الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأدب الكويتي في نصف قرن : كتاب يلقي الضوء على الشعر الكويتي الحديث والمعاصر

تم نشره في السبت 19 تموز / يوليو 2008. 03:00 مـساءً
الأدب الكويتي في نصف قرن : كتاب يلقي الضوء على الشعر الكويتي الحديث والمعاصر

 

 
د. إبراهيم خليل - الجامعة الأردنية

أكثر القراء ممن ينتمون لبلاد الشام ومصر والمغرب يجهلون الكثير من معالم الحياة الأدبية في أقطار الخليج العربي ، إن كان ذلك في الشعر أو في النثر. أو في غيرهما من فنون القول التي تتنوع فيها الأجناس ، وتختلف مرامي التجوال .

والكتاب الذي صدر مؤخرا في طبعة جديدة عن الأدب الكويتي في نصف قرن كتابّ يسد هذه الثغرة ، ويسعى لتلافي ذلك النقص.

صحيحّ أنّ القارئ المتابع لا يخفى عليه أنَّ شعراءً مثل : خليفة الوقيان ، أو خالد سعود الزيد ، أو أحمد السقاف ، أو أحمد مشار العدواني ، أو الكاتبة ليلى العثمان ، أو الشاعر الرائد فهد العسكر ..وعبد الرزاق البصير.. أسهموا بالكثير الوافر من العطاء الأدبي في الكويت ، ورفدوا بذلك نهر الأدب العربي ، شعره ونثره ، بروافد كثيرة الماء ، شديدة الرونق ، بما أبدعوه ، وصنفوه ، ونشروه.غير أن الصورة لا تخلو في أذهاننا من بعْض الغموض ، الذي يجعل معرفتنا بأدب الكويت في القرن الماضي لا يتعدى الظلال التي تتراءى من هنا ومن هناك ، من غير توضيح للملامح والتفاصيل في الزمان ، والمكان ، والأشخاص.

وهذا الكتاب الذي أسهمت فيه ثلة من كبار المتخصّصين ، والنقاد الأدبيّين ، لا يكتفي برسم الصورة بملامح شديدة الوضوح ، حسبُ ، ولكنّه ، إلى جانب ذلك ، يضع القارئ في أول الطريق ، وعليه إذا شاء الاستزادة عن هذا الأدب ، مواصلة البحث ، وله في المصادر ، والمراجع التي اشتملت عليها خلاصاتُ الفصول ، خيرُ ما يتزود به المسافر في رحلته العلمية هذه.

البواكير

ففي البحث الموسوم بالعنوان" الجهود الثقافية المبكرة في الكويت ، من 1682 - "1939 الذي كتبه الشاعر ، الباحث ، د. خليفة الوقيان ، نجد الكثير من التفاصيل التي تؤرّخ ، بطريقة علمية ، لنشأة الكويت من حيث هي كيانّ سياسيّّ واجتماعيّّ خاصّ ، ولما عرفه المجتمع الكويتي عبْر نيف وقرنين من الزمان من عطاء ثقافيّْ ، وأدبيّْ ، نثري وشعري ، اصطبغ بالطابع الديني أحياناً ، وبالطابع الإصلاحي النهضوي أحيانا أخرى. ولا يخلو الأمر من جدل بين التوجُّهات: فالمتنورون لم يجدوا بُدّا من النهوض بالمجتمع الكويتي ، والسَّيْر في ركب التحضُّر. والمحافظون ، ممن يخشون التجديد -عادة - حفاظا على ما يظنونه مكاسب ورثوها من العهد السالف ، يقفون ضدَّ ذلك النهوض.

وفي هذا السياق تكشفُ الدراسة عنْ مواجهة فكريَّة (إيديولوجية) بيْن التياريْن ، فالشيخ عبد العزيز العلجي(شاعر) يحملُ ، بشعره ، على من يتنفسون رياح العصْر ، ويتنشقون أريج المعرفة الوافدة من العالم الغربيّ ، ويعُدُّ ذلك ضربا من اتباع الشيطان ، وانحرافاً عن جادة الإسْلام ، وحيدةً عنْ ملة المسلمين.وقد غالى في ذلك مغالاةً شديدة ، واشتط إلى حدّْ كفـّر فيه من يخالفه الرأي :

نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم

ولسنة المخـتار من عـدنان

وفي المقابل ثمة فريقّ من الكتاب ، والشعراء ، منهم صقر الشبيب ، وقفوا إزاء هذا التيار وقفة حاسمة ، وحادّة ، فهو ، في رأي الشبيب ، تيار لا غاية له ، ولا هدفَ ، سوى التصدي للتجديد ، والتغيير ، والإصلاح ، والتعليم ، والوقوف ضد ما هو عقلاني:

وغدا يسبّ المُصْلحينَ بهَدْيهمْ

وأخو السُّباب يبوءُ بالخذلان

وقد كانَ الشبيب - وفق ما ينضح به شعْره - من أكثر شعراء الكويت تذمّراً منْ نهْج المتعصًّبين للماضي ، المتّخذين منْ الدين أداة للطعْن على الإصلاحيّينَ المتنوّرين.

وقد تتبّع الوقيان ظهور التيار الثقافي الديمقراطي ، وما حققه الكويتيون من مكاسب زمن الاستعمار البريطاني ، وما أسهم به رواد النهضة من كفاح بالقلم أدى إلى فرض التغيير ، ومن ذلك إيجاد مجلس للشورى بمنزلة البرلمان للشعب الكويتي . وتنصيبُ أمير منتخبْ يُجْمع عليه أبناءُ البلاد ، والسماح بإنشاء مجالس بلدية ، ومنتديات ثقافية ، منها: المكتبة الأهلية ، والنادي الأدبي ، فضلا عن الدواوين التي أسْهمت في تحرير المثقف من عزلته ، وجعلته على اتصال دائم بجمهوره.

الشعر القومي

وفي هذا المقام يلقي الباحث الضوءَ على اتجاهات الأدب اعتماداً على الكثير من الأمثلة ، والشواهد الشعرية ، علاوة على تتبُّع النصوص.

وقد غلب على الشعر التيار القومي غلبة واضحة ، ويتضح ذلك من القصائد الكثيرة التي نظمت في تأييد ثورة عبد الكريم الخطابي في المغرب ، والمقاومة في الجزائر ، والحركة التحررية في تونس ، والتحريض على الإنجليز والصهيونية في فلسطين ، والوقوف - بلا مواربة - ضد الهجرة اليهودية إلى البلاد المقدسة ، والتصدي للكشف عن مسلسل المذابح في البراق وفي أمكنة أخرى من فلسطين.ومن شعراء هذا التيار الذين كان لهم القدح المعلى ، والذراع الطولى ، فهد العسكر ، وصقر الشبيب ، وخالد الفرج. وآخرون دعوا إلى التكاتف والوحدة ، وتغنوا بالبطولات في أرض البطولات.

أما القسم الثاني من الكتاب ، فيشتمل على أربعة أبحاث ترصد ملامح الشعر العربي الحديث في الكويت.

اللغة في الشعر الكويتي

في هذا القسم يتناول الدكتور جميل عبد المجيد اللغة الشعرية وما عرفته من التغيير سواء على مستوى المفردة ، المستعملة ، في صياغة التراكيب ، أو على صعيد الجملة ، وسلاسة الإيقاع الشعري ، فيما يعرف بالشعر القائم على الشَّطرين أو على التفعيلة الواحدة.وقد عثر الباحث في ديواني ( المبحرون مع الرياح) لخليفة الوقيان و (عاد من حيث جاء) للشاعر إبراهيم الخالد ، على نماذج توضح بالدليل الملموس ، والبرهان المحسوس ، على تغير لغة الشعر ، فبعد أن كانت تعتمد البلاغة التقليدية القائمة على الإغراق في مستنقع المحسنات البديعية ، والزخرف اللفظي ، أصبحت تميل إلى استخدام الاستعارة الجديدة المبتكرة ، والأساليب الإنشائية ، التي تعمل على استثارة فضول القارئ سواءّ اعتمدت تركيب الاستفهام أو النداء أو أي أسلوب إنشائي آخر ، وعلى تعاضد المستوى الصوتي والمعجمي والصرفي والتركيبي.

مثلما اعتمدت هذه اللغة أيضا على ما يعرف بالتناصّ ، واستدعاء النموذج التاريخي والتراثي: من ديني وصوفي ، والحرص على المواءمة بين الشكل والمضمون تجنبا لما عرف في المراجل المتقدمة من تصنّعْ في النظم ، وتكلفْ فيه.

أما الدكتور محمد العمْري من المغرب فقد تناول في جلاء الصورة نفسها من حيث السلاسة والنظم والإيقاع.

وإذا تجاوز القارئ المقدمة النظرية عن الإيقاع ، ومكوناته المتعددة ، كالجرْس الداخلي الذي تحدده الصوامت والصوائت ، والتكرار المقطعي الذي تحدده التفعيلة ، والوزن الذي يحدده التكرار الكمي للتفعيلات في البيت الواحد مما يعد في الشعر ( العمودي) أو في الشطر مما يُعدُّ من الشعر الحر ، يضاف إلى ذلك المكوّن الإيقاعي الخارجي المتمثل في تكرار القافية على نحو أوْ آخر ، نقول : إذا تجاوز القارئ هاته المقدمة ، فسوف يلاحظ أن الباحث يزاوج في دراسته المطولة بين مسارين ، أحدهما: يتصل بما يسميه الشعْر المنتظم ، وثانيهما بما يسميه الشعر الحر ، أو قصيدة النثر ، مستخدما المنهج الإحصائي ، معتمداً الأرقام في الكشف عن تواتر هذا النوع أو ذاك في دواوين الشعراء . ومن بين الظواهر اللافتة التي تطرق إليها الباحث كثرة الشعر غير المنتظم ، ووفرة الاعتماد على التوازي النحويّ ، وتنازُع الامتداد والانقباض في طول البيت ، وتنازع الشطر والتفعيلة في القصيدة الواحدة ، مما يؤدي إلى التدوير. ومقاومة الاتساق فيما يعرف بالحذف أوالإضمار ، أو التكرار القائم على الزيادة.

الشعر والتراث

ولمزيد من التعريف بالشعر الكويتي يسهم الدكتور علي عشري زايد من مصر ببحث عن استدعاء التراث في الشعر الكويتي ، مبيّناً المصادر التي طغت على هذا الاستدعاء ، كالمصدر الديني ، والمصدر التاريخي ، والمصدر الفولكلوري ، والمصدر الأسطوري.ومما يزيد هذا الجانب وضوحاً ، وعمْقاً ، الدراسة الأخرى التي أسهمت بها الدكتورة سعاد عبد الوهاب ، من الكويت ، بالعنوان السابق نفسه"استدعاء التراث في الشعر الكويتي : المرجعية والتناص".

والصحيح أنّ ما يذهب إليه الباحثان لا يختلف عما هو معروف من استدعاء الشاعر الحديث لنماذج من التراث ، وتوظيفها في التعبير عن قضايا الإنسان العربي المعاصر. بيد أنّ الجديد في دراستيهما هو إخضاعهُما الشعر الكويتي لمثل هذه المنهجية في الدّرْس والبحث. مما يضيف إلى فصول الكتاب فصلين يُسْهمان في تكملة الصورة ، وتعميق المعرفة بالشعر العربي في الكويت.

ولا ريب في أن مثل هذا الكتاب الذي ننتظر له جزءاً ثانيا يحدثنا فيه مؤلفوه عن النثر من قصة قصيرة ، ورواية ، ومسرحية ، يحسن أن يكون نموذجا لكتبْ أخرى تقدم فيها آدابّ عربية أخرى ، سواءّ في أقطار خليجية مثل البحرين وعمان وقطر وسواها ، أو في أقطار أفريقية مثل الجمهورية الموريتانية والسودان والجماهيرية الليبية.

- ناقد وكاتب وأكاديمي وباحث في اللغة والأدب



Date : 19-07-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش