الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ذاكرة الشعر : محاكاة أم تناص أم كتابة على كتابة؟

تم نشره في الجمعة 18 تموز / يوليو 2008. 03:00 مـساءً
ذاكرة الشعر : محاكاة أم تناص أم كتابة على كتابة؟ سامي مهدي

 

 
ولد الشاعر الكبير سعدي يوسف عام 1934 فظهر بين جيلين من الشعراء العراقيين ، جيل سبقه ببضع سنوات ، هو جيل بدر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وبلند الحيدري ، وجيل أعقبه ببضع سنوات هو ما يعرف في العراق باسم : جيل الستينات . وقد رافق ظهوره شعراء آخرون ظهروا معه ، ولكنه تقدم عليهم بفضل وعيه وقوة موهبته وتطوره الثقافي والفني . وكان عليه منذ البداية أن يشق طريقه الخاص ويثبت جدارته واستقلاله فيه بين هذين الجيلين ، فعني بتعميق ثقافته وتوسيع آفاقها ، والسهر على شعره وتطوير أدواته ، لا ليرتقي إلى قمة من سبقه فحسب ، بل ليواكب تحولات القصيدة العربية الحديثة وتكون له إسهاماته في هذه التحولات . وقد بدا هذا واضحاً على شعره في أواسط ستينيات القرن العشرين ، إبان حقبة إقامته في الجزائر ، وتواكب مع ظهور جيل الستينات في العراق ودعوة هذا الجيل إلى تطوير تجربة الجيل السابق ، جيل السياب والبياتي ، وتجاوزها .

كانت قصيدة سعدي في حينها قد تخلصت تواً من تأثيرات البياتي التي ظهرت إلى جانب تأثيرات لوركا في ديوانيه : 51 قصيدة ، والنجم والرماد . وبرغم أن تأثيرات لوركا استمرت حتى ديوانه » الأخضر بن يوسف ومشاغله « الصادر عام 1972 ، فقد بدأ يتطلع منذ أواسط الستينيات ، إلى آفاق أرحب ، ويسعى إلى تحديث قصيدته وإغنائها بعناصر جديدة يستمدها من قراءاته في الشعر العالمي الحديث ، ولاسيما شعر الأجيال التي ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية . وهكذا دخل شعره في مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها مرحلة » تجريبية « . بل هي تجريبية حقاً . فقد بدأ يتحرر من النمط الذي رست عليه قصيدته في ذلك الحين ، وأخذ ينوّع في موضوعاته ، وفي أشكال قصائده وإيقاعاتها ، وأعطى لنفسه حرية واسعة في ممارسة محاولاته التجريبية ، وانطلق يكتب بجرأة الشاعر الواثق من نفسه ، والمطمئن إلى خطواته ، والواعي بصنيعه وصنيع غيره من الشعراء . وبالروح نفسها واصل مسيرته الشعرية الطويلة ، فالحرية الواسعة ، والتجريب المحسوب ، بقي من أبرز سمات شعره حتى اليوم .

ولست هنا في مجال تتبع تحولات شعره وإطلاق أحكام قيمية عليها ، بل أريد الحديث عن إحدى محاولاته التجريبية التي تكشف عن مدى جرأته وثقته بنفسه في ممارسة حريته في الكتابة . والمحاولة التي أعنيها هي : كتابة قصيدة له على قصيدة لغيره ، وأعني بذلك أن يتمثل قصيدة يعجب بها لشاعر أجنبي ويعيد إنتاجها بطريقته الخاصة .

كان النقد العربي القديم يعد مثل هذه المحاولة من » السرقات الشعرية « . ويقول القاضي الجرجاني في هذه السرقات إنها » داء قديم ، وعيب عتيق ، وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ، ويستمد من قريحته ، ويعتمد على معناه ولفظه « . وظل هذا المفهوم سائداً حتى وقت قريب ، ثم جاء النقد الحديث ، لاسيما البنيوي منه ، فعد مثل هذه المحاولة ضرباً من ضروب » التناص « ، وأنا أفضل اليوم أن أسميها : كتابة على كتابة . ولنرَ الآن أي وصف يمكن أن ينطبق عليها .

لقد قام سعدي بهذه المحاولة مرتين ، في الأقل ، مرة حين كتب قصيدته » الشخص الثاني « عام 1964 ، ومرة حين كتب قصيدته » الأوراق « عام 1976 . فالأولى كتبت في حضور قصيدة للشاعر الإنكليزي لورنس داريل صاحب رواية رباعية الإسكندرية المشهورة ، والثانية كتبت في حضور قصيدة للشاعر الأمريكي وليام كارلوس وليامز . أما قصيدة داريل فعنوانها : أنا هو آخر Je est un autre أو : الأنا هي آخر ، كما في ترجمة أخرى . وهذا العنوان عبارة للشاعر الفرنسي آرتور رامبو جاءت في رسالته إلى أستاذه جورج إيزمبار . وقد نشرت قصيدة داريل هذه ، مع مختارات له ولشاعرين إنكليزيين آخرين ، في الكتاب الأول من سلسلة Penguin Modern Poets الصادر عام 1963 . وأما قصيدة وليامز فعنوانها : النهاية The Termوهي منشورة في الكتاب التاسع من السلسلة نفسها الصادر عام 1967 .

قصيدة داريل تفترض أن هناك آخر من نفسه ( شخصاً ثانياً ) يتجسس عليه ، ويتبعه حيثما يذهب ليسجل حركاته وسكناته ، وهو يسخر منه في دخيلته ، ثم يسمعه أخيراً ضحكته العالية من غرفة أخرى إمعاناً في السخرية . أما قصيدة سعدي » الشخص الثاني « فتقوم على الفكرة نفسها ، وقد نشرها أول مرة في مجلة الآداب اللبنانية ( في نيسان 1965 ) قبل أن ينشرها في ديوانه » قصائد مرئية « ، وأهداها في المجلة والديوان إلى لورنس داريل نفسه ، ثم حذف هذا الإهداء في طبعات لاحقة من الديوان . ولكن الشبه بين القصيدتين لا يقتصر على الفكرة وحدها ، بل يشمل بعض التفاصيل . وسأكتفي هنا بذكر المقطعين الأول والثاني من قصيدة داريل ، والمقطع الأول من قصيدة سعدي لنلاحظ أوجه التشابه . يقول داريل :

إنه الرجل الذي يدون ملاحظاته ـ المشاهد ذو القبعة الطويلة السوداء ـ يخفي وجهه تحت حافتها ـ راقبني في ثلاث مدن أوربية ـ وأنا كنت أراقبه بدوري .

في زاوية الشارع في بودا ، وبعدها ـ قرب محطة البريد لمحة ـ من ذيل معطفه الطويل الذي يختفي ـ أعطت الانطباع نفسه .. عن المتجسس عليه ـ عن ضيق الحنجرة .

ويقول سعدي في المقطع الأول من قصيدته :

في المطعم الشتوي ، أصغيت إلى سعلته الأولى

راقبته يمسح بالمنديل كفيه

ويكتم الضحكة في إغماض عينيه

راقبته ، يلحظني للمرة الأولى

يسخر مني .. دون أن يسمعني حرفا

أو يوقظ الصمت الذي أغفى

كان زجاج المطعم الشتوي مبلولا

وفجأة .. غادره بالمعطف الباهت ملتفا .

على أن التشابه بين القصيدتين لا يقتصر على ما تقدم ، بل يسري إلى بقية قصيدة سعدي ، مع الانحرافات التي لا بد منها عن قصيدة داريل . ولعل من الأمانة أن نذكر أن الشاعر سركون بولص أول من انتبه إلى هذا الاشتباك بين القصيدتين ، وكتب عنه في عدد مجلة الآداب الصادر في أيار 1965 . وقال سركون : إن قصيدة سعدي هذه » مقتبسة « من قصيدة داريل ، بل هي » منقولة « عنها ، وشرح رأيه بشيء من الإسهاب . ولكن لا بد لنا من أن نتذكر أن سعدي قد أهدى قصيدته لداريل علناً ، ولهذا مغزاه ، فلعله أراد أن يبلغنا بطريقته الخاصة أن هذه القصيدة هي إعادة إنتاج لقصيدة الشاعر الإنكليزي .

هذا في المرة الأولى ، أما في المرة الثانية فقد أعاد سعدي إنتاج قصيدة وليامز ، ولكن من دون إهداء . وهذه هي القصيدة :

صحيفةّ مغضّنةّ ـ من ورقْ أسمرَ ـ تقريباً بطولً ـ وبظاهرً حجمً ـ رجلْ كانتْ ـ تدور مع الـ ـ ريحً ببطءْ مرةً ـ بعد أخرى في ـ الشارعً عندما ـ دهستها سيارةّ ـ ومرت عليها ـ وسوَّتها بـ ـ الأرض . وليس ـ كرجلْ نهضتْ ـ ثانيةً وراحتْ تدورُ ـ مع الريحً مرةً ـ بعد أخرى لتعودَ ـ كما كانت من قبل .

هذه ترجمة تكاد تكون حرفية لقصيدة وليامز . أما قصيدة سعدي فعنوانها » الأوراق « كما ذكرنا ، وقد نشرت في ديوانه » الساعة الأخيرة « الصادر عام 1977 ، ولا أدري ما إذا كان قد نشرها قبل ذلك أم لم ينشرها . وهذا هو نصها :

الورقه

في السطح ، تمر بها الريحُ

الورقه

في السطح الصيفي تلوذ بظل الحائط ..

والورقه

كيس التغليف المفتوحُ .

أتحفظ إسم الورقه

وهي على السطح تمر بها الريحُ ؟

أتبقى ورقه

بين الحائط والظل وصمت الورقه ؟



طفل خارج أسوار البيتً

وحيطان السطحً

تطارد عيناه الورقه

إذ تهبط نحو تراب الدربً

فتلتصق الورقه

بالأرضً ..

وتنطبق الورقه

كالزهرة ، أو كالحدقه .



الطفل الآتي بالقصبه

والخيطً

سيصنع من هذي الورقه

طائرةً ..

أعلى من أسوار البيت

ومن سطح الصيف

وأطول من ظل الحائط

يطلقها أبعد من نظرته القلقه .

إذا صرفنا النظر عن منهج كلا الشاعرين في كتابة شعره ، فإن العلاقة بين قصيدتيهما واضحة في ما أظن . فورقة سعدي في هذه القصيدة هي ورقة وليامز السمراء التي دارت بها الريح على أرض الشارع حتى دهستها سيارة وسوتها بالأرض ، ثم نهضت ثانية بعد مرور السيارة لتعود إلى سيرتها الأولى . ولكن سعدي اختار لقصيدته نهاية غنائية ، وقرر للورقة مصيراً آخر هو أن تهبط من السطح إلى الأرض وتلتصق بها كما التصقت في قصيدة وليامز ، على أن يأتي طفل يصنع منها طائرة يطلقها لتطير وتواصل تسيارها مع الريح .

والآن ماذا يمكن أن نسمي هذه المحاولة ؟ أهي سرقة ، أم محاكاة ، أم نقل ، أم توارد أفكار ، أم تناص ، أم ماذا ؟

بقدر ما يتعلق الأمر بمحاولة سعدي يوسف هذه ، فإنني أفضل أن أسميها : نصاً على نص ، أو كتابة على كتابة ، أي كتابة قصيدة في ضوء قصيدة أخرى ، وهي ، في ظني ، محاولة تجريبية بريئة للشاعر جاءت في سياق محاولات تجريبية أخرى أراد بها الخروج من النمط الذي رست عليه قصيدته في ديوانيه : 51 قصيدة ، والنجم والرماد . فقد أعجب كما يبدو بفكرتي قصيدتي داريل ووليامز ، وأراد أن يعيد كتابتهما بطريقته الخاصة . ولكن محاولته هذه لم تنجح في رأيي ، لأن الفكرتين كانتا وافدتين عليه من خارجه ، وليستا نابعتين من تجربته الخاصة في الحياة . ولذا تعثر في تنفيذهما بين رغبته في إعادة كتابتهما وضرورة الانحراف عنهما ببعض التفاصيل تجنباً لإثارة الشبهات ، فكان أن غلب التكلف والصنعة على قصيدتيه ، حتى بدتا وكأنهما تمرينان قسريان على الكتابة لم ينته صاحبهما منهما إلا بعد مكابدة وعناء .

ولعل من المناسب أن أذكر هنا أن الشاعر عبد الوهاب البياتي قام بمثل هذه المحاولة مرتين هو الآخر ، وذلك في قصيدتيه : موت الفلاح محمود ، وربيعنا لن يموت . أما الأولى فأخذها عن قصيدة للشاعر التركي ناظم حكمت عنوانها » قصة شجرة الجوز ويونس الأعرج « ، وأما الثانية فأخذها من قصيدة لشاعر لبناني مغمور يدعى غنطوس الرامي وعنوانها » عشتروت « كانت قد نشرت في عدد مبكر من أعداد مجلة الأديب اللبنانية . وقد نشر البياتي قصيدته الأولى في مجلة الآداب ( تشرين الأول 1953 ) ولم يعد نشرها في أي ديوان من دواوينه ، ونشر الثانية في ديوانه الثالث » المجد للأطفال والزيتون « ولم تضف إلى شعره شيئاً .

ويبقى لنا أن نسأل : ما مدى مشروعية مثل هذه المحاولات اليوم ؟

هناك وجهات نظر متباينة في هذه المسألة ، مبنية على تقديرات ومفاهيم وتسويغات مختلفة . فثمة من يعدها محاولات مقبولة ، ويضعها في مرتبة » التناص « المشروع ، كما فعل الشاعر حكمت الحاج قبل أعوام حين أخذ ما أخذ من ديوان للشاعر المصري أحمد مرسي تحت غطاء التناص ، فكان أن نشب بينهما جدل حاد على صفحات جريدة القدس العربي . وثمة من يسوغ لنفسه ، ولغيره ، ما يسميه » الاختطاف « من الشعراء الآخرين ويعده أمراً مشروعاً لا غبار عليه . وسوغ آخرون ما سموه بـ » السرقة الخلاقة « في الشعر وهي تشبه » السرقة الممدوحة « عند الجرجاني . ولكن هناك من يعد هذه المحاولات وأشباهها غير مشروعة ، ويرى أنها تنتقص من مكانة الشاعر وقدراته الإبداعية ، مع تفاوت في تقدير درجة اللامشروعية والانتقاص يبدأ من التأثر الفج وينتهي بتهمة السرقة وما في حكمها . ومن ذلك ما كتبه الشاعر كاظم جهاد عن » الانتحال « في شعر أدونيس . ولست أريد أن أضيف هنا وجهة نظر أخرى ، ولكنني أكتفي بالقول : إن هذه المحاولات تفتقر إلى الأصالة من دون ريب ، وهي قلما تعطي نتيجة مرضية ، سواء أكانت بريئة أم غير بريئة ، مشروعة أم غير مشروعة . وليت الشعراء ، وخاصة شعراء اليوم ، يبحثون عن طرق أخرى للإبداع غير هذه الطريقة.

ہ شاعر وناقد عراقي

Date : 18-07-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش