الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

محمود المسعدي في «حدّث أبو هريرة قال»

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 مـساءً
محمود المسعدي في «حدّث أبو هريرة قال» د.نضال الشمالي

 

 
ما انفكت الرواية نصّا تفاعليا يستجلب التعالق والتفاعل مع نصوص الحياة المختلفة مهما كانت طبيعتها ، انطلاقا من تفاعلها مع واقعها ، وقد قال باختين :تحاكي الرواية بسخرية كل الأنواع الأخرى (وبالضبط لأنها أنواع ) ، وهي بذلك تكشف عن أشكالها ولغتها التعاقدية . إنها تقصي بعضها ، وتدمج بعضها الآخر في بنيتها الخاصة ، معيدة تأويلها ، ومانحة إياها رنة أخرى. فالرواية مندرجة ضمن سياق حضاري متواصل ، فلا بد من تفاعلها مع مجالات التعبير الأخرى ، ومن أبرز أشكال هذا التفاعل هو استلهامها التراث في إنجاز موضوعها وشكلها.

لقد ارتبطت كلمة التراث في أذهان الباحثين بالماضي ، إذ هو كل ما ورثناه تاريخيا ، أو كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة. من هنا فإن مسميات كثيرة ستندرج تحت مفهوم التراث : كالتاريخ والدين والسير الشعبية والحكايات والمقامات والخبر والرسالة والبيئة الشعبية والفكر العربي في مرحلة نشوئه ... إلخ . لقد وجد روائيونا الكثير في هذا الأرث المتعاظم ، ولكن استفادتهم منه جاءت متباينة من واحد لآخر : لأن قدرة الكاتب على التفاعل مع نصوص غيره - حسب سعيد يقطين - لا تتأتى إلا بامتلاء خلفيته النصية بما تراكم قبله من تجارب نصية ، وقدرته على تحويل تلك الخلفية إلى تجربة جديدة قابلة لأن تسهم في التراكم النصي القابل للتحويل والاستمرار بشكل دائم ، فالامتلاء أو الهضم شرط أساسي للاستفادة ، ومن ثم التحويل والإسقاط ليندرج العمل ضمن سياقه الثقافي المعاصر.

ويبقى التساؤل يحتمل أكثر من إجابة ، فلماذا هذا الاندفاع نحو الماضي؟ ألا تتوفر في الحاضر مادة تشغل الروائي عن ماضيه؟ بلى ، فالحاضر دائماً هو من يوجه الكاتب نحو موضوع يلتمس فيه دواءً لأرقه. إن كل نص مهما بعد عن حاضره مرتهن بطريقة أو بأخرى إلى بند من بنود الحاضر والرواية التي تستند إلى عنصر من عناصر التراث نص يبتعد في ظاهره عن نقطة الحاضر (نقطة الانطلاق) ويتوغل في الماضي لكنه يبقى وليد (الآن) وإن ابتعاده في الماضي ما هو إلا طريقة لفهم الحاضر ، فهي في كثير من نماذجها استعارة عصر غابر لتمثيل روح العصر الحاضر ، فالمرسل لا يرمي من وراء ذلك إلى أن يقول لنا: "هكذا عاش آباؤنا إنه وهو يُرهن الواقعي والاجتماعي يكتب نصاً ، وينتج عالماً نصيّا له استقلاله وهويته. إن الرواية في بعض نماذجها تمثل خطاباً بديلاً عن التوجيه والإرشاد المباشرين ، من هنا لابد للرواية حتى تكتسب هذا الوصف أن تحمل من قضايا العصر مشاغله وهمومه فتعلق عليها وتبحث لها عن تفسير.

ورواية "حدّث أبو هريرة قال ..."تمثل هذا التوجه ألفها التونسي محمود المسعدي عام 1939 ، ثم نشرت كاملة عام 1973 ، وهي من النماذج المبكرة في الرواية العربية التي تحمل وعيا نحو التراث ، فهي"مغامرة وجودية جريئة وتجربة قصوى في الكتابة . فكما بعث المسعدي أبا هريرة اسما ومعنى من أعماق الماضي ، كذلك بعثه شكلا وأسلوبا في تناسق فني متين . فبينما خير كتابنا يكدون قرائحهم لتملك وسائل الرواية الغربية وقد يئسوا من موروثهم القصصي واقتنعوا بأن لا معاصرة إلا ما صوّر الغرب رفض المسعدي أن ينقطع عن أصوله الثقافية ... عاد إلى أعماق الماضي فاستمد منه أعرق أشكال السرد عند العرب : الحديث أو الخبر لا ليقلده بروح سلفية عقيم بل ليعيد اختراعه بقوة الذهن الحديث (توفيق بكار: مقدمة الرواية) .

وقد بنى المسعدي روايته على ثلاثة وعشرين مشهدا أو حديثا متعدد الرواة ، فمرة يروي أبو هريرة ومرة يروي صحبه ومريدوه كريحانة وابو المدائن وكهلان وأبو سعد وحرب بن سليمان ... مع أفضلية لأبي هريرة الذي روى عن نفسه أربعة أحاديث ثم أبو المدائن الذي روى خمسة أحاديث عن أبي هريرة . وقد طرح المسعدي لكل خبر من الأخبار الثلاثة والعشرين عنوانا ، فبدأ الأول بـ : البعث الأول وانتهى في الحديث الأخير بالبعث الآخر ، توسطتها عنوانات من قبيل : المزح والجد ـ التعارف في الخمر ـ القيامة ـ الحس ـ الوضع ـ الشوق والوحدة ـ الحق والباطل ... وتتآزر هذه العنوانات لتروي لنا بتقنية الخبر أو الحديث التحوّل الذهني الذي عاشه أبو هريرة - سميّ الصحابي الجليل رضي الله عنه - من تقوى تمجيد العبادة وتقديس الروح ونشدان الآخرة إلى الوجودية وإعلاء شأن الجسد ونشدان الحياة ، وتجري أحداثها في الجزيرة العربية بالقرب من الديار المقدسة في الحجاز بين مكة والمدينة ، وقد عقّب مقدم هذه الرواية - توفيق بكار - عليها بقوله :"فهذه القصة فيما أعرف أول نص أدبي يطرح بمثل هذه القوة وهذا العمق الفلسفي قضية الجسد في المجتمع العربي الحديث". وفيها تمثل شخصية أبي هريرة الطاقة الإخبارية الهائلة ذات المصداقية العالية أسوة بالصحابي راوي الحديث النبوي الشريف ولكن في مجال تقديس الجسد لا تقديس الروح ، إذ يمثل قيمة ثقافية مرسلة من الماضي إلى الحاضر ، ليكون عنوان المغامرة في العصر الحديث والسعي الجاد إلى إعادة تشكيل الحياة بمبادئ مختلفة ، فأبوهريرة : صورة مثقف وعى ذاته ورياح العصر تدفع المجتمع إلى التقدم والحرية ، فانطلق ينحت بين الزهو والجذل مُـثلا جديدة تشيد بجلال الإنسان وقدرته على صنع مصيره .

وقد بدا أبو هريرة في الرواية متحليا بقيم الإسلام ملتزما بالصلاة في وقتها ، متزوجا حسب السنة متحليا بقيم المؤمن بالآخرة ، لكنه تحوّل إلى غير هذا المسار بعد أن تفجّرت أمامه شهوة الوجود فتبدّل نظره عن فردوس السماء إلى فردوس الأرض عن الجنة الموعودة إلى الجنة الموجودة . وقد حقق أبوهريرة هذا التحوّل ليس على مستوى المضمون فقط بل على مستوى الشكل أيضا عندما أخفى في داخله روحا فلسفية حركية تتجسد في الحيوية اللغوية وهي حيوية متمظهرة في تغير الأصوات السردية وتعدد السند في رواية الخبر وخرق ثبوتية الزمن الواقعي ، وهذه الروح الفلسفية استعير لها شكل تعبيري تراثي هو الخبر ، وهناك علاقة وثيقة بين فن الخبر وفن الرواية يمكن تلخيصها فيما يلي:

1) كليهما يتميز بالقدرة على احتواء أجناس أخرى .

2) قدرة فن الخبر على تناول الموضوعات المتعددة والمتناقضة كالجد والهزل .

3) احتواء فن الخبر على عناصر قصصية تقرّبه من فن القصة ، كتوهم الحقيقة عن طريق السند وتداخل الخيالي بالتاريخي .

ولعل مثل هذا الطرح الذي يستثمر فن الخبر وتوابعه ليعود إلى إشكالية سردية تتعلق بجدوى مثل هذه التوظيف بوصفه نمطا من أنماط السرد لتحقيق رؤى الكاتب الفلسفية التي تدفع القارئ للوقوف أمام المطلق واللانهائي.ويتلخص الأمر بمجمله في استعارة الشكل التراثي على مستوى البنية واللغة والتقنية والشخوص والرواة والمقولات الاستهلالية ، لإيصال فلسفة الكاتب ورؤاه الوجودية إلى القارئ ، وهذه الاستعارة تعكس تعالقا نصيا بين التراث من جهة الشكل والوجود من جهة المضمون.

يعتمد بناء الرواية على ثلاثة وعشرين حديثا متنوع الرواة وبعنوانات مختلفة وبمقولات استهلالية متجددة ، إذ سعى المسعدي إلى طرح رؤيته الفلسفية في نصوص تناقش التراث وتنفتح على الماضي بكل حركيته ، فيلتقي التراثي بالمعاصر في بنية لغوية قديمة ، وقد جاءت عنوانات هذه الأحاديث من أجل تجزيء حركية الزمن وإضعافها ، ومضاعفة انتقائية الرواة فيما يروون لحصر الأفكار الأساسية التي يمكن أن تشكل بمجموعها فكرة الوجود ، إذ تسعى هذه الأحاديث إلى تخصيب رؤية المسعدي الفلسفية تجاه الكون أكثر مما تسعى إلى ربط الأحداث وجمعها . فمثلا قامت تقنية الحذف بفعلها عندما ألغت التواصل السردي وساهمت في رسم التواصل الذهني وإن كان على شكل خارطة من المفاهيم الفسيفسائية ، ومن هنا فقد جمعت الأسانيد التقليدية والأخبار الطريفة الغريبة إلى جانب الإيحاءات اللغوية والرؤى العميقة ، في الوقت الذي امتزجت في ذات الشخصية السردية صورة الثقافة العربية التقليدية من جهة ، وصورة الثقافة الغربية من جوانبها الفلسفية ، فقد تفاعل الكاتب ـ المسعدي مع تربة تاريخية - جمالية تحيل على الذاكرة العربية المتخيلة وانفتح على الآخر في محاولة لإعادة تكوين المنظومة المعرفية الجمالية التي ترتبط بـ (الأنا).

من هنا فقد همّش المسعدي الزمن في بنية الرواية مطلقا العنان للأفكارالتي تتجاذب نفسها والقارئ على حدّ سواء ، فبات صراع الفكرة هو المسيطر على مجريات الأحداث المتعلقة بشخصية (أبي هريرة) المحورية ، وصاحب السيادة في التحدّث والكلام وبثّ الرؤى ، وقد تجلّى هذا التسيّد أو احتكار الطرح منذ العنوان"حدّث ابو هريرة قال" ، فصاحب القول الفصل هو أبو هريرة دون شريك ، حتى الرواة المتواجدون في العمل وظفوا ليقولوا ما خبروه عن أبي هريرة.

ولأجل هذا التسيّد أو الإبراز في شخص أبي هريرة اقتصر المسعدي على المتن مغيبا الهامش ، فالكلام كله متن ولا مجال للهامش إلا في ذهن القارئ الذي سيراجع أفكاره ومواقفه ، حتى مسألة استحضار غيرما راوْ هي من باب استحضار شاهد ومؤيد ومساند لكلام أبي هريرة .

ومع أن الأخبار المساقة إخباريا وسندا لا أصول لها في التاريخ إلا أن البنية الإخبارية الموظفة هي بنية الحديث أو الخبر ضمن إطار من التراث وعبقه الآسر ، وفي فضاء نصي يخرق خطية الزمن ، فمن الحاضر إلى الماضي ، ومن الماضي إلى المستقبل ، فضلا عن رغبة في التمرّد على السائد المألوف ومرافقة المغاير والمختلف ، إذ على المستوى المضموني تحرّك المسعدي نحو المختلف والعكسي عندما زاوج بين المتعة والمرض ، والنشوة في الذات المتجاورة للصحة والاستقامة ، وهذا التغاير من شأنه أن يربك القارئ وهو منشغل بترتيب الأحداث ونظمها فيخرق أفق توقعه ويحوّل النص السردي إلى نص جدلي مناهض للاعتياد .

والإشكالية تكمن في أن بنية الخبر من مشهد إلى مشهد تتحدّى القارئ وتربكه وترغمه على معاودة الكثير من مرجعياته الجمالية التي ينطلق منها قبل الدخول إلى عوالم النص سواء أكان شعريا أو سرديا ، وإن كان المسعدي يمارس مغامرة في تشكيله السردي ، الذي ينفتح على الطرح الفلسفي ـ الوجودي ، فإن القارئ سيكون مضطرا إلى مغامرة تشكيل ـ بناء ، استراتيجية القراءة التي تكشف مغامرة الشكل السردي ، هذا بالبحث في خصوصية الزمن السردي ، وهو زمن ينفتح على التنوّع الدلالي. فالإشكالية تمتد من استعارة شكل تراثي إلى تهميش للزمن إلى مخالفة التوقع وخوض مغامرة في المفاهيم المتضاد.

ناقد وأكاديمي أردني

Date : 28-11-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش