الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود الريماوي.. من فضاء الشعر إلى فضاء النثر

تم نشره في الجمعة 11 تموز / يوليو 2008. 03:00 مـساءً
محمود الريماوي.. من فضاء الشعر إلى فضاء النثر د. إبراهيم خليل

 

 
لا أظن مؤرخا منصفاً ، أو ناقدا نزيها ، موضوعيا ، متجرداً ، للقصة القصيرة في الأردن ، أو في فلسطين ، يَسْتطيع أنْ يُنكر ، أوْ يتجاهل ، ما لمحمود الريماوي مًنْ سَبْق يجعل منه رائداً من الرواد الذين عشقوا هذا الفن ، وأحبوهُ ، حبا متصلا ، غيْرَ موسميّْ . فباستثناء قلة نادرة ، الريماويّّ واحدّ منها ، ظلّ أكثر كتاب القصة القصيرة يتحوّلون عنها ، ويستبدلون بها فناً آخرَ ، فهذا يتحوَّل إلى الرواية ، وذاك يتحول إلى الشعر ، أو إلى المسرح ، أو إلى النقد ، أو إلى المقالة الصحفية ، لكن الريماوي طلـَّق الفنونَ الأخرى - باستثناء المقالة - طلاقاً بائناً ، واقترن بالقصة القصيرة اقترانا مؤبَّدا ، من غير أنْ يرتضي لها منافًسَة ، أوْ ضرَّة.

فمنذ 1967 بدأتْ قصصهُ تغزو مجلة الآداب ، يوم كانت قبلة الندرة المتميزة من كتاب العربية ، وشعرائها ، وناثريها البارزين. وقبل ذلك شرعتْ قصصه بالظهور في جرائد فلسطين ، والمنار ، إلى جانب الواعدين يومئذْ من أمثال محمود شقير ، ويحيى يخلف ، ورشاد أبو شاور ، وآخرين. وفي بيروت واصل عطاءه ، وتوالت مجموعاته القصصية من العام 1972 حتى المجموعة الأخيرة.

وعبْر هذه المسيرة المديدة التي تربو على الأربعين أعادَ الكاتبُ النظر فيما كتبَ ، ونشر ، مراراً ، فاصدر من أعماله مجموعة منتقاة من القصص ، سماها" الليلة نمشي بين الماء والرمل" 1997 ونشر أعماله شبه الكاملة في مجلد رتبت فيه ترتيبا زمنياً يتيح للقارئ ، والدارس ، على السواء ، الوقوفَ على ما قدمه من تجاربَ متعددةْ تثبت بالدليل القاطع ، والبرهان الساطع ، أنَّ ما يحسبه الجاهلون تجريبا ، أو تجديدا ، في القصة اجترحوه ، وتوليدا أحدثوه ، وابتكروه ، كان قد سبقهم إليه هذا الكاتبُ ، مرارا وتكراراً. وأنّ قسما كبيراً ممن يدَّعون الحداثة ، والتجريب ، قد تأثروا بما كتب ، ونشر ، على الرغم من أنهم لا يعترفون بذلك ، بلْ يُنكرون أنهم اطلعوا على قصصه ، ما نشر منها ببغداد ، أو في بيروت ، أو عمان. فقد كتب القصة التي تتألف من نتف - مشاهد - يتكامل بعضها مع بعض في قصة واحدة ، تندرج تحت مسمى السرد المؤطـّر ، وهو الحكاية التي تتضمن أكثر من حكاية ، لتنصهر - جميعا - في حكاية واحدة ، أقول كتب ذلك منذ العام 1968 ، فالمضبوع في أبناء الآخرين ، والحمْل الكاذب ، والحرب الوهمية ، والتقويم الذي تنزع أوراقه عن الحائط ، رموز يتصل بعضها ببعض في إطار سردي يجمع أربعة من القصص في مشهد ذي بناء عضوي متسق.

استخدم الريماوي أسلوب المراوحة في الزمن في قصصه القصيرة التي تضمنتها مجموعته الجرح الشمالي (1980) وذلك في قصته"خذيني يا أمي" التي أتقن فيها لعبة الخلط بين الماضي والحاضر على المستوى السرديّ الزمني ، إلى جانب الغوص في عالم المرأة الداخلي ، متخذا من التداعي ، والاستبطان ، أداة لكشف المخبوء في مناطق ما قبل الشعور بتعبير فرويد ، في لغة هي أقربُ إلى الشعر منها إلى النثر ، وفي حبكة تلامس حدود السرد الغرائبي والعجائبي إلى جانب الواقعي. وفي"ضرب بطيء على طبل صغير" ثمة قصص أسند فيها الريماوي السردَ لراوْ يتقنـّع بضمير المتكلم ، وسارد يشارك في الحكاية ، من ذلك قصص: المسيرة ، إقامة الدليل ، بطش الفراشة ، ذئب الأمثال . وقد مزج في قصة الحافلة مزجا طريفا بين الغرائبي والرمزي والشعري ، في أداء قصصيّْ يُعبًّر عن مضمون سياسيّْ لكنه مضمون لا يتبيّنه القارئ من غير تأويل ، فإذا شاء أن يقرأ القصة باعتبارها قصة غير سياسية ، فله ذلك ، إذ هي تحتوي حكاية ، أو لنقل كابوساً يستطيع القارئ أن يندمج في أجوائه ، ويتمتع به تمتعه بقراءة أيًّ حكاية أسطورية ، أو شعبية ، أو خرافية ، أو نادرة من نوادر الأدب الشعبي الساخر. ومع ذلك ، هي ، بلا ريب ، تخاطب فينا ما فوق النظر الذوقي المباشر. وترمز لقيادات تتصدّى لقيادة الناس ، وتوجيههم ، والأخذ بزمام الأمور ، دون رؤية فتكون كالقطة العمياء ، أو البطة العرجاء ، وهذا ما كان من أمر سائق الحافلة. وتفسير القصة على هذا النحو ، أو ذاك ، ليس بالأمر المهمّ ، لأنَّ قراءة القصة ككتابتها لا تقوم على توصيل ، أو استقبال معنى معيّن هو الذي يَقصًدُة الكاتبُ ، وإنما يستطيع القارئ أنْ يتلقى من النّص القصصيًّ ما فيه من رسائل ، واحتمالات عدة ، وَفقا لوعيه ، وقدرته على التواصل مع اللغة التي كتبت بها ، والأدوات الأخرى التوضيحية المستخدمة فيها استخدام الرسام للخطوط والألوان.

ومن المعايير التي تقاس بها جودة القصة أنْ تعلق بالذاكرة إلى أمد طويل ، ولعلَّ من بين الكتاب الذين نجحوا في تحقيق هذا المعيار في قصصهم القصيرة محمود الريماوي ، ولا سيما في المجموعة الموسومة بعنوان "القطار" ، فالقارئ لا بدّ يتذكر حكاية القطار وركابه ، وحكاية المعلم صاحب السيارة الذي نشأت بينه وبينها علاقة حميمة توشك أن تكون أقوى من العلاقة بين إنسان وإنسان. والرجل الذي يعيش اجتياح جنوب لبنان في أثناء تنظيف أسنانه بالفرشاة والمعجون ، وحكاية الرجل والمرأة اللذين باعدت بينهما الأيام عشرين عاما ، ثم التقيا صدفة عند إشارة ضوئية ، وتذاكرا ما كان بينهما في المدة القصيرة التي تستغرقها الإشارة الحمراء ، وكأنهما لم يفترقا إلا بالأمس. والسرّ الذي عرف الريماوي كيف يستخدمه بحنكة في قصصه تلك هو التقاط النموذج الإنساني الذي يلتصق بذاكرة القارئ . هذا من جانب ، ومن جانب آخر التقاط اللحظة الزمنية المناسبة التي تصلح أنْ تكون محوراً للقصة . وأخيرا ثمة مفارقات كثيرة في قصصه تضفي أحيانا عليها شيئا من السخرية ، والتهكم ، الذي يلذ للقارئ ، فيزيد من تعلقه بالقصة أو بشخوصها أو بالحدث .

والمفارقة ، مثلما أشار دارسون لبعض أعماله ، كثيرة في قصصه تلك. أعنى قصص مجموعة القطار. من ذلك على سبيل المثال قصة "الرياح الهوج" والحافلة. وما فتئ القاص يواصل نشر أعماله ، ففي"سحابة من عصافير" (دار الساقي ، بيروت ، )2006 نجده يقيم من الحوادث البسيطة المألوفة ، والمعتادة ، قصصا تبلغ أحيانا حد التلامس مع الغرائب ، والعجائب. وقصة سحابة من عصافير إحدى القصص التي يمتزج فيه المعقول باللامعقول. والخارق بالواقعي والممكن. علاوة على ذلك إضفاء الغرابة على الاعتيادي ، ليبدو مدهشا في غاية الطرافة. ومثال ذلك قصة الأشجار تمشي ، وقصة حبات السبحة ، وقصة نوبة حنين.وغيرها الكثير. ولا يفوتنا أن نذكر بأن القاص الريماوي من أوائل من كتبوا القصة القصيرة جداً التي حار النقاد والدارسون في أمرها ، وأمر الاسم الذي يطلق عليها ، وهل هي جنس أدبي مستقل ، أم فرع من فروع القصة. وقد ظهرت محاولاته الأولى على هذا المستوى في مجموعاته المبكرة ، ومنها "العري في صحراء ليلية" و"الجرح الشمالي". وظل هذا الفن يظهر من حين لآخر في مجموعاته ، فقصة (الكنز) هي إحدى النماذج الفائقة على هذا الصعيد ، وهي قصة ، على ما فيها من التكثيف ، زاخرة بالمعاني التي تتصل بصراع الإنسان بين الوهم والحقيقة ، أو الحلم والواقع ، ومناقشة قضايا ، ومسائل تتصل بالفقر ، والجوع ، وانسحاق الإنسان تحت وطأة العلاقات المصطنعة التي لا تنم عن تعاطف حقيقي ، والنظرة الزائفة التي على ضوئها يقوًّمُ الناس بعضهم بعضا ، فبطل الحكاية ، حين شاع أنه اكتشف كنزا ، تغيَّر تقويم الآخرين له ، فراحوا ينحنون كلما رأوه باحترام ، يستوي في ذلك من يعرفه ومن لا يعرفه ، وعندما تبين أن حكاية الكنز ليست حقيقية تلاشى ذلك التقدير ، واختفى ذلك الاحترام .

بقي أن أنوه في هذه الكلمة القصيرة لأكثر المعالم وضوحا في قصصه التي يعزى إليها نجاحه فيما أظن وأحسب ، وأعني بذلك اللغة ، فأكثر كتاب القصة لا يعنون بلغتهم ، وهي في أغلب الأحيان لغة ركيكة ، أو مفتعلة ، فيها الكثير من التصنع ، أو السوقية التي لا تنم عن أنّ من يكتب بها معبراً عن نفسه كاتبّ ذو ثقافة ، وبيانْ ، أدبيّْ سليم ، لكن محمود الريماوي يختلف عن هؤلاء اختلافا كبيرا. نستطيع أن نلمح في بناء الجملة لديه بناءً شعريا مما يحيلنا إلى شهادة له ذكر فيها أنه بدأ أولى محاولاته الأدبية شاعرا. لكن خياره استقر على النثر دون أن يتخلى عن شعرية العبارة. وليس يعْنى ذلك أن الكاتب يتصنع ، أو يضرب عن لغة الحياة معتمدا على الأداء الكلاسيكي ، بل هو قريب من اللغة السائدة في كتابات البارزين من كتاب الرواية أمثال عبد الرحمن منيف ونجيب محفوظ وحنا مينة ، والياس خوري ، ورشاد أبو شاور ، وبهاء طاهر ، وكتاب القصة أمثال: زكريا تامر ، وإدوار الخراط ، ومحمد خضير ، وآخرين كثر. ومن ينظر في قصصه الأخيرة يتبين له صدق ما نقول.

ہ ناقد وكاتب وأكاديمي أردني

Date : 11-07-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش