الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مدن أندلسية 2

تم نشره في السبت 12 آذار / مارس 2016. 07:00 صباحاً

أ.د. محمد عبده حتاملة

(أستاذ شرف)

قسم التاريخ/ كلية الآداب- الجامعة الأردنية

 عمّان- الأردن- 1437هـ/ 2016م



فتح المسلمون الأندلس وأسسوا فيها حضارة مزدهرة على مدى ثمانية قرون. وعلى الرغم من خروج المسلمين من الأندلس منذ زمن طويل، فإن آثار حضارتهم لا تزال ماثلة فيها إلى اليوم. ولم يكن فتح المسلمين للأندلس مجرد غزو لنشر الإسلام أو نيْل الغنائم، وإنما كان أيضاً انتقالاً للحضارة الإسلامية من بلاد المسلمين إلى شبه الجزيرة الآيبيرية ومن ثم إلى بقية أرجاء القارة الأوروبية.

لقد برع المسلمون في شتى ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتفوقوا في صنوف العلوم والمعارف. لذا فقد تمكنوا من إقامة دول وممالك قوية في الأندلس، فما لبثت مدن الأندلس أن أصبحت مراكز للإشعاع الحضاري وحواضر للعلم والأدب والفن؛ كل ذلك تحت راية الإسلام وفي ظل ما يتمتع به الفكر الإسلامي من عدالة وتسامح ومساواة، مما ساعد على أن يعمل الأندلسيون بجدّ واجتهاد واندفاع لبناء دولهم ومدنهم بالرغم من اختلاف ثقافاتهم وأعراقهم؛ فكان في الأندلس المسلمون من العرب والبربر، مثلما كان فيها النصارى واليهود، إلا أن ذلك لم يمنع من انصهارهم في بوتقة واحدة لتأسيس مجتمع متحضر كان وما زال مثالاً يجدر به أن يُحتذى.

لكن عندما فشل المسلمون وذهبت ريحهم لتنازعهم وتناحرهم وتكالبهم على السلطة والحكم، واستعانوا بالنصارى على بعضهم، دالت دولتهم وتساقطت مدنهم الواحدة تلو الأخرى، فكان مصيرهم القتل أو التشريد أو التنصير أو التنكيل. ولا عجب في ذلك؛ فهذه سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل: [ إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.

لقد تميزت المدن الأندلسية في عهد المسلمين بالتحضُّر والتقدم والتطور، وما زالت الآثار الخالدة الباقية فيها إلى يومنا هذا دليلاً دامغاً وبرهاناً ساطعاً على ما شهدته من حضارة مزدهرة. ويطيب لي أن أتحدث في هذه الشذرات عن عددٍ من المدن الأندلسية من حيث تاريخها وحضارتها ومعالمها. وما الحديث عن تلك المدن وغيرها من قبيل البكاء على الأطلال أو اجترار الماضي المجيد، وإنما يُقصد منه أخذ الدروس واستخلاص العبر في زمنٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى التكاتف والتلاحم والتجمع ونبذ جميع مظاهر الفرقة والتشتت والتشرذم. هذا بالإضافة إلى استحضار جانب من حضارة المسلمين في الأندلس التي أقاموها على أساس متين؛ ألا وهو الفكر الإسلامي العادل الحر الذي يساوي بين جميع أفراد المجتمع على اختلاف أعراقهم ومعتقداتهم وأفكارهم وتوجهاتهم، لعلّي أُسهم بذلك ولو بالقليل في تنقية الصورة المشوهة للإسلام لدى الغرب التي تصفه بالعنف والإرهاب. وعلى الله قصد السبيل.



قرطبة « Cordoba»



 بضم أوله، وسكون ثانيه، وضم الطاء المهملة أيضاً. وقرطبة بلسان القوط: (قرظبة) بالظاء المعجمة، ومعناها: القلوب المختلفة. ويذكر الزهري سبباً لتسميتها بهذا الاسم: « يقال: لما خطر عليها سليمان - عليه السلام - وجنوده وهي مروج يانعة وغدران ماء لامعة، قال: قرطبوها بالحجارة، سيكون لها زيّ عجيب وشأن عظيم. فسميت قرطبة».

    ولم يتفق المؤرخون على تفسير أصل كلمة (قرطبة)؛ فزعم بعضهم أن أصلها فينيقي، ويعني الذهب، فيكون مفهومها الموقع الذهبي. ومنهم من يرى أنها تعني المكان المرتفع قرب النهر، وهذا المعنى يلائم موقع المدينة.

تقع مدينة قرطبة على سفح جبل قرطبة المعروف عند مؤرخي العرب بجبل العروس، وهو من جبال سيرامورينا. ويتراوح ارتفاعها بين 100 متر و 123 متراً فوق سطح البحر.وتشرف قرطبة على نهر الوادي الكبير ممتدة على ضفته اليمنى، وتحتل سهلاً خصباً يعتبر من أكثر المناطق الزراعية إنتاجاً في الأندلس. ويمتد هذا السهل إلى جنوب المدينة، وتكثر فيه زراعة الزيتون، وعليه تقوم صناعة استخراج الزيوت والصابون. وهي طيبة الماء والهواء، كثيرة المياه.وتتصل أراضي قرطبة من الجهة الغربية بأراضي إشبيلية، وتمتد شمالاً نحو ستين ميلاً، ومن الشرق تختلط بأراضي جيّان.

وقرطبة مدينة قديمة كانت معروفة قبل الميلاد. وقد دخلت في سنة 206 ق.م في فلك الإمبراطورية الرومانية، وازدهرت في عهدها. ومنذ سنة 409م اجتاحها الآلان والوندال، ولكنهم اضطروا إلى النزوح عنها أمام ضغط القوط، وقد خربوها في أثناء نزوحهم إلى المغرب سنة 429م. وفي عهد الملك القوطي أخيلا (549- 555م) خضعت قرطبة للبيزنطيين، لذلك تركها القوط كعاصمة لهم، ونقلوا عاصمتهم إلى طليطلة. ثم استعاد القوط قرطبة سنة 568م، وجعلوها مركزاً أسقفياً. وبذلك فقدت كثيراً من أهميتها كقاعدة سياسية.

وكانت قرطبة أثناء استعداد المسلمين لفتح الأندلس عاصمة لحاكم قوطي يدعى لذريق. وهو الحاكم الذي أعلن نفسه ملكاً في ربيع سنة 710م بعد انقلابه على غيطشة الذي لعب أولاده دوراً كبيراً في التمهيد للفتح الإسلامي.

وقد تم فتح قرطبة على يد طارق بن زياد سنة 92هـ/ 711م؛ فبعد فتحه مدينة إستجة وجه مغيثاً الرومي – مولى الوليد بن عبد الملك – في سبعمئة فارس إلى قرطبة، وعندما وصل مغيث الضفة اليسرى من نهر الوادي الكبير مقابل المدينة كمنَ هناك في غيضة أرز كثيفة، فمر بهم راعٍ فأسروه وسألوه عن المدينة وأهلها والقائمين بالدفاع عنها. فذكر لهم أن كبراء المدينة رحلوا عنها إلى طليطلة، وتركوا فيها نحو أربعمئة لحمايتها إضافة إلى من بقي فيها من ضعفاء أهلها الذين كانوا يكرهون القوط عامة، ولذريق خاصة؛ لأن القوط اختصوا أنفسهم بالجزء الغربي من المدينة وتركوا جزءها الشرقي للأهلين كما كان الرومان يفعلون من قبل. ودلهم الراعي على ثغرة فوق باب القنطرة في سور المدينة. فلما أجنهم الليل، أقبل مغيث وفرسانه على نهر قرطبة، وكانت السماء تمطر، وقد ترك حرس السور الحراسة خوفاً من البرد والمطر، فدخل القوم حتى عبروا النهر، فراموا التعلق بالسور، فلم يجدوا متعلقاً، فرجعوا إلى الراعي فأقبلوا به فدلهم على الثغرة... وصعد رجل من المسلمين، ثم ارتقى الناس حتى كثروا على السور، وهجموا على الحراس. ثم اندفعوا إلى الباب ففتحوه، ودخل بقية إخوانهم، وكبّروا بأجمعهم تكبيرة واحدة. فلما سمع أهل المدينة تكبيرهم تدافعوا إلى باب إشبيلية الواقع في الجانب الغربي لمدينة قرطبة، حيث تبدأ الطريق المؤدية إلى إشبيلية غرباً، وهو الباب الذي يسمى أيضاً باب العطارين، وتدفقوا خارجين من هذا الباب، وفي مقدمتهم حاكمهم القوطي الذي فر بحامية المدينة إلى كنيسة حصينة كانت لهم إلى الغرب من المدينة، وتحصنوا فيها، وهي كنيسة القديس أثيسكلو التي يسميها صاحب أخبار مجموعة (شنت أجلح).

    وبعد أن ملك المسلمون المدينة، وغنموا جميع ما في داخلها، لحقوا القوط، وحصروهم داخل الكنيسة، بعد أن كتب مغيث الرومي إلى طارق بن زياد بأخبار الفتح.

واستمر حصار المسلمين للكنيسة نحو ثلاثة شهور استسلم بعدها المحصورون، وهرب قائدهم، لكن جواده كبا به، فأسره مغيث وسلمه لطارق. وقد نازعه فيه موسى بن نصير فيما بعد، ولما اشتد النزاع بينهما استل مغيث سيفه وقتله. وكان القائد الوحيد الذي أخذ أسيراً من كبار قواد القوط.

دخلت قرطبة عهد الإسلام، وما لبثت أن أصبحت قاعدة الأندلس، وأم مدنها، ودار الإمارة، ومستقر الخلافة فيها. فقد كانت ثاني مدينة يتم اختيارها عاصمة للديار الأندلسية، وكانت الأولى إشبيلية التي جعلها موسى بن نصير قاعدة لولاية ابنه عبد العزيز الذي استخلفه على الأندلس قبل أن يعود إلى دمشق في ذي الحجة سنة 95هـ/ 713م، وبقيت كذلك نحو ثلاث سنوات، فما إن قتل عبد العزيز بن موسى في رجب سنة 97هـ/ 715م حتى بدأ الوالي بعده أيوب بن حبيب اللخمي بنقل العاصمة إلى قرطبة. وقد أقر الوالي التالي الحر بن عبد الرحمن الثقفي (97- 100هـ/ 715- 718م) اختيارها عاصمة، وأصبحت مستقراً للولاة.

وسكنت في قرطبة وإقليمها منذ أوائل عهد الولاة أعداد كبيرة من العرب والبربر، وكان العرب من أصول شتى، وكان البربر ينافسونهم، لذلك كثرت الفتن الداخلية بين هذه الأطراف. وعلى الرغم من انشغال ولاة الأندلس بذلك، وبالتوسع في الفتوحات، فقد صرفوا عناية كبيرة لقرطبة، حرصاً منهم على تحويلها إلى مدينة إسلامية. وكان أول مظاهر ذلك إنشاء مسجد جامع في قلب المدينة. أما العمل الإنشائي الثاني الذي انصرف همهم إليه فكان ترميم قرطبة التي تهدمت بفعل مُدود نهر الوادي الكبير على مر الزمان. وقد انتهوا من ترميمها سنة 101هـ/ 719م.

    ولما استقر الفتح، وتدفق العرب والبربر على الأندلس، ضاقت قرطبة بأهلها منهم، ففرقهم واليها أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي ( 100- 102هـ/ 719- 721م) في البلاد. واستقرت أحوال قرطبة فترة من الزمن، إلا أن ذلك لم يستمر طويلاً؛ ففي سنة 127هـ/ 745م بدأت سلسلة من الفتن التي أثارها الطامعون بالولاية من قيسية ويمنية، واشتد الصراع بين الطرفين. وكاد يوسف بن عبد الرحمن الفهري (129- 138هـ/ 747- 755م) أن ينفرد بالسلطان في قرطبة، إلا أن الصميل بن حاتم ما لبث أن شاركه هذا السلطان الذي استمر محاطاً بالاضطرابات والفتن حتى دخول عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) الأندلس سنة 138هـ/ 755م.

    دخل عبد الرحمن الداخل – بعد أن دانت له الأندلس- قرطبة في العاشر من ذي الحجة سنة 139هـ/ 756م، وجعل منها عاصمة عصرية؛فقد فرض على مظاهر الحياة طابعاً جديداً حاول من خلاله تقليد البلاط الأموي الذي ألفه في دمشق، فأسس قصراً خارج المدينة للراحة والاستجمام سماه الرُّصافة، وذلك تخليداً لرصافة الشام التي بناها جده الخليفة هشام بن عبد الملك. وابتاع من النصارى ما تبقى من كنيسة القديس ليقيم على أطلالها مسجد قرطبة الفريد، وكان أول عمارة عربية بالأندلس. وأصبح هذا المسجد الجامع من أجلّ مصانع الدنيا كبر مساحة، وإحكام صناعة، وجمال هيئة. تهمم فيه الخلفاء من بني أمية فزادوا فيه زيادة حتى بلغ الغاية في الاتقان، واستولى على أمد الإحسان، فصار يحار فيه الطرف، ويعجز عن حسنه الوصف.

احتلت قرطبة مساحة واسعة، وكثرت أرباضها، وتعددت أبوابها، ومساجدها، وحماماتها، ومتنزهاتها. وبلغت في عهد الدولة الأموية أوج ازدهارها. وكان من أبرز مظاهر ذلك – بعد مسجدها الجامع- قنطرتها الشهيرة على نهر الوادي الكبير؛ إذ تعد من أعظم آثار الأندلس وأعجبها. وهي قنطرة لا نظير لها، عدد أقواسها تسع عشرة قوساً، بين القوس والقوس خمسون شبراً، ولها ستائر من كل جهة تستر القامة، وارتفاعها من موضع المشي إلى وجه الماء – في أيام جفوف الماء وقلته – ثلاثون ذراعاً، وتحت القنطرة يعترض الوادي برصيف مصنوع من الأحجار والعمد الجافية من الرخام، وعلى السد ثلاثة بيوت أرحاء، في كل بيت منها أربعة مطاحن.

وتألقت الحضارة الإسلامية في قرطبة، وتجاوزت شهرتها – في عهد الدولة الأموية- الآفاق، وكثر بها العلم والعلماء، واستقر بها النبلاء والفضلاء، وصارت دار الهجرة للعلم، ومكان رحلةٍ لأولي الفهم... مع ما خُصّ به أهل قرطبة من علو الهمة واجتماع الكلمة، وتآلفهم على الحقائق، واتباعهم لأحسن الطرائق. وكانت أوروبا في ذلك الحين ما تزال غارقة في أعماق الجهل والتخلف. لذلك سعت الدول الكبرى إلى مهادنة قرطبة، وقصدها السفراء والملوك تزلفاً لأمرائها وخلفائها.

وأثر الإشعاع الحضاري لقرطبة في كثير من مناحي الحياة، إن في الغرب النصراني أو في الشرق الإسلامي؛ فقد أثرت عمارتها، وخاصة عمارة مسجدها الجامع، في الفنون المعمارية للكنائس والكاتدرائيات في الغرب، كما أثرت في العمائر الإسلامية في شمالي إفريقية. وأصبحت قرطبة أيضاً المركز الرئيس لفن الغناء والموسيقى الذي صاحبه ازدهار أدبي واضح. وقد أحدث دخول زرياب الأندلس في عهد عبد الرحمن الأوسط ثورة شاملة في المجتمع القرطبي شملت الغناء والموسيقى والفنون الصناعية؛ إذ أسس مدرسة في قرطبة لتعليم الغناء ومعالجة الأصوات تبعاً لاختلاف طبائعها. وعرفت قرطبة من فنون الصناعة: التحف العاجية والمعدنية والبلورية والزجاجية والزخرفية، وفن النقش على الخشب، والحفر في الرخام، وصناعة المنسوجات. وأما العلم فكان لقرطبة باع طويل فيه، وقد وصل ذروته فيها في زمن الخليفة الأموي الحكم المستنصر، وقد جمع من الكتب ما لا يحد ولا يوصف كثرة ونفاسه، حتى قيل إنها أربعمئة ألف مجلد. وفي هذا الجو العلمي الملائم، برع كثير من العلماء في الكيمياء والرياضة والفلك والهندسة والطب. كما انتعشت العلوم اللغوية والدينية والتاريخية والجغرافية، والرياضيات والصيدلة وغيرها.

وممن اشتهر من أبناء قرطبة النابهين: أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي صاحب العقد الفريد، وكان شاعراً أدبياً، والشاعر أحمد بن درّاج القسطلي، وابن زيدون، وولادة بنت المستكفي التي كان لها منتدى أدبي. كما اشتهر من أبنائها: محمد بن عمر بن عبد العزيز المعروف بابن القوطية القرطبي، وكان عالماً بالنحو، وعثمان بن سعيد القرطبي الذي بلغ الغاية في القراءات، وابن النظام وأبو عبد الله البكري الجغرافيان المشهوران، وابن إياس القرطبي الطبيب، ومحمد بن رشد القرطبي الطبيب الفيلسوف، وغيرهم كثير.

إلا أن ازدهار قرطبة لم يدم، وعظمتها لم تطل؛ فقد عثر جدها، وخوى نجمها منذ تعرضها لنار الفتنة التي اشتعلت فيها على رأس سنة أربعمئة من الهجرة؛ إذ تهاوت الخلافة الأموية في الأندلس، وانتثر ملكها، وافترق الجماعات بالجهات، وصار ملكها في طوائف من الموالي والوزراء... وكبار العرب والبربر، واقتسموا خططها، وقام كل واحدٍ بأمر ناحية منها.

وكان رئيس الجماعة أيام الفتنة بقرطبة أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبد الله بن محمد بن المعمر بن يحيى بن أبي المغافر بن أبي عبيدة الكلبي، وقد استبد بقرطبة سنة 422هـ/ 1030م، واستولى على المملكة، ورتب أمورها. ثم انفرد بها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور سنة 435هـ/ 1043م، ثم ملك بعده ابنه عبد الملك، فأساء السيرة، وكرهه الناس، وحاصره ابن ذي النون بقرطبة، فاستغاث بابن عباد الذي تغلب عليها سنة 469هـ/ 1076م، وظل كذلك إلى أن دخل المرابطون الأندلس.

وفي عصر ملوك الطوائف، انكمشت رقعة قرطبة بتناقص عدد سكانها منذ أيام الفتنة، وخربت معظم ديارها ومنشآتها، وأصبحت قصورها أطلالاً دارسة يبكيها الشعراء.

ودخل المرابطون الأندلس أكثر من مرة، مغيثين أهلها ضد النصارى. ولما أدركوا أن سبب ضعفها هو تفرق أهلها وتعدد ملوكهم، خلعوا هؤلاء الملوك، ووحدوا الديار الأندلسية تحت قيادتهم، وأصبحت جزءاً من دولتهم في المغرب، وظلت قرطبة موالية لهم حتى سنة 515هـ/ 1121م عندما ثار أهلها على واليهم المرابطي فيها. فجاز علي بن يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، وحاصر قرطبة وأدب أهلها. لكن قبضة المرابطين ما لبثت أن تراخت عن الأندلس ومدنها، بما فيها قرطبة، بسبب انشغالهم بمحاربة الموحدين. وفي تلك الفترة، تعرضت قرطبة لتنافس المتنافسين، وصار بعضهم يستعدي النصارى ضد منافسيه. ومن هؤلاء ابن حمدين الذي استغاث بالنصارى ضد ابن غانية، فأغاثوه، وأرسلوا جيشاً لمعاونته في عهد ألفونسو السابع (السليطين)، وقد استباح هذا الجيش قرطبة في أواخر سنة 540هـ/ 1146م، وعاث في مسجدها الجامع. وبعد تغلب الموحدين على الدولة المرابطية، جازت جيوشهم إلى الأندلس، واقتربت من قرطبة وحاصرتها، فسلمها واليها المرابطي يحيى بن علي بن عائشة إليهم سنة 543هـ/ 1148م.

لقد ورث الموحدون دولة المرابطين في المغرب والأندلس، وفي عهدهم زحف طاغية قشتالة ألفونسو السابع على قرطبة، وتملكها. ولما بلغ الخبر الأمير الموحدي عبد المؤمن بن علي وجه حملة قوية لرد الجيش القشتالي وتخليص المدينة. فخاف ألفونسو وانسحب بجيشه قبل أن يصل الجيش الموحدي. إلا أن القشتاليين بيتوا الإصرار على دخول قرطبة، والاستيلاء عليها، وأخذوا يستعدون لذلك. ولما ضعفت الدولة الموحدية هاجمها فرناندو الثالث ملك قشتالة وليون في جمادى الآخرة سنة 632هـ/ 1234م، وتمكن القشتاليون من السيطرة على قسم من سورها، ودخلوا المدينة من جانبها الشرقي، لكنهم اصطدموا بمقاومة أهلها المسلمين الشديدة الذين استبسلوا في الدفاع عن مدينتهم، إلا أن الملك القشتالي ضيق الخناق عليها، فاضطرت للتسليم. وسقطت قرطبة في 23 شوال سنة 633هـ/ 1236م.



غرناطة « Granada »



مدينة، يلفظ اسمها بفتح أوله، وسكون ثانيه ثم نون، وبعد الألف طاء مهملة. ويُقال: أغرناطة، بهمزة مفتوحة في أولها. وأورد المقري وياقوت روايات تؤكد أن الأصوب: أغرناطة بالهمزة. ثم ذكر ياقوت أن العامة أسقطوا الهمزة، فأصبحت غرناطة، لكنه عاد وأورد قولاً للشيخين أبي الحجاج يوسف بن علي القضاعي وأبي عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد الحياني، يؤكد أن غرناطة بغير ألف. وغرناطة وأغرناطة لفظان كلاهما أعجمي. ويرى بعض الباحثين أن اسم غرناطة يرجع إلى عهد الرومان، وأنه مشتق من الكلمة الرومانية (اللاتينية) (Granata)، ومعناها (الرمانة)، سميت بذلك لجمالها، وكثرة الرمان في أراضيها، وأصبحت الرمانة شعار غرناطة التاريخي.

ويرجح بعض الباحثين أن الاسم غرناطة يرجع إلى عهد القوط، وأنه مزيج من كلمة (ناطة)، وهو اسم قرية قديمة كانت تقع على مقربة من إلبيرة، و(غار)، وهو المقطع الذي أضافه إليها المسلمون، فصارت غرناطة، أو أن البربر سموها كذلك عند نزولهم بها، باسم إحدى قبائلهم.

تقع غرناطة في وادٍ عميق يمتد من المنحدر الشمالي الغربي لجبال سيرانيفادا، ويحدها من الجنوب نهر شنيل، ويخترق أحد فروعه المدينة من الوسط، وإلى يمينه يقع ربض أو حي البيازين، كما يخترق فرع آخر له، وهو نهر حدّارة، أو هدارة، المدينة من الوسط. وغرناطة إلى الجنوب الشرقي من قرطبة، وبينهما ثلاثة وثلاثون فرسخاً أو خمسة أيام، أما البحر المتوسط فتبعد غرناطة عنه نحو سبعين كيلومتراً إلى الشمال. ويطل عليها جبل شلير، أو جبل الثلج، الذي لا يفارقه الثلج صيفاً وشتاءً. ويتراوح ارتفاع عرضه عن سطح البحر بين 650 و 750 متراً. وغرناطة لو خيرت في حسن الوضع لما زادت وصفاً، ولا أحكمت رصفاً... وهواؤها صاف، وللأنفاس مصاف... حجبت الجنوب عنها الجبال... وانفسحت للشمال، واستوفت الشروط على الكمال. فهي عروس مدن الأندلس، وغرة وجهها المنيرة، مكشوفة للهواء من جهة الشمال، مياهها تنصب إليها من ذوب الثلج دون مخالطة البساتين والفضلات.

وتشتمل مدينة غرناطة على خمسة جبال وسهل فسيح يشبه غوطة دمشق،تتخلله الجداول وتتزاحم فيه القرى والجنات. وهي دمشق بلاد الأندلس، ومسرح الأبصار، ومطمع الأنفس. وقد قيل فيها:

سرح لحاظك حيث شئت فإنه    في كل موقع لحظةٍ متأمل

وقال ابن مالك الرعيني في وصف ما يراه الناظر إلى سهلها من الحمراء:

ترى الأرض منها فضة فإذا اكتست  بشمس الضحى عادت سبيكتها ذهب

بل تفضل غرناطة دمشق الشام في أنها مشرفة على غوطتها، وهذه الغوطة يمتد فيها البصر مسيرة  يومين بين أنهار وأشجار، وميادين مخضرة. وقد قيل في وصف نهر شنيل الذي يروي أراضيها:

كأنما النهر صفحة كتبت         أسطرها والنسيم منشئها

لما أبانت عن حسن منظره     مالت عليه الغصون تقرؤها

ومن متنزهات غرناطة المشهورة: حور مؤمل، واللشتة، والزاوية، والمشايخ، ونجد الذي يعد من أشرف هذه المتنزهات، وفيه يقول أبو الحسن سهل بن مالك:

كل وجد سمعتم دون وجدي   لأصيل يفوت طرفي بنجد

حيث جررت ذيل كل مجون    بين حور تميس فيه ورند

وسواقٍ كأنهن سيوف     جردت في الرياض من كل غمد

ولغرناطة ثلاثة عشر باباً أضخمها باب إلبيرة، ويحيط بسورها – إضافة إلى الأرباض - مئات الحصون والقرى، ونحو مئةٍ وثلاثين رحىً تدار بالماء لطحن الحبوب.

ويرتبط تاريخ غرناطة ارتباطاً وثيقاً بموقعها الاستراتيجي من ناحية، وخصوبة أرضها وطيب مناخها من ناحية أخرى؛ فهاتان الميزتان كانتا تغريان الكثيرين من الغزاة القادمين بحراً باقتحامها. وفي الوقت نفسه، كانت سلسلة الجبال العالية التي تحيط بها تشكل سوراً طبيعياً، وحصناً منيعاً يحتمي به أهلها من الهجمات، ولكنها لم تكن تفلح دائماً في صد المهاجمين.

وربما كانت بعض قبائل الإيبرو هي أول من سكنت غرناطة، حيث اتخذت من الكهوف في سفوح الجبال مأوىً لها. ثم أسس الفينيقيون قرب غرناطة محطة تجارية أصبحت بمرور الزمن مدينة، هي مدينة المنكب. ثم وصلت بعض القبائل الجرمانية إلى شبه الجزيرة الآيبيرية، ووصل قسم منها إلى نواحي غرناطة، إلا أنهم لم يتمكنوا من اقتحامها بسبب وعورة المنطقة. ثم تشكلت فوق إحدى التلال القريبة من مدينة إلبيرة، التي جعلها الرومان عاصمة إقليمية، مجموعة سكنية في عهد القوط، وقد عرفت تلك المجموعة باسم غرناطة اليهود، وسكانها ساعدوا في دخول المسلمين إلى المدينة. فغرناطة لم تكنمدينة ذات شأن، وإنما كانت عبارة عن قرية صغيرة تابعة لإلبيرة، لكنها أصبحت فيما بعد قاعدة رئيسية من قواعد الأندلس، وعاصمة مملكة من ممالكها، حيث عُمرت بينما خربت إلبيرة.

افتتح طارق بن زياد غرناطة سنة 92هـ/ 710م؛ فبعد انتصاره على القوط في معركة وادي لكة، فرق جيوشه من إستجة، فوجه جيشاً لفتح قرطبة، وآخر إلى مالقة، وثالثاً إلى غرناطة، ثم لحق طارق نفسه بهذا الجيش الثالث، وحاصر غرناطة وفتحها عنوة. وضم اليهود الذين كانوا هناك إلى قصبة المدينة، ثم أصبح ضمّ اليهود إلى قصبات المدن المفتوحة سنة متبعة؛ فكلما وجد المسلمون يهوداً في مدينة فتحوها ضموهم إلى قصبتها ليساعدوا حاميتها الإسلامية في الدفاع عنها.

ويورد ابن الخطيب رواية أخرى لفتح غرناطة تذكر أنه تأخر إلى دخول موسى بن نصير الأندلس سنة 93هـ/ 711م، حيث أرسل ابنه عبد الأعلى في جيش إلى تدمير ففتحها، ثم فتح غرناطة. إلا أن معظم المصادر التاريخية تؤكد فتحها على يد طارق بن زياد.

    وسكن غرناطة – بعد استقرار الفتح- جند دمشق؛ فعندما ولي أبو الخطار الحسام بن ضرار الكلبي الأندلسي (125- 128هـ/ 743- 746م) وزع العرب الشاميين على كورها على منازل تشبه منازلهم التي كانت في كُوَر الشام؛ فأنزل جند دمشق كورة إلبيرة بما فيها غرناطة لشبه تلك الكورة بدمشق. وممن نزل في غرناطة بنو الأحمر الذين ينتسبون إلى قيس بن سعد بن عبادة صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وظلت غرناطة مدينة صغيرة تحيط بها أسوار، وجلّ سكانها من اليهود. وكان العرب فيها أقلية، إلا أن عددهم ازداد في عهد بني أمية في الأندلس مع تدفق الشاميين عليها. وقد انحاز العرب إلى غرناطة في عهد الأمير الأموي عبد الله بن محمد الأول (275- 300هـ/ 888- 912م)، وقام بملكهم سوار بن أحمد المحاربي، فقتله أهل إلبيرة، فقام بهم بعده سعيد بن سليمان بن جودي السعدي، فقتله بعض أصحابه غيلة سنة 284هـ/ 892م، ثم ثار بها بعده محمد بن أضحى الهمداني.

وكانت تشرف على مدينة غرناطة الصغيرة قصبة عُرفت بالحمراء للون جدرانها، وذلك منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي.

وكان أول من مدّن غرناطة هو زاوي بن زيري بن مناد الصنهاجي البربري؛ فقد استولى عليها سنة 403هـ/ 1012م، وحماها... وأقام بها ملكاً، وأثل بها سلطاناً لذويه، وثار فيها ضد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر (المرتضي) ومؤيديه مجاهد العامري ومنذر بن يحيى التجيبي، وهزمهم في معركة بغرناطة قتل فيها المرتضي، وذلك سنة 410هـ/ 1019م. وبعد أن ملك غرناطة سبع سنوات، اضطر للعودة إلى أفريقية بعد أن استخلف على غرناطة ابنه، لكن أهل غرناطة بعثوا إلى ابن أخيه حبوس بن ماكسن بن زيري من بعض الحصون، فوصل وملك غرناطة، وحصن أسوارها، وبنى قصبتها. وأخذ الناس ينتقلون إليها من إلبيرة، فعمرت بينما أخذت إلبيرة تتلاشى.

وتوفي حبوس بن ماكسن سنة 429هـ/ 1037م فملكها بعده ابنه باديس. وقد زاد باديس في عمارة غرناطة، وشيد حولها جدراناً قوية حصنها بالأبراج، واستعمل في أبوابها المداخل متعددة المنعرجات، وشيد ذلك كله بملاط من وادٍ شديدة الصلابة. كما بنى قصراً ضخماً يطل على سهل غرناطة.

وكانت بين باديس وبين بني عباد – ملوك إشبيلية- حروب، كما ثارت في عهده فتن واضطرابات قام ببعضها من ائتمنهم على أسراره من اليهود، حتى إن بعضهم دس له السم فمات سنة 467هـ/ 1074م.

وولي غرناطة بعد باديس بن حبوس حفيده عبد الله بن بلقين (المظفر). وقد استمر في تملكه لها حتى سنة 483هـ/ 1090م حين خلعه المرابطون، وحملوه وأخاه تميماً صاحب مالقة إلى المغرب.

ففي أوائل سنة 483هـ/ 1090م، دخل الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين الأندلس للمرة الثالثة، وكان عبد الله بن بلقين وغيره من ملوك الطوائف،مثل: المعتمد بن عباد، والمتوكل بن الأفطس يعقدون التحالفات مع ألفونسو السادس، ملك قشتالة، ليعينهم على رد المرابطين، والحيلولة دون سيطرتهم على الأندلس، وانتزاع ممالكهم من أيديهم. وقد انعقدت نية ابن تاشفين فعلاً على توحيد الأندلس تحت رايته، فتوجه إلى سهل غرناطة، وفرض على المدينة الحصار، كما نشر قواته فسيطرت على حصونها حتى لا يأتيها المدد من النصارى حلفاء ابن بلقين. ولما لم يجد ابن بلقين أي سبيل إلى الاحتفاظ بمملكته، وأدرك عدم جدوى المقاومة، سلم غرناطة للمرابطين، وذلك في رجب سنة 483 هـ/ أيلول سنة 1090م.

وظلت غرناطة في يد المرابطين إلى أن ضعفوا، وانقرض أمرهم في الأندلس سنة 540هـ/ 1145م. وإبان الفترة المضطربة التي أعقبت ضعف المرابطين، استولى على غرناطة محمد بن أحمد بن سعيد بن مردنيش وقائده إبراهيم بن همشك، ثم استخلص الموحدون بقيادة عبد المؤمن بن علي (524- 558هـ/ 1129- 1162م) غرناطة سنة 557هـ/ 1161م.

وواجهت غرناطة في عهد الموحدين كثيراً من المتاعب بسبب الحروب المستمرة مع ملوك النصارى، وخاصة مع ألفونسو السابع ملك قشتالة، كما وقعت فيها اضطرابات حركها اليهود في عهد واليها الموحدي أبي سعيد عثمان. ثم اشتد ضغط النصارى على مسلمي الأندلس بشكل عام.



 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش