الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رحل عن 73 عاما : سيدني بولاك صاحب «إنهم يقتلون الجياد».. لمسة خاصة في الإخراج

تم نشره في الجمعة 13 حزيران / يونيو 2008. 03:00 مـساءً
رحل عن 73 عاما : سيدني بولاك صاحب «إنهم يقتلون الجياد».. لمسة خاصة في الإخراج أحمد طمليه

 

 
سيتذكر السينمائيون كثيراً المخرج العالمي سيدني بولاك الذي توفي قبل أيام عن عمر يناهز الـ 73 عاماً بعد صراعه مع مرض السرطان. وسيقف الدارسون أمام تجربته السينمائية التي تعدت إخراج ما يزيد عن (60) فيلماً تجاوبت أغلبها مع المناخ الهوليوودي الدارج ، وامتازت معظمها بحس خاص أضفاه بولاك على تلك الأفلام ، ولعل ميزة هذا المخرج أنه لم يختر الاخراج وظيفة ، بل وجد نفسه متورطاً فيها ، مجبراً على أن يكون مخرجاً خلف الكاميرا ، وأن يدير العمل الفني من وحي خياله ، وأن يحافظ دائماً على خيط انساني ينفرد به خارج سياق الموضوع الأشمل الذي يتعرض له الفيلم. فلقد فرضت أجواء هوليود على بولاك أن ينتج أفلاماً هوليوودية تعتمد الأكشن ، واللغز ، والتشويق ، إلا أنه نجح في أن يضفي على هذه الأفلام بعداً رومانسياً ، قد يتصل بقصة إنسانية أو عاطفية تدور في سياق الحدث ، كما لاحظنا ذلك بفيلمه الأخير "المترجمة" بطولة الممثلة نيكول كدمان ، فعلى الرغم من أن الفيلم يدور بين أورقة الأمم المتحدة ، حيث تعرف المترجمة كيدمن صدفة عن خطة لاغتيال أحد زعماء دول العالم الثالث ، وتكون مهمة التحري الخاص شون بون أن يتابع الموضوع ، فيتورط تدريجياً بالاهتمام بالمترجمة.

لقد عمل بولاك مع أبز الممثلين من أمثال ميريل ستريب ، وداستن هوفمان ، وروبرت ريدفورد ، توم كروز ، ونجح كيف يديرهم ويخرج جديدهم بطريقة تجعل المممثل يكن لهذا المخرج الكثير من التقدير ، بعد أن تمكن تماماً من التحكم بالصورة وجعلها تنطق قبل أن يتفوه الممثل بكلمة. ولعل استذكار المخرج سيدني بولاك وإدارته تحديداً للممثلين يفتح ملف مهمة الإخراج بشكل عام وما يكتنفها عن عدم وضوح ، فما هي وظيفة المخرج ، وما الذي يضيفه للعمل ، إذا كان هو على أرض الواقع لا يفعل شيئاً محدداً ، فثمة من يوجه الكاميرا ، وثمة من يصور ، وثمة من يصرف المال ، وثمة من يمثل ، وثمة من يكتب ، فكيف للمخرج أن يكون في نهاية المطاف هو صانع الفيلم الأول ، وما هي اللمسات الخاصة التي يضيفها على العمل الفني؟ وكيف يتاح له أن يدير ممثلاً على نحو لا يشابهه به مخرج آخر؟.

أحد المواقع أجرى مؤخراً استطلاعاً بين الممثلين المصريين تحت عنوان "كيف يختار النجوم أدوارهم" ، وقد تعددت الإجابات ، فمنهم من ربط اختياره للدور بهوية مدير التصوير باعتباره هو الذي سيقدمه بصورة جيدة ، ومنهم من ركز على السيناريو ، والبعض أشار إلى الجهة المنتجة ، إذ يرى الممثل شريف منير أن اختياره للدور يتم بناء على قناعته بالجهة الانتاجية ومدى سخائها بالتالي على العمل ، فيما بيّن أحمد السقا أنه لا يقدم على أي عمل إلا إذا اقتنع بالسيناريو المقدم ، ويشاركه في ذلك الممثل أحمد حلمي الذي يرى أن السيناريو الجيد هو أساس كل دور ناجح لأن الشخصيات تكون مرسومة بداخله. وقد تعددت الاجابات في هذا السياق ويلاحظ غياب اسم المخرج كمعيار لاختيار الدور مما يدل على ضحالة ثقافة بعض الممثلين الذين يرون في دور المخرج دوراً ثانوياً مقابل الجهة المنتجة والسيناريو المكتوب ، مع العلم أن المخرج هو سر نجاح أي عمل ، فلو استلم مخرج رديء سيناريو جيد فلسوف تكون النتيجة عملاً فنياً رديئاً ، ولو ضخت أموال طائلة على مخرج يفتقد الرؤيا الابداعية فلن تثمر الأموال إلا إسفافاً وابتذالاً ، فمن هو المخرج وما هي مهمته بالضبط؟.

إن مهمة المخرج ، كما هو متداول ، هي أن يروي القصة المكتوبة على الورق من خلال الصور المتجسدة على الشاشة ، غير أن هذه الاجابة تظل ناقصة ، فأي مخرج محترف الاخراج ، وقبل ذلك درس هذه المهنة أكاديمياً ، يستطيع أن ينقل الكلام إلى صور ، ولكن هل معنى ذلك أنه قدم فيلماً سينمائياً متكاملاً؟ وقبل ذلك ، إذا كانت الأدوات الفنية متشابهة فما الذي يميز هذا المخرج عن ذاك؟ ولماذا نجد القلّة المهتمة تبحث عن المخرج أولاً قبل السؤال عن بقية طاقم العمل؟ وكيف يمكن لمخرج أن يذهب إلى الناس العاديين في مواقعهم ويصنع من تفاصيل حياتهم فيلماً سينمائياً ، كما فعل المخرج الصيني زانغ ييمو في فيلم "الطريق إلى البيت" أو في فيلم "ولا أقل من واحد" ، حين استعاض عن الممثلين المحترفين بأناس قرويين وسكان مدن عاديين وقدم من خلالهم فيلماً حقيقياً ؟.

إن وظيفة المخرج الأساسية هي ضخ الروح في العمل الفني ، أي أن يجعل من السينما واقعاً ولكن بلغة السينما ، وليس المقصود هنا الواقعية البحتة ، بل إضفاء المصداقية على المشهد ، على النحو الذي يبدو فيه طبيعياً حتى لو كان ضرباً من العبث ، أو صنعاً من الخيال. ولتحقيق ذلك فإن أهم ميزة يجب أن يتحلى بها المخرج هي قدرته على التخيل: أن يمتلك مخيلة مبدعة تتيح له تخيل ما يريد الوصول إليه ، أو بالأحرى ابتداع أفضل السبل في تنفيذ المشاهد ، وهنا لبّ الموضوع ، فإذا تخيل المخرج مشهده على نحو ركيك وساذج فستكون النتيجة مشهداً ركيكاً وساذجاً ، أما إذا تيسر له شي من الابداع في تخيله للمشهد فسينعكس ذلك على المشهد برمته بما في ذلك أصحاب أدوار الكومبارس حيث سيظهرون على النحو الذي يليق. وسواء أبدع المخرج أو أخفق فسينعكس ذلك بشكل واضح على أداء الممثلين ، فأحياناً نراهم في منتهى إبداعهم ، واحياناً نراهم أصغر من حجم طاقاتهم ، إذ يظهر الواحد منهم عديم الحيلة أقرب إلى الشخصية المحنطة التي تفتقد الحيوية والحياة.

نستشهد على ذلك بأداء الممثل هشام سليم ، فهو ممثل جيد ، وقد التقط ذلك المخرج يوسف شاهين وقدمه في فيلم "عودة الابن الضال" ، فقدم دوراً ينبض بالحياة ، وقد تعايش المشاهد مع شخصية إبراهيم التي أداها هشام سليم ، الباحث عن حلم السفر إلى الخارج ، وظل إبراهيم في الذاكرة رغم انتهاء مدة عرض الفيلم ، أحياناً نراه في الشوارع ، أو في البيوت التي نزورها ، وقد نصدفه في زقاق ، وقد نتعرف عليه في عمل فني آخر ، لمخرج آخر ، وقد تقمص دوره ممثل آخر ، فالشخصية الحية تبقى حية في الوجدان.

في المقابل ، فأننا نرثي الحال الذي ظهر عليه هشام سليم في فيلم داود عبدالسيد "أرض الأحلام" فعلى أهمية الفيلم ، وأهمية المخرج ، إلا أن الدور الذي أداه هشام سليم ، وهو الشاب الذي يحثّ والدته على السفر إلى أميركا لعلها تحقق له فرصة العمر إذا ما استقطبته لاحقاً ، بدا محنطاً يفتقد لمسات المخرج الخاصة ، فسقط هشام سليم ضحية رؤية المخرج الضيقة لهذا الدور.

ومن إبداعات المخرجين على الممثلين نستذكر كيف أظهر المخرج الراحل عاطف الطيب الممثلة لبلبة في فيلم "ليلة ساخنة" فعلى الرغم من الباع الطويل لهذه الممثلة في مجال التمثيل ، وهو باع يمتد لعقود ، إلا أن مخرجاً لم يكشف عن موهبة لبلبة في التمثيل كما كشف عنها عاطف الطيب وهو يقدمها فتاة ليل مفعمة بالحياة.

ونتذكر في هذا السياق أيضاً الفيلم المتميز "موظف ومخبر وحرامي" للمخرج داود عبد السيد ، فالمخرج هنا خرج عن المألوف وقدم فنتازيا سينمائية الهدف منها عرض شرائح اجتماعية دون أن يرتبط بخيط درامي محدد ، وأرغم المغني الشعبي شعبان عبدالرحيم أن يؤدي دوراً تمثيلياً مقبولاً. إذاً ، على المخرج أن يضخ الروح في العمل الفني ، وأن يضخ الحياة في شخوصه ، وعليه أن يستعين بما تمتلكه مخيلته من إبداع لإضفاء لمساته الخاصة التي تميزه عن غيره من المخرجين ، وتجعل من الاخراج إبداعاً وليس مهنة فحسب ولنتذكر ما قاله المخرج نجدت أنزور في لقاء تلفزيوني: "يكفي أن ينظر المشاهد إلى الشاشة ومن أول لقطة يعرف أن ما هو معروض هو أحد أعمالي" ، ولنتذكر أيضاً أنه إذا ما تمكن المخرج المبدع من أدواته فأنه يستطيع أن ينهض بالعمل برمته وليس بحاجة للاستعانة بأحد.

ولنأخذ تجربة المخرج الإيراني ماجد الماجدي في فيلم "لون الفردوس" ، فبأستثناء الدور الذي أداه الأب ، وهو ممثل إيراني محترف ، فإن جميع الأدوار الأخرى تقاسمها أناس عاديون يظهرون على الشاشة لأول مرة ، ومع ذلك فقد نجح المخرج في تقديم عمل فني متكامل.

ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن كل ما هو مطلوب من المخرج يتأتى من خلال الابداع وليس من خلال أي شيء آخر ، والإبداع هو الشرط المستحيل لغير المبدع ، بمعنى يستطيع المخرج المبدع أن يصنع من حدوتة بسيطة تحفة سينمائية ، أما المخرج غير المبدع فلو وضعت بين يديه كل الامكانيات فلن يقدم أكثر من صور متحركة ، عديمة الحياة ، على الشاشة. وإذا ما أخذنا بهذه المفاهيم وأسقطناها على الساحة الفنية العربية ، فإن عدد المخرجين المبدعين بالكاد يعدون على الأصابع ، وما هم دون ذلك مجرد فنيين يقدمون صورة ، ولكنها صورة غير حيّة بالتأكيد. وقد تسبب ذلك في شيوع أفلام تكشف عن قباحة الوجه الآخر للعملة ، ألا وهو الوجه الذي يفتقد الابداع.

والملفت أن أعداد المخرج ين الفنيين الذين يفتقدون الابداع في ازدياد متنام وهمّ غزيروا الانتاج فما من عام إلا وتجد للواحد منهم فيلماً وربما أكثر ، ربما ليغطوا بذلك على عقدتهم الخاصة ، في حين أننا نجد المخرج المبدع مقلّ في انتاجه وهذه مفارقة غريبة. والملفت أكثر أن مثل هؤلاء المخرجين يجدون دوماً من المنتجين من يمول أفلامهم ومن الممثلين من يلتف حولهم ويشاركهم العمل ، مع العلم أن المكتوب يُقرأ من عنوانه ، وأسم المخرج يكفي لأن يدل على مضمون الفيلم ، وإذا سألت أحد الممثلين عن سبب قبوله العمل مع هذا المخرج في هذا العمل ، يستعيد الممثل مقولة قديمة جديدة مفادها "الانتشار ومن ثم الاختيار" أي أنهم مضطرون أن يقبلوا بالأدوار التي تسند إليهم بغية الانتشار الذي قد يتيح لهم لاحقاً اختيار الأدوار التي يريدون ، وهم لا يعرفون أنه بانتشارهم هذا انما يحرقون أنفسهم أمام الجمهور وإلى الأبد.



ہ ناقد سينمائي أردني

Date : 13-06-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش