادة علوم ارتبطت بالتوجه الاستعماري ، فجاءت علوم الأنثربولوجيا وأفكار الاستشراق لتقسم العالم إلى فريقين: "نحن والآخرون ، ونحن وهم ، ثم مُثًّل الآخرون البدائيون... كمجموعة غير متمايزة ، ويتميزون باختلافهم عنا ، وهو اختلاف ليس في صالحهم على الدوام فهم غير منطقيين ويؤمنون بالخرافات ومحافظون بعناد ، وتدفعهم العاطفة ، ولا يتحكمون في شهوتهم الجنسية ، ويميلون إلى العنف ، وهلم جرا" . وقد مضت هذه الحركات في درس الآخر وثقافته متراوحة بين النظرة أعلاه وبين ضرورة التأكيد على الهوية الثقافية واحترامها.

وفي فصل الكتاب الأخير "الثقافة والاختلاف والهوية" بدا مفهوم الثقافة فضفاضاً يتناول الفنون والآداب والمنهج التعليمي للدراسات الإنسانية والإعلام والثقافة الشعبية المشتملة على الفلكلور والفن البلوليتاري والرياضة ، وهي مختلفة ، حتماً ، عن ثقافة الصفوة التي يمكن تصديرها واعتبارها شكلا من أشكال الاستهلاك البَيًّن ، أي علامة تدل على المكانة تكرسها أو تنتقدها الدراسات الأكاديمية والسياسية وأنشطة السينما والمسرح والتلفزيون.

وفي تكثيف لفكرة كوبر في كتابة فإن الثقافة مفهوم لا يمكن تحديده بإيجاد نظرية تجمعه بالعلوم الاجتماعية وعلم النفس ، وقد فشلت المحاولات في ذلك فشلاً ذريعاً ، ولكننا ، رغم ذلك ، جميعاً ذوو هويات متعددة ، تحكم الواحد منا هوية رئيسية واحدة ، ولكنه قد لا يخضع لها بالضرورة ، فنحن لسنا كائنات ثقافية فقط ، ولذا فالنظرية الثقافية تواجه في قوقعتها لنا في جزر الهويات الثقافية اعتراضاً أخلاقياً ، عوضاً عن تكريس المشترك التواصلي خارج حدود الجغرافيا والعرق والدين.

- ناقد واكاديمي أردني

[email protected]

Date : 26-07-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش