الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

طفــــــلة برائحة الحليب

تم نشره في الجمعة 25 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 مـساءً
طفــــــلة برائحة الحليب فــاروق وادي

 

 
عند المتحف ، وتحت شُعاع شمسْ سخيّة ترشق الأرض بسهامْ من نار ، أوقف المسلحون المرأة الحامل التي ينوء كتفها بحقيبة سفرْ صغيرة. صلبوها بعض الوقت عند حاجز الرّمل الذي أقاموه على أوّل الشارع المُفضي إلى البربير. بعد وقتْ متثاقلْ ، يفتح شدقيه ويتثاءب ببلادة ، وقت عانت فيه المرأة وجنينها كثيراً من شدّة الحرارة ، سألوها عن هويتها ، فقدّمت جواز سفرها.

سألها مسلّح يستريح رشاشه على كتفه ، وكان يتفرّسها بعينين مرتابتين: ـ مصريّة؟، هزّت رأسها إيجاباً. حينئذْ ، طرح عليها السؤال الذي كانت تتوقّعه: ـ إلى أين أنتً ذاهبة في هذه الحرب؟، قالت إنها متوجًّهة إلى منطقة الحمراء للبحث عن زوجها الذي انقطعت أخباره عنها منذ بداية الإجتياح. جاءت من الإسكندريّة إلى دمشق ، أضافت ، ومنها إلى بيروت عبر طرابلس ، خصيصاً للبحث عنه ، بعد أن انشغل بالها طويلاً عليه. قالت لهم بلهجتها المصريّة التي تخالطها مُفردات لبنانيّة غير مُتقنة ، إنه يعدّ للماجستير في الجامعة الأميركيّة ، دراسات سيكولوجيّة. هكذا قالت ، ودمعت عيناها قبل أن تجهش في البكاء.

تهامس المسلحون أحدهم مع الآخر. تمتموا طويلاً وهم يوزًّعون نظراتهم بينها وبين صورتها على جواز السّفر. ثمّ أشار إليها المُسلّح الممسك بالجواز وهو يعيده إليها: ـ إذهبي. ستجدين أمامك حاجزاً إسرائيلياً. قد يسمح لك بالمرور إلى الغربيّة وقد لا يسمح. كانت المرأة الحامل تتحسّس بطنها وهي تقطع المسافة بين المتحف ومستشفى البربير ، في طريق بدت لها موحشة ، بين الركام والدّمار وبقايا الحرائق والمسلحين وجنود الأعداء. وكانت تعرف أنها تكذب. كانت سعيدة لأن كذبتها انطلت عليهم ، رغم أن الحقيبة بدت أكثر ثقلاً عمّا كانت عليه من قبل. كذلك بطنها الذي ازداد انتفاخاً.. بين المتحف والبربير، عند الحاجز التالي أوقفها الجنود. كان حاجزاً حديدياً مُلفقاً ، صنعته دبابة معطوبة ترتسم النجمة على جانبيها باللون الأزرق ، تقف باطمئنانْ على بُعد مائتيّ متر من الحاجز الأوّل.

سألها الجندي الذي تأمّل جواز سفرها طويلاً ، بلغة عربيّة مُضعضعة تقلب الحاء خاءً وتُذكًّر المؤنّث وتجعل المضارع أمراً ، إلى أين هي ذاهبة؟، قالت له بصوتْ يشعّ ثقة إنها جاءت تبحث عن زوجها الذي يعدّ للماجستير في الجامعة الأميركيّة. دراسات سيكولوجيّة. وانقطعت أخباره عنها قبل شهرين ونصف.. منذ بداية الحرب.

واصل الجنديّ المُمسك بجواز السّفر أسئلته مستفسراً عن جنسيّة زوجها الذي يعدّ للماجستير في الجامعة الأميركية. قالت له إنه مصريّ أيضاً. وكانت تكذب للمرّة الثانية. إنطلت الكذبة على الآخر ، فأعاد إليها جواز السّفر ، وواصلت سيرها حتّى اقتربت من مستشفى البربير.

ھھھ على الحاجز الثالث ، سأل أحد الشبان المستنفرين هناك المرأة الحامل التي تنوء بثقل حقيبة صغيرة وبطنْ يتثاقل ، وكانوا يهيئون أسلحتهم التي تُوجًّه فوهاتها نحو المتحف ، عن هدفها. فكانت تعرف أنها لم تعد بحاجة ، بعد الآن ، إلى مزيدْ من الكذب. قالت لهم: ـ إنني ذاهبة إلى بيتي في الفاكهاني. جئتُ للبحث عن زوجي المُقاتل. أرسلني قبل شهرين إلى أهله في مخيم زيزيا جنوب عمّان.. وذهب هو للقتال في الجنوب. منذ ذلك الوقت انقطعت أخباره.

حدّق أحدهم في بطنها ، فبدا لها أكثر انتفاخاً عن ذي قبل. سألها إن كانت بحاجة إلى مساعدة ، فنفت شاكرة. قالت له إنها تعرف طريقها جيًّداً ، ولم يعد البيت بعيداً. مع ذلك ، أشار المقاتل إلى سيّارة جيب فيها مجموعة من رفاقه. طلب منهم أن يأخذوها إلى بيتها في الفاكهاني.

حملتها السيّارة المُسرعة إلى بيتها الذي هناك. كان الشبّان يحتسون البيرة ، فشعرت بجفاف حلقها وبعطشْ يداهمها في تلك الظهيرة العالية. هبطتْ عند مدخل البناية التي أصابتها شظايا القصف. شكرت المقاتلين الذين يحتسون البيرة ، ثمّ صعدت سلّماً يكتسحه الظلام الدامس ، رغم شمس الظهيرة. أخرجت مفتاحها على ضوء ثقاب. وعندما فتحت الباب الذي عششت في زواياه العناكب ، إكتسحتها قسوة الغياب.

مضت أيّام ، سألت عنه في كلّ مكان يمكن أن يوجد فيه..

كان يقال لها أنه لم يعد من الجنوب. ومثل كلّ المقاتلين ، قد يعود أو لا يعود. ليس أمامك سوى الدُّعاء. كانت السُّفن مهيّأة للرحيل. ولم يكن أحدّ يُعنى بها. رحلوا حاملين أسلحتهم.

وقفت على الرصيف تتفرّس وجوه المقاتلين الذين يعتلون ظهور الشّاحنات ، يلوًّحون بأيديهم التي تهطل عليها أوراق الورد وحفنات الأرز ، علّها تتعثّر بوجهه. عادت مُحبطة وحزينة. ظلّت لأيّام وحيدة ، في البيت والمدينة ، تنتظر وقع خطواته قادماً من الجنوب ، ودقّات قبضته المشتهاة تطرق الباب.

عندما جاءها المخاض ، في بيتْ يكتسحه الغياب ، وجدت نفسها تصرخ دون أن يشعر بها أحد. يتعالى صوتها ولا من مجيب. انزلقت الطفلة من رحمها دون مساعدة من أحد.

اللصوص الذين دخلوا البيت بعد ذلك ، جالوا بأبصارهم في أرجاء البيت ، فراعهم المشهد. رأوا طفلة عارية تغرق في دمها وشحوبها الأزرق وماء الرحم. تستلقي على صدرْ متراخْ لامرأة تذرف دماً جامحاً يُسربل نصفها السُّفليّ ويُغرق السرير. كانت المرأة قد نزفت حتّى الموت ، بعد أن ألقمت وليدتها حلمة شحيحة ذاوية ، فيما الطفلة ما زالت تُحاول استدرار حليبْ بدا مستحيلاً أو شبه مستحيل.

أمسكها أحد اللصوص بعد أن لفها في ملاءة نظيفة. قال وهو يحتويها بذراعين متشبًّثتين: ـ إنها ابنتي. سأجعلها منذ الآن واحدة من أبنائي.

ثمّ أضاف: ـ بعد أن تكبر ، سأروي لها القصّة. سأعترف لهاً بأن هدفي من دخول هذا البيت ، لم يكن إلاّ بدافع السّرقة، عندما احتضنها اشتمّ في جسدها رائحة حليب دافيء. تلك الرائحة لم تُغادر الطفلة منذ ذلك اليوم وحتّى آخر يومْ من عُمرها. لم تكن الطفلة بحاجة إلى الرضاعة لتنمو وتكبر. وقد ظلّت ، كلما شعرت بالجوع ، تكتفي بمصّ أصبعيها السّبابة والوسطى ، اللذين يُفرزان سائلاً نقياً شديد البياض كلما لمستهما بأطراف لسانها. وقد كانت تُلقم أطفال الحارة ، البكائين والجوعى ، إصبعيها ، فتُسكت بكاءهم وجوعهم. وظلّت تحافظ على ذلك ، حتّى بعد أن كبرت وغدت صبيّة لا تلتفت إلى النظرات الشهوانيّة الطائشة لشبّان المُخيّم. بعد نحو عشرين سنة ، أو أقلّ قليلاً ، حال موت الرجل الذي لم يتوقف عن سرد القصّة وممارسة السّرقة وبيع الحليب الفائض لإطعام الأفواه التي تكاثرت في البيت ، دون أن يسمع الخبر الذي تمنّى طويلاً سماعه: فتاة في عُمر الورد ، دون العشرين ، فجّرت نفسها في دوريّة إسرائيليّة كانت تسير على طريق ريفيّة ظنّتها آمنةً ، هناك.. في الجنوب. أمّا صورة الفتاة على الملصق ، بخلفيتة البيضاء الناصعة ، فقد امتلأت بها جدران صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة ، وغطى بها أخوتها ، من أبيها الذي جاء بها ذات يومْ من أواخر أيام الحصار ، مدخل عمارة في الفاكهاني ، لها درجات تستوطنها العتمة في عزّ الظهيرة. كانت الفاكهاني ، في ذلك اليوم الربيعيّ البعيد ، تضجّ بالصورة نفسها ، وتتسلل إليها رائحة غريبة.. وعند المساء ، قبل زوال شمس النهار ، في ذلك اليوم الربيعيّ الحزين ، كانت تهبّ على بيروت الغربيّة ، من جهة الجنوب ، ريح قويّة ، مضمخة برائحة الحليب ، فتملأ الفضاء ، وتتسرّب إلى شرق المدينة.. على الطريق الواصل بين مستشفى البربير والمتحف،

ہقاص وروائي أردني

[email protected] الجــذور العاليـــة

أحمد أبوصبيح ہ

Date : 25-01-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش