الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

باتريك زوسكيند وفن الاعتقال القرائي

تم نشره في الجمعة 4 كانون الثاني / يناير 2008. 02:00 مـساءً
باتريك زوسكيند وفن الاعتقال القرائي خليل قنديل

 

 
قليلة هي الاعمال الادبية والابداعية القادرة على اصطياد القارىء ، واقتياده بلذاذة القراءة الى مناخاتها المضببة بالحنو ومتعة التأويل ، والقادرة أيضا بمهارة مبدعها على جعل القارىء يقيم في المساحة التي يقترحها الكاتب ، وفي الحدود والآماد الحبرية التي يصنعها المُبدع. وانا هنا اتحدث عن الامكانية العجيبة عند الكاتب الالماني باتريك زوسكيند في القبض على انفاس القارىء والذي سرعان ما يتمكن من اقتياد القارىء نحو مناخاته العجيبة والأخاذة.

ففي عمله الروائي الاول والذي حمل عنوان"العطر - قصة قاتل" ، نلحظ ان باتريك زوسكيند ، يجترح مضمونا روائيا يتسم بندرة التعامل معه في تاريخ الكتابة الروائية عموما ، وهي فكرة الروائح عبر التاريخ الانساني ، ودور هذه الروائح في تشكيل القوى الجاذبة اليها ، وتحول العطر الى سلطة جاذبة للانف الانساني.

سلطة لها مفعول السحر الحقيقي قي تواصل البطل "غروناي" مع كل ما يُحيط به.

إن الثقافة العطرية التي تحلى بها زوسكيند وهو يكتب روايته العطر ، جعلته يذهب الى ما يشبه الدراسة التشريحية لحاسة الشم عند الانسان ، وعلاقة هذه الحاسة بالتواصل الانساني سلبا ام إيجابا ، الى الدرجة التي يتحول بها بطل الرواية الى أنف يتسيد فضاء الرواية.

وإذا عُدنا لفكرة ما يُمكن تسميته بالاعتقال القرائي الذي يجعل من كتابات زوسكيند الانموذج الامثل لمثل هذا الاعتقال ، فلابد ان نلحظ ان زوسكيند يمتلك مثل هذه المكنة في الامساك بالقارىء منذ الاسطر الاولى للرواية وحتى الانتهاء منها. وإذا عاد القارىء لمطلع رواية العطر ، سيلحظ قوة الطُعم القرائي الذي يقدمه زوسكيند من خلال الروائح المكثفة والثقيلة التي يطلقها المكان الذي وضع فيه الطفل "غروناي".

من هذه اللحظة الروائحية النتنة التي استقبل فيها الطفل روائح الكون الذي وجد به ، سوف يقيم بطل الرواية في نقطة مركزية هي حاسة الشم التي تبدو في البدء وكأنها حالة شم كلبية. إن زوسكيند استطاع وبأسطر قليلة في مطلع روايته "العطر - قصة قاتل" ، ان يرمى بطُعمه القرائي ، ويصطاد قارئه حت آخر سطر في الرواية. وفي روايته الثانية "الحمامة" والصادرة بطبعتها العربية عن دار ورد السورية ، بترجمة عن الالمانية لـ"عدنان عبد السلام ابو الشامات" ، يعود زوسكيند الى التعامل بفنية عالية مع فكرة الطُعم الذي يلقيه الى القارىء كي يصطاده منذ الاسطر الأولى للرواية. ففي فاتحة رواية الحمامة نقرأ هذه الأسطر القليلة: "كان جونثان نويل قد تعدى الخمسين من عمره ، حتى فاجأته مشكلة الحمامة التي ذهبت بين ليلة وضحاها بالأمان الذي كان يحياه.

لم يكن يتخيل أن يحدث له في حياته أي شيء ذي أهمية ما عدا موته. وهذا يناسبه تماما فهو لا يحب الأحداث ويكره بشكل خاص تلك التي تهز توازنه النفسي وتحدث فوضى في رتابة حياته اليومية".

هذا هو الطُعم الذي سيجعل القارىء يلهث خلف زوسكيند في رواية الحمامة ، كي يعرف سر هذه الحمامة التي زلزلت الحياة البسيطة لحارس بنك باريسي.

تلك الحياة التي كانت تبدو لبطل الرواية جونثان نويل انها صلبة ومتماسكة بحكم جحرية الغرفة التي يعيش فيها ، والفضاء الضيق لحارس البنك. ذلك الفضاء الذي لا يتعدى البوابة الخارجية للبنك والدرج المؤدي إليه. يؤكد باتريك زوسكيند في روايتيه "العطر - قصة قاتل" و"الحمامة" بأن الروائي إن لم يستطع في عمله إصطياد القارىء وجلبه مخفورا الى عالم الرواية من الاسطر الأولى ، ومن فاتحة نُطق الرواية ، فإن العمل لا بد وأن يقع في الترهل اللغوي ، والتبذير الانشائي.

وربما تكون براعة زوسكيند في الامساك بقارئه وادخاله في هذا الاعتقال الجميل منذ السطور الاولى لروايته هي السر في هذا المُبدع الذي تألق عالميا كل هذا التألق بروايتين فقط.



ہكاتب وقاص من اسرة الدستور

[email protected]

Date : 04-01-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش