الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«البجعة السوداء» لنسيم نقولا طالب

تم نشره في السبت 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 مـساءً
«البجعة السوداء» لنسيم نقولا طالب

 

 
د. خالد الناشف

في مظهره الخارجي لا يختلف هذا الكتاب في شيء عن الكتب ذات العناوين اللامعة التي تجدها في كشك بيع الكتب في قاعات المطارات ، كالروايات العاطفية وقصص المغامرات ، حتى اسمه ، "البجعة السوداء" ، لا يوحي بخلاف ذلك ، فتكاد تهمل الكتاب لولا عنوانه الفرعي الذي يقول "تأثير اللاإحتمالية". عندها يشدك الفضول وتبدأ بتقليب صفحات الكتاب فتتداعى أمامك المفاجآت الواحدة تلو الأحرى.

عندما تقرأ اسم المؤلف بالإنجليزية ، قد تظن بأنه هندي أو باكستاني ، لكن نسيم نقولا طالب هو لبناني الأصل يعيش في نيويورك وكان يمارس مهنته كمضارب فيذكرك بالأزمة المالية التي يعيشها النظام الرأسمالي اليوم وتداعياتها. وهو نفسه كان قد تنبأ بالإنهيار المالي الذي وقع في تشرين الأول عام ,1987 والبجعة السوداء ليست إلا تعبيرا مجازيا عن فكرة أوضح المؤلف عناصرها في هذا الكتاب الذي تزيد عدد صفحاته على 350 صفحة بما في ذلك قائمة مراجع طويلة تضم 27 صفحة وبخط صغير.

ولد نسيم نقولا طالب عام 1960 في أميون جنوب لبنان ، وكان أبوه متخصصا في الأورام وباحثا في علم الأنثربولوجيا ، دخل نسيم مرحلة شبابه مع الحرب الأهلية التي كثيرا ما أشار إليها في كتابه ، خاصة وأنه رأى فيها الحدث غير المتوقع الذي أنهى مرحلة كان يعم فيها الوفاق بين الطوائف والفئات اللبنانية المختلفة. وربما كان في هذا الحدث الحافز الذي دفعه إلى تطوير أفكاره حول ما هو غير محتمل لكنه شائع وأقرب إلى الطبيعة العشوائية للعالم كما يصلنا عبر حواسنا. درس طالب في الولايات المتحدة وفرنسا وعمل في مؤسسات مالية في وول ستريت ليتفرغ فيما بعد للأبحاث والفلسفة.

الفكرة الأساس في الكتاب هي أن "غير المتوقع" هو "المألوف" في التاريخ كما نعرفه ، أو في تاريخ الابداعات البشرية منذ العصر الجليدي حتى اليوم. وتتضح فكرة "غير المتوقع" من مجاز "البجعة السوداء" نفسها. فقد كان معروفا أن البجع أبيض اللون وكان هناك اعتقاد جازم بأنه لا يمكن أن يكون غير ذلك ، وقد ساد هذا الاعتقاد إلى أن "أكتشف" بجع أسود يعيش في أستراليا. وقد يكون هذا الأمر مفاجئا لدارسي أو مراقبي الطيور ، غير أن الملاحظة الأساسية من ظهور "البجعة السوداء" هي مدى محدودية المعرفة البشرية التي تعتمد على المشاهدة والخبرة فقط ، ومن خلال ذلك تتضح هشاشة تلك المعرفة. فمثال واحد جاء ليخطئ مقولة عامة مستمدة من رؤية الملايين من البجعات البيضاء ومفادها أن البجع أبيض اللون. طير أسود واحد كان كافيا لتخطيء معلومة كانت مقبولة لمئات السنين.

تخرج البجعة السوداء عن نطاق التوقعات المألوفة فلا شيء في الماضي كان ينبئ عن امكانية حصولها: وعندما حصلت كان تأثيرها مدويا. وتأتي الطبيعة البشرية بتفسيرات لحصول الحدث بعد وقوعه ما يجعله قابلا للشرح ومتوقعا. الأمثلة على ذلك كثيرة كاندلاع الحروب أو انتشار الشبكة العنكبوتية أو الانهيار المالي الذي حصل تشرين الأول 1987 ، وهو ما تكرر بشكل واسع وشامل في الأزمة المالية الحالية. وعلى المستوى الشخصي قد يكون أي حدث ذو مغزى معين "بجعةً سوداء" ، كتبوء منصب جديد ، أو الكشف عن مرض في الجسم ، كالسرطان الذي قد لا يكتشف إلا بعد أن يقطع شوطا بعيدا. وبصرف النظر عن درجة الانتشار فهذا المرض وبالرغم من فتكه فإنه ، ومن خلال حدوثه المفاجئ وغير المتوقع ، يضع المريض أمام مستقبله بمعنويات جديدة قد تكون سببا لحصول سلسلة من التغيرات غير المتوقعة ، قد يكون أهمها تحدي المرض نفسه.

يضع طالب "غير المتوقع" أو "اللااحتمالي" ضمن إطار واسع يشمل التاريخ والعلوم الاجتماعية والإنسانية والاقتصاد والاكتشافات. ولا ينحصر الموضوع بالنسبة له بالاستفادة والتعلم من وقوع الحدث بعد حدوثه بقدر ما هو التعمق في خلفية الحدث لتحديد آليات حصول "غير المتوقع".

إلى جانب الاقتصاد تدخل أفكار طالب في مجال فلسفة التاريخ. نحن نرى من التاريخ الحدث ، وليس ما وراء الحدث ، لهذا يعتبر طالب أن فهمنا للتاريخ قاصر ، ومن تعامل مع النصوص التاريخية ، التي هي بحاجة إلى تفسير ، يدرك بوضوح مدى صحة هذه الفكرة. وبالنسبة للتاريخ ، يتوهم الفكر البشري أنه يدرك ما حصل في حين أن الموضوع أكثر تعقيدا وعشوائية. كذلك هناك التشويه الحاصل لدى محاولة تفسير ما حصل: والمبالغة في تقييم "الوقائع" وعجز المتعلمين ، أو أولئك الذين هم في موقع المسؤولية ، وخاصة عندما توضع الأحداث في قوالب "أفلاطونية".

كمثال على التوهم بفهم ما يحصل يذكر طالب ما كان الكبار يقولونه عن الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت أكثر من خمسة عشر عاما: "ما تراه سينتهي في بضعة أيام معدودة". وما أكد هذه القناعة عدد أولئك اللبنانيين الذين كانوا في غرف الفنادق أو في منازل مؤقتة في قبرص واليونان وفرنسا وهم ينتظرون عودة سريعة إلى وطنهم. ويقول أن عدم رؤية الأبعاد الزمنية الحقيقية هو مرض متفش بشدة. ويقدم طالب تعريفا طريفا لتسلسل الأحداث عندما يقول أن التاريخ لا يزحف إلينا ، وإنما يقفز.

يولي المؤلف أهمية خاصة لمفهوم "القصة" ليس بالتحديد بشكلها الأدبي وإنما كممارسة ، أي قولبة الأحداث على شكل قصة ، وهو ما نحب القيام به لتبسيط الأمور واختزال أبعادها. ولكنه يرى في هذا منزلقا مرتبطا بميلنا نحو المبالغة وبتبسيط الأمور والنزوع إلى تركيب قصة متناغمة ومتماسكة بدلا من عرض الحقائق الخام. ويرى طالب أن هذا يشوه بشكل حاد تصورنا حول العالم وتزداد حدة التشويه عندما يتعلق الأمر بحدث نادر.

يرى طالب في كتابه أنه ليس من السهل التعامل مع البيانات التي تصلنا ، وهناك صعوبة في تخزينها في خلايا الدماغ. ولا تكمن الصعوبة في السعة وإنما في فهرسة هذه البيانات لهذا من الضروري ضغط هذه البيانات (المقارنة مستمدة من علم الحاسوب). فالبشر تواقون لوضع قواعد وأنظمة حتى يصبح بالإمكان اختزال كميات هائلة من المعلومات والبيانات. وكلما زادت الطبيعة العشوائية لهذه البيانات أصبح من الصعب اختصارها. وهو يرى أن الظروف التي تدفعنا إلى تبسيط الأمور هي ذاتها التي تجعلنا نرى أن عالمنا هو أقل عشوائية مما نعتقد.

كما يرى المؤلف أن الفنون والعلوم هي نتاج حاجتنا إلى الاختزال وفرض النظام على الأشياء. فلو فكرنا أن العالم المحيط بنا هو عبارة عن مئات الملايين من التفاصيل وأن علينا وصفها ، فسنجد أنفسنا مجبرين على تنظيمها في عقد واحد كحبات المسبحة. وأن الرواية ، والقصة ، والأسطورة ، والحكاية ، كلها ذات وظيفة واحدة مشتركة: الحماية من تعقيدات العالم والنأي بنا عن العشوائية. ولهذا تضفي الأساطير نظاما على العالم غير المنظم كما يصل إلينا عبر الأحاسيس. كذلك تدخل ضمن هذا الإطار الذاكرة التي تميل إلى إهمال ما لا يمكن قولبته على شكل قصة.

في النهاية يكتب طالب أن كل هذه الأفكار ومشاكل المعرفة والفرص الكبرى والخسارات المجنونة (في الأسواق المالية) كلها تكاد تنسيك أن مجرد كونك على قيد الحياة هو ضربة حظ استثنائية لتداعيات حدث ذي أبعاد ضخمة حصل بالصدفة آنذاك ... في ذلك الزمن البعيد.

ہ باحث واكاديمي أردني

Date : 22-11-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش