الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

النهاية تترجم النهاية : حدود رواية الأمل

تم نشره في الجمعة 11 نيسان / أبريل 2008. 03:00 مـساءً
النهاية تترجم النهاية : حدود رواية الأمل د. فيصل درّاج

 

 
تنطوي رواية الأمل الفلسطينية ، مهما كان شكلها ، على مراحل ثلاث: مرحلة سديمية قوامها حاضر مريض أقرب إلى اللعنة ، انفصل عن ماضْ مغاير له كل المغايرة. فلا شكل ولا نظام ولا معنى ، ولا ما يساوي الفلسطينيين بغيرهم من البشر. كل شيء ممزّق يفتقر إلى الوحدة ، وكل شيء فقد براءته واختلط بالدنس. تحدّثت رواية غسان "ما تبقّى لكم" عن الأمرين معاً ، إذ عائلة الصبي موزّعة على أماكن معروفة ومجهولة ، غزة ويافا وما وراء الحدود ، وإذ العائلة الممزّقة مغطاة بالوحل والمهانة. لا يختلف الوضع في رواية جبرا "صيادون في شارع ضيّق" ، فالشاب النجيب الذاهب إلى بغداد ، خلّف وراءه ، في القدس حبيبة دفنتها الأنقاض ، وعائلة مفتقرة تنتظره في مخيّم رخو المكان. رفع إميل حبيبي ، في "المتشائل" ، مأساة الانفصال إلى حدها الأعلى ، فأهل القرى خارج القرى ، والخارجون من القرى لن يلتقوا ببعضهم بعضاً إلاّ صدفة. تتلو الحالة السديمية ، التي تنقض النظام ، حالة مؤرّقة تحضّ على حلم استعادة النظام المفقود: يضيق الصبي ببؤس مخيمه ، وينطلق إلى عرض الصحراء مراهناً على مكافأة عادلة. كما يصل الفلسطيني إلى بغداد فقيراً مجهولاً ، ويدخل إلى نفق مضيء يخرج منه عَلَماً. ولم ينسَ حبيبي ، بافتعال شحيح المعنى ، أن يدرج في عمله فدائياً يعود إلى أرضه ، يستدفئ بغيره ويعانقه غيره ويشعر بالدفء. تواجه التجربة ، المثقلة بالفقد والحرمان ، السديم متطلّعة إلى وضع يستأنف الوضع المفقود.

يتكثّف معنى رواية الأمل في علاقة أساسية هي : النهاية. تترجم النهاية الفعل الصائب الذي يصل بين زمنين سليمين ويمحو الزمن المريض الطارئ بينهما ، وهي انتصار الجميل الموحّد على المشوّه المليء بالتصدّع ، وهي إعادة النظام إلى وجود فارقه النظام.

إنّها روح الحق الذي عابثته صدفة ظالمة وعاد حقاً بهياً كما كان. تفرض النهاية ، في دلالاتها المتعددة ، كتابة الرواية من وجهة نظر النهاية. تستوي في ذلك العلاقات جميعاً : الأرض المفقودة ، حركة الإنسان الفلسطيني ، طريق اللجوء ، الأرض المفقودة ــ المستعادة. فالأرض المفقودة مثال جمالي يصعب تجاوزه ، اختلف إليها إميل حبيبي بحنين يلتبس بالبكاء في "إخطيّة" ، إذ ما كان في فلسطين من جمال فلسطين التي كانت ، وتأمله غسان بشغف فَرًح في "العاشق" ، فسهول فلسطين عينا الفلسطيني ولباسه ، وتذكّرت سميرة عزام أرضاً مسقوفة بالنور والعصافير. أمّا جبرا إبراهيم جبرا فجعل من نسيان "القدس" كفراً ، لأنّ أنوار القدس ليلاً امتداد للجنة. تحضر فلسطين في النص الروائي نموذجاً جمالياً مطلقاً ، يساوي بين اللجوء والجحيم. ومثلما تعيد النهاية خلق أرض سليبة ابتعدت ، فهي تخلق الفلسطيني اللاجئ المشدود إليها : يتجاوز الصبي في "ما تبقّى لكم" عمره ، يعطف عليه الليل ، وتشدّ الأرض من أزره ، وتحالفه الطريق السائر فوقها التي تخدع ، عادة ، غير الفلسطيني وتضلّه عن غايته.

ويكون بطل جبرا ، في رواياته جميعاً ، مع البشر وفوقهم ، يحاورهم ويعلّمهم ، ويتصل بهم ويقودهم ، ويدركون من مقاصده شيئاً ولا يدركون ما تبقّى. ويطاول الثائر الفلسطيني ، في رواية يحيى يخلف "تفاح المجانين" ، الجبال طولاً ، وتسير معه حقول وتؤنسه في "نشيد الحياة" ... إنّه البطل المخلص الذي تشد خطاه الغاية الخيّرة التي يمشي إليها. هناك دائماً "المضاف" ، الذي تأمر به رواية الأمل ، الذي يجعل الأرض فردوساً ، والفلسطيني روحاً وروح الحق معاً.

ومع أنّ الطريق تنظر إلى الفلسطيني السائر فوقها برفق فهي ، في اللحظة عينها ، طريق اختبار مليئة بالصعاب والشوك ، كما لو كان في شدّتها ما يشي بالفرج الواقف في نهاية الطريق. فصبي غسان ذاق الهوان في وجوهه جميعاً ، وبطل جبرا يصل بغداد بنقود قليلة ، وفدائي يخلف عرف الجوع والسجون ومياه المخيمات الآسنة. لم يقع رشاد أبو شاور ، في روايته "العشّاق" ، في الرومانسية المفرطة التي وقعه فيها غيره ، مكتفياً بوصف عذاب اللاجئين في أريحا ، حيث العطش والعقارب وحركة الإنسان المقيّدة.

يجيء معنى الطريق من معنى نهايتها ، مثلما أنّ سعة النهاية من ضيق الطرق التي أوصلت إليها. ولذلك تبدو نهاية الطريق مكافأة ذهبية ، تليق بالروح التي تحمّلت صعوبات الطريق. تحيل النهاية في الكتابة الفلسطينية "السابقة" ، كما كل نهاية في لاهوت الأمل ، إلى البداية ــ الأصل ، حيث معنى فلسطين القادمة من معنى فلسطين التي كانت.أملت وحدة البداية والنهاية ، وهي تصوّر ديني يلازم المضّطهدين ، على الرواية التبشيرية أن تشذّ عن قواعد الرواية ، وأن تستبد باللامتوقع متوقعاً مضموناً ، يحمل الغبطة إلى الكاتب والقارئ معاً.استعادت هذه الكتابة ، في كثير من نماذجها ، حكاية الخير والشر ، محوّلة التقنيات الروائية إلى عناصر خارجية ، لا تغيّر من حكاية الخير المنتصر شيئاً.

انطوى النص الأدبي الفلسطيني ، شعراً كان أو رواية ، في سياق معيّن (باستثناء محمود درويش ).على شكلين من النهاية: أولهما النهاية الزمنية ، التي تشير إلى حقبة لم تكتمل ، ذلك أنّ النهاية الزمنية في ذاتها بداية زمنية جديدة. آية ذلك المخيّمات المختلفة التي أعقبت القرى المتوارثة ، والقرى المهدومة التي قامت فوقها مستعمرات إسرائيلية ، ومقاتلوا عام 1948 الذين خذلهم السياق. نهاية تنفتح على بداية جديدة ، فالمخيم أنتج صبياً يتمرّد على المخيّم ، وأهل القرى حفظوا آثار قراهم في ذاكرة لا تموت ، والمقاتلون الذين خذلهم السياق حلّوا في أرواح روّضت سياقاً لاحقاً. يظهر الشكل الثاني في النهاية المكتملة ، التي لا تقبل ببدايات لاحقة ، لأنّ البدايات جميعاً متحققة فيها. أوضح غسان الفرق بين النهايتين في روايته "عائد إلى حيفا" ، حين جعل الفلسطيني يرجع إلى بيته المفقود ، ويذهب ابنه إلى معسكر يسير إلى النهاية الكاملة. أما "وليد مسعود" فهو البداية والنهاية معاً ، لأنّ زمن الكمال المتحقق لا نقص فيه ، لا ينتقل من مرحلة إلى أخرى ولا يقرّ مبدأ الانتقال. أفضت الرواية ــ الحكاية إلى مقولتين دينيتين: الأرض المفقودة ــ المستعادة ، وفساد الأزمنة. الأرض الفلسطينية ضاعت حين احتلها العدو ، وأعادها الكفاح الفلسطيني إلى ما كانت عليه.

فهي مفقودة ــ مستعادة ، أو أنّها لم تفقد إلاّ لتعود ، مما يجعل من فقدانها تجربة إيمانية ، تبرهن أنّ صاحبها جدير بها. وإذا كانت عودة الأرض ، عند غسان ، تتحقق بإرادة إنسانية لا شروخ فيها ، فهي عند جبرا تجربة إيمانية ــ جمالية ، تبيّن أن الفلسطيني جزء من أرض المسيح وأنّ الأرض المقدّسة مستمرة في أبنائها. لا تسمح الأرض المقدّسة لأعضائها الإنسانية أن تنفصل عنها ، ولا تقوى الأعضاء على العيش بعيداً عن الجسد الذي تنتمي إليه. وما حكاية الخروج إلاّ حكاية العودة التي تلغي الخروج. يتعيّن الزمن الفاصل بين العودة والخروج زمناً عارضاً ، مريضاً ، فاسداً ، يتطاول على الأرض ــ الأصل ، التي تمحوه موحدة من جديد بين الماضي والمستقبل.

وواقع الأمر أنّ الزمن الفاسد ، الذي يتلو زمناً مباركاً ويتلوه زمن مبارك يمحوه ، إعلان عن تصوّر أسطوري ، يقرأ الظواهر منفصلة ، ولا ينشغل بالسببية التاريخية التي تستقدم زمناً وتطرد آخر. ملأ غسان فراغات الزمن التاريخي بفكرة الإرادة المتمرّدة ، واستعاض عنه "أدب المقاومة" بصنمية البندقية الخيّرة ، وحذفه جبرا مستبقياً "إنساناً" كاملاً" لا يحتاج إلى الزمان. بل أنّ في كمال بطل جبرا ما يحذف الزمان والمكان معاً ، فهو في أرضه وإن ابتعد عنها ، وهي ملازمة له ، حيث ما كان وما سيكون. يسمح النص الفلسطيني ، المشبع بلاهوت الأمل ، بالتمييز بين شكلين غريبين عن تصوّر التاريخ: التاريخ الداخلي والتاريخ الخارجي ، إذ الأول تاريخ مضمر يسري في ذاكرة الأشخاص الذين يؤمنون به ، يساوي بين ما يُرى وما لا يرى ، وإذ التاريخ الثاني تجسيد للأول بعد زمن. بل أنّ التاريخ الأول ، كما يرى المضطهدون ، هو التكثيف الجوهري للتاريخ الثاني ، يسبقه على مستوى الإيمان ويقصّر عنه على مستوى التحقق.

يمثّل هذا التصوّر ، كما يعرف قرّاء الفلسفة ، "التاريخ المقدّس للإنسانية" ، الذي يتعامل مع الرؤى والأحلام والأمنيات. ومع أنّ فيه ما يذكّر بـ "الفكرة المطلقة" عند هيجل ، فهو لا يتقاطع معها في شيء ، وذلك أنّ فكرة هيجل تردّ إلى واقع قابل للتعيين ، خلافاً لـ "التاريخ المقدّس" ، الذي هو جملة من الرؤى لا تحتاج إلى خارج مادي. لا غرابة أن تؤمن التصوّرات التبشيرية جميعاً بمبدأ "الانبثاق" ، الذي يأتي على غير توقع ، رافضاً التاريخ الدنيوي وساخراً منه ، كما يقول. شيء قريب من الماركسية التبشيرية عند فالتر بنيامين ، التي قالت بتاريخ إنساني لا متجانس تتعايش معه ، ربما ، الأفعال والصلوات ، إذ للفعل مجاله وللصلاة فضاؤها ، أو تتصارع فيه مادية العلاقات الاجتماعية ومضمون الأرواح الإنسانية.

والانبثاق المفترض كسر للزمن المعيش المرئي المتجانس وتبشير بزمن مضيء يأتي على غير توقّع. يقبل النص الفلسطيني ، بهذا المعنى ، بقرائتين : قراءة خارجية تربط بين النص المتفائل وأيديولوجيا شعاراتيه ، ترى إلى الغد وتبسّط صيغ الوصول إليه ، وقراءة داخلية تكشف عن الأبعاد الدينية التي حايثت حكايات متفائلة.

وإذا كانت القراءة الأولى ترفض في رواية الأمل اختصارها المستقبل إلى زمن قابل للقياس والتعيين ، وهو ما حاول جبرا التحرّر منه في "البحث عن وليد مسعود" فإنّ القراءة الثانية تسوّغها شريطة اعتبار المستقبل زمناً مفتوحاً لا سبيل إلى تقييده ومعرفه مساره. ذلك أنه الأمل ، الذي يفصل بين زمن المنتظر (بفتح الظاء) وزمن المنتظر (بكسر الظاء) يوقظ في الإنسان المقهور أخلاقاً عملية ، تحضّه على الفعل وتستولد منه ذاتية جديدة. يدعو الأمل ، بالمعنى التبشري العميق ، إلى تحالف بين الإنسان المقهور والمستقبل ضد الزمن الحاضر ، الذي ينبغي أن يكون موضع اتهام مستمر ، على خلاف الوهم الأيديولوجي ، الذي يفترض تحالفاً بين الإنسان والزمن الحاضر. بل أن هذا الأمل هو الذي يقترح المدينة الفاضلة ، ويبنيها شيئاً فشيئاً داخل الإنسان لا خارجه.

إنّ وَهَن الرواية الفلسطينية ، بعد رواية "البحث عن وليد مسعود" يعود ، في وجه منه ، إلى تصوّر مضطرب للمستقبل ، يستبدل بالزمن المفتوح زمناً سلطوياً ضيّق الحدود

- ناقد ومفكر فلسطيني



Date : 11-04-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش