الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سولجينيتسين: الغرب أقنع نفسه بأن روسيا أصبحت واحدة من دول العالم الثالث وحينما بدأ نهوضنا قوبل في الغرب بالخوف والتوتر

تم نشره في الجمعة 5 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 مـساءً
سولجينيتسين: الغرب أقنع نفسه بأن روسيا أصبحت واحدة من دول العالم الثالث وحينما بدأ نهوضنا قوبل في الغرب بالخوف والتوتر ترجمة وتقديم: كفى الزعبي

 

 
في العام 1994 عاد الكاتب الروسي الكبير الكسندر سولجينيتسن الحائز على جائزة نوبل في الآداب ، من منفاه الذي استمر عشرين عاما ، عاد إلى روسيا في رحلة ليست عادية على الإطلاق ، رحلة لا يمكن أن تخطر إلا ببال كاتب عظيم مثله: فقد وصل من أمريكا في طائرة إلى مدينة فلاديفستوك في أقصى شرق روسيا ثم ركب القطار ليمر عبر الأراضي الروسية كلها - من شرقها إلى غربها - في رحلة استمرت ثلاثين يوما قبل أن يصل إلى موسكو.

عاد من المنفى الذي فرضه عليه النظام الإشتراكي السوفييتي إلى روسيا الحديثة. لكنه لم يحفل بهذا التغيير ، فكما كان مناهضا وناقدا للحكم الشمولي السوفييتي عاد مناهضا للسلطة الجديدة. وعندما قدم له الرئيس الروسي السابق يلتسين ، في عيد ميلاده الثمانين ، في العام 1998 أرفع أوسمة الحكومة رفضه قائلا: "لا أستطيع أن أتقبل وساما من سلطة قادت روسيا إلى الكارثة" ، ليؤكد إن مشروع حياته لم يكن في يوم من الأيام أدبيا مجردا ، بل إنسانيا وأخلاقيا ووطنيا بالدرجة الأولى. في تلك الأيام كتبت جريدة إزفيستيا معلقة على موقفه بأنه"الكاتب الذي هزم الدولة"كما وعلقت صحيفة سيفودنيا: "إنه آخر المعلمين الذين أشعلت كلماتهم النار في قلوب البشر".

ربما لا تتفق جميع الآراء بشأنه ، وربما هناك الكثير من اليساريين الذين يختلفون معه في المواقف السياسية لا سيما موقفة من النظام الاشتراكي ، أو في توجهاته الدينية ، إنما يصعب الإختلاف حول التربة التي تغذي أعماله ومواقفه بعناصر الحياة. هو نفسه يقول: يسألونني عن القوة التي تمدني بالحياة وعن العقيدة التي تحركني. أجيبهم: إخلاصي لروسيا وحبي للأدب، وكأنما يقول إن الكاتب والمبدع الحقيقي لا يمكن أن يعيش ويبدع بمعزل عن هموم وقضايا وطنه.

في الثالث من آب 2008 توفي سولجينيتسين عن عمر يناهز التسعين عاما . والمتتبع لمحطات حياته المديدة سرعان ما يكتشف أن عنوان هذه المسيرة يمكن بالفعل اختزاله في إجابته تلك : الإخلاص لروسيا والحب للأدب. فقد بدأ مسيرته بالأيمان بالماركسية اللينينية ، لكنه وفيما هو يحارب على الجبهة أيام الحرب العالمية الثانية راح في رسائله لأصدقائه ينتقد شمولية ودكتاتورية النظام الستاليني ، مما أدى إلى اعتقاله لمدة ثمانية أعوام فرضت عليه بعدها الإقامة الجبرية في احدى قرى كازاخستان. في تلك الفترة تخلى عن الماركسية وتبنى الفكر الوطني الأرثوذوكسي. في عام 1956 اسقط عنه حكم الإقامة الجبرية وبدعم من خروتشوف نشر روايته"يوم في حياة إيفان دينيسفتش"التي يصور فيها وبدقة متناهية تفاصيل صغيرة ليوم طويل مضن من حياة إنسان روسي بسيط ، في المعتقل. وسرعان ما ترجمت هذه الرواية إلى اللغات الأجنبية. الأعمال الأدبية التالية : "في باحة الأم" و"حادث في محطة كاتشيروفكا" وغيرها ، تميزت بروحها الوطنية الناقدة.. وقد جلبت له هذه الأعمال الشهرة سواء في روسيا أو في الغرب ، لكنها جاءت شهرة مكللة بغضب السلطة ، إذ ما لبثت أن تراجعت عن ترشيحه لجائزة لينين.

في فترة بريجنيف منع سولجينيتسن من النشر وقامت وكالة المخابرات الروسية بمصادرة أعمالة وبعض مخطوطاته ، فوجه رسالة إلى مؤتمر إتحاد الكتاب السوفييت أثارت اهتمام الغرب ، انتقد فيها القوة المدمرة للرقابة وشرح فيها مصير أعماله...بيد أن هذه الرسالة حددت حلقة أخرى في مصيره هو ، فقد طرد على إثرها من اتحاد الكتاب السوفييت.

عندما نشرت روايتاه : "في الحلقة الأولى" و"الجناج السرطاني" في أمريكا والغرب ، عادتا عليه بشهرة أكبر خاصة وأنه انتقد فيهما أيضا النظام الاشتراكي والقمع ، فشنت عليه في الإعلام السوفيتي حملات تشهير منظمة....في عام 1970 منح سولجينيتسن جائزة نوبل في الآداب...وهنا أكد الكاتب مرة أخرى على نقاء معدنه ليعلن وبشجاعة غير مسبوقة أنه منح هذه الجائزة لأسباب سياسية محضة مع أن لجنة التحكيم نفت هذه التهمة. حقا لا بد هنا من روح خالصة في تكوينها الإنساني حتى تقوى على الارتقاء إلى فضاء سام تستطيع منه النظر بحيادية - وإن كان في ذلك ظلم للذات - إلى المعارك الباردة التي تدور رحاها على الأرض. فلأن إخلاصه كان في الدرجة الأولى لروسيا والأدب ، وليس إلى الشرق أو الغرب ، فقد جاء إعلانه ذاك بحسه النزيه ليشير إلى إدراكه العميق أنه قد يكون سلاحا يشهره أحد الطرفين في وجه الآخر.

في تلك الفترة عرضت عليه السلطة السفر لكنه رفض.

في العام 1971 صدرت له رواية "آب من العام 1914"التي قوبلت باستحسان شديد من قبل القراء نتيجة الفكر الأرثوذوكسي الوطني الواضح فيها. في عام 1973 صدرت له في الغرب رواية "أرخبيل جولاج" التي يصف فيها أيضا معتقلات التعذيب الستالينية ، يصفها بتلك الدقة التي تجعل القارئ يشعر بنفسه أثناء القراءة كما لو أنه يعيش في هذه المعتقلات ويعاني من عذابها . في العام نفسه - 1973 - أعطى مقابلة طويلة لصحفي أجنبي بدأت على إثرها مطاردة المخابرات السوفيتية له وانتهت بإسقاط الجنسية السوفيتية عنه وبنفيه من البلاد في آذار من عام 1974 بتهمة الخيانة العظمى.

في منفاه في الغرب لم يكف سولجينيتسن عن النقد ، لكنه في هذه المرة لم يقتصر على نقد الشيوعية ، بل راح في محاضراته ومقالاته ينتقد الليبرالية الغربية ، وقيم ديمقراطيتها ، ومادية فكرها الرأسمالي... مما أثار حفيظة ليس الغرب وحسب بل وقبل ذلك المعارضة الروسية الموجودة هناك وجلها من اليهود ، لاسيما العالم السوفييتي في الفيزياء - الحاصل على جائزة نوبل في العلوم - الليبرالي ساخروف ذي الأصول اليهودية. لقد وصفوه بالرجعي الطوباوي.

أنه لمن الملفت للنظر هنا أن هذا الكاتب الذي صمد قلمه في وجه القمع الشيوعي ، حافظ على قلمه مرفوعا في وجه الرأسمالية ، ثم أنه لم ينجر للوقوف في صف واحد مع المعارضة الروسية "اليهودية" . ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن ذلك لا يجسد فقط عمق رؤيته وتمييزه ما بين الوطني والانتهازي ، بل يجسد أيضا موقفه من اليهود. إذ يمكن القول أن اختلافه هذا معهم بمثابة امتداد لموقف عبر عنه في الكثير من كتاباته ، فهو ، وبجرأة غير معهودة ، يحملهم المسؤولية عن الدور السلبي الذي لعبوه في تاريخ روسيا ، منذ نشأتها ، مرورا بالثورة البلشفية التي - برأيه - ومن خلال قيادة اليهود لها (تروتسكي ) عملت على إشعال نيران الحرب الأهلية وعلى قتل عدد كبير من المثقفين الروس القوميين.

بينما راح سولجينيتسن يتنقل بين العواصم الأوروبية والمدن الأمريكية ، استمر في العمل على ملحمته "العجلة الحمراء" التي ابتدأها في عام 1960 ولم ينجزها إلا في عام 1990 ويمكن القول بأنها وثيقة تأريخبة للثورة الاشتراكية إذ تتناول المرحلة من عام 1914 حتى عام ,1917 وهي مكونة من أجزاء مختلفة الصيغ: هناك التقارير الصحفية المأخوذة من صحف تلك المرحلة ، والمقالات التي تعكس مختلف التوجهات السياسية ، والحوارات التاريخية الموثقة في الأرشيف كالحوارات التي كانت تجري بين الوزراء وفي أروقة البرلمان. وهناك أيضا وثائق ومحاضر تصف حالة الفوضى التي عمت الشوارع في تلك الأيام ، وبالطبع هناك شخصيات رئيسية وأحداث روائيه بعضها حقيقي وبعضها من تأليف الكاتب.

إذا وبعد أن خاض هذا الكاتب العظيم صراعا شاقا مع النظام الاشتراكي السوفييتي ، يخطر بالبال فورا أنه لابد عاد مصفقا ، ومنتصرا وفرحا بانهيار هذا النظام.. . لاسيما بعد أن أعيد إليه الاعتبار بإسقاط تهمة الخيانة العظمى عنه وبإعادة الجنسية إليه ، لكنه هنا أيضا فاجأ - وربما لم يفاجئ- العالم بموقفه... فقد راح ينتقد السلطة الجديدة تماما مثلما انتقد التي سبقتها ، بالروح الوطنية النزيهة والشريفة ذاتها.

في صيف عام 2007 أجرت معه مجلة "دير شبيغيل" الألمانية لقاءا صحفيا ، نشر أيضا في النسخة الروسية لهذه المجلة التي تصدر في روسيا تحت اسم "بروفيل ". وقد قوبل هذا اللقاء مثل جميع اللقاءات الصحفية التي أجريت مع الكاتب من قبل: باهتمام شديد سواء في روسيا أو في الغرب... إذ تحول إلى موضوع للنقاش والجدل في كثير من وسائل الإعلام العالمية.

هنا ترجمة - عن اللغة الروسية - لبعض مقاطع منه. اللقاء نشر بعنوان"كتب بالدم"

دير شبيغيل : السيد الكسندر سولجنيتسين. نرى هنا في مكتبكم أربعة طاولات للكتابة . في كتابكم الجديد الذي سيصدر في شهر أيلول في ألمانيا تتذكرون أنكم كنتم تكتبون حتى في وقت نزهتكم في الغابة،

سولجينيتسين: في معسكر الاعتقال كنت أكتب حتى على الحجر. وأحيانا أكتب بقلم رصاص على قصاصة ورق ، ثم أحفظ ما كتبت وأتخلص من الورقة.

شبيغيل: وهذه القوة لم تفارقكم حتى في أشد لحظات اليأس؟

سولجينيتسين: كنت أفكر: إذا فارقتني القوة ، فلتفارقني ، وسيكون ما سيكون . ثم بدأت الأمور تستوي ، وفي النهاية مر كل شيء بشكل غائم...

شبيغيل: ولكنكم على الأغلب لم تفكروا هكذا في شهر شباط في العام 1945 عندما قامت الاستخبارات العسكرية في منطقة بروسيي الشرقية باعتقالكم ، لأن رسائلكم من الجبهة كانت تحوي آراء صريحة وناقدة حول يوسف ستالين. مقابل ذلك حصلتم على ثماني سنوات اعتقال...

سولجينيتسين : كان ذلك في فورمديتا الجنوبية. كنا أنا ومجموعة قد نجونا للتو من كمين ألماني ، ووصلنا إلى كينيسبيرغ. حينذاك اعتقلوني. لكن التفاؤل كان دائما يرافقني ، والمعتقدات أيضا ، تلك التي كانت دوما تدفعني.

شبيغيل: أية معتقدات؟

سولجينيتسن: بالطبع المعتقدات كانت دائما تتغير وتتطور بمرور السنين. لكني كنت دائما مؤمنا بما أفعل ، ولم يحدث أن خنت ضميري.

شبيغيل: الكسندر إيسايفيتش ، عندما عدتم من المنفى إلى روسيا قبل ثلاثة عشر عاما ، أحبطتكم التغييرات التي حدثت في روسيا الجديدة. وقتها رفضتم الجائزة التي قدمها إليكم غورباتشوف. ثم رفضتم تقلد وسام من يلتسين. والآن وافقتم على قبول الجائزة الحكومية الروسية ، التي قرر منحكم إياها الرئيس فلاديمير بوتين. بوتين الذي كان رئيسا لتلك القوات الخاصة التي خلفت القوات التي لاحقتكم ذات يوم بقسوة وسممت حياتكم. كيف يمكن فهم ذلك؟

سولجينيتسين: في عام 1990 عرضت علي ، إطلاقا ليس من قبل غورباتشوف ، بل من قبل مجلس وزراء جمهورية روسيا الفيدرالية ، الداخلة في عداد جمهوريات الاتحاد السوفييتي الذي كان ما يزال قائما ، عرضت علي الجائزة على كتاب "أرخبيل الجولاج". رفضتها لأنني لم أشأ أن أكافأ شخصيا على رواية كتبت بدماء الملايين.

في عام 1998 ، عندما كان الشعب يعيش أسوأ حالات فقره ، وعندما أصدرت كتابي "روسيا في الإنهيار" ، أصدر يلتسين وبشكل شخصي أمرا بتقليدي أرفع أوسمة الحكومة. أجبت بأنني لا أستطيع أن أتقبل وساما من سلطة قادت روسيا إلى الكارثة.

الجائزة الحكومية الحالية يقدمها ليس الرئيس شخصيا وإنما مؤسسة مختصة رفيعة المستوى. في المجلس الأعلى للعلوم الذي رشحني لهذه الجائزة ، وفي المجلس الأعلى للثقافة الذي دعم هذا الترشيح يدخل أهم الأخصائيين في مجالاتهم. شخصيات مرموقة تحظى باحترام عال في البلد. ولكون الرئيس هو الممثل الأعلى للحكومة والدولة ، فإنه يقدم هذه الجائزة في العيد الوطني لروسيا. بتقبلي لهذه الجائزة عبرت عن أملي بأن التجربة الروسية المريرة ، التي قضيت عمري في دراستها ووصفها ستقينا من كوارث جديدة.

أجل ، كان الرئيس بوتين ضابطا في القوات الخاصة ، لكنه لم يكن محققا في وكالة المخابرات السوفيتية ، ولم يكن مسؤولا أو قائدا في معسكرات الاعتقال "جولاج". لم تكن القوات الدولية الخاصة ولا في أي دولة من الدول موضع احتجاج أو رفض ، بل على العكس مرحبا بها. ثم لنتذكر - لم يعب أحد يوما على جورج بوش الأب ماضيه في رئاسة وكالة المخابرات الأمريكية.

شبيغيل: طوال حياتكم كنتم تدعون السلطة للاعتذار عن ضحايا معسكرات الاعتقال "جولاج" وعن الإرهاب الشيوعي. هل وجدت مطالبكم آذان صاغية؟

سولجينيتسين: لقد تعودت أن الاعتذار العلني ، في كل مكان في العالم المعاصر ، هو أكثر فعل مرفوض من قبل الشخصيات السياسية.

شبيغيل: الرئيس الحالي لروسيا يعتبر أن انهيار الاتحاد السوفييتي هو أعظم كارثة جيوسياسية حدثت في القرن العشرين. يقول بأنه آن الأوان للكف عن نهش الذات في تنقيب الماضي لاسيما وأن هناك محاولات خارجية حثيثة لبعث مشاعر ندم لدى الروس ، مشاعر لا أساس لها. ولكن ألا تعتبر دعوة بوتين ذريعة بلا أساس تّقدم لأولئك الذين يريدون أن يُنسى كل شيء حدث داخل البلاد إبان العهد السوفييتي؟

سولجينيتسن : لكن ، وكما ترون ، هناك حالة قلق وتوتر تعم العالم: كيف تؤدي الولايات المتحدة الأمريكية دورها المحتكر في قيادة العالم ما أن أصبحت ، ونتيجة التغيرات الجيوسياسية ، هي القوة الوحيدة الأعظم في العالم؟ أما فيما يخص مسألة التنقيب في الماضي ، فللأسف ما زال ذلك الربط بين "السوفييتي" و "الروسي" الذي كنت ضده منذ العام 1970 ، ما زال قائما لغاية اليوم في الغرب وفي دول المعسكر الاشتراكي السابق وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة. تبين أن جيل السياسيين القديمين في الدول الشيوعية غير مستعد للاعتذار أو إظهار الندم ، بالمقابل فإن الجيل الجديد من السياسيين كان متحفزا لإلقاء التهم والمآخذ. أما مرمى اتهاماتهم فإن أنسب خيار وجدوه هي موسكو الحديثة. كما لو أنهم حرروا أنفسهم ببطولة وها هم يعيشون حياة جديدة ، بينما ظلت موسكو شيوعية. ومع ذلك أجرؤ على الأمل بأن هذه المرحلة غير الصحية ستمر ، وستعي جميع الشعوب التي عانت من ويلات الشيوعية أن المسؤول عن تلك البقعة المريرة في تاريخها ، هي الشيوعية ذاتها.

شبيغيل: مر ما يقارب التسعين عاما منذ أن هزت روسيا ثورة شباط ثم ثورة اكتوبر. هذان الحدثان يعتبران محوريين في جميع أعمالكم الأدبية . قبل عدة أشهر كتبتم مقالة طويلة أكدتم فيها فرضيتكم: الشيوعية لم تكن وليدة النظام الروسي السابق ، بل أن حكومة كيرينسكي في عام 1917 هي التي وفرت الفرصة للانقلاب البلشفي. بالاعتماد على منهج التفكير هذا ، هل يمكن القول أن لينين كان شخصية طارئة ، ظهرت في روسيا واستطاعت أن تستولي على السلطة فقط بمساعدة الألمان؟ هل نفهمكم بشكل صحيح؟

سولجينيتسين: لا. ليس صحيحا. تحويل ما هو ممكن إلى واقع أمر لا يقوى علية إلا الأشخاص ذوو الطاقات غير العادية. لينين وتروتسكي كانا شخصين ماهرين في اصطياد الفرص ، كانا مليئين بالطاقة ، استطاعا في اللحظة المناسبة استغلال ضعف حكومة كيرينسكي.

لكني سأصحح لكم :"الثورة الاشتراكية"هي اسطورة صنعتها البلشفية المنتصرة وتبناها بشكل كامل التقدميون في الغرب. في 25 أكتوبر في العام 1917 حدث وبليلة واحدة اغتصاب للسلطة. اغتصاب نظمه وأعده بشكل رائع ليف تروتسكي. لينين في ذلك الوقت كان فارا من المحكمة التي تلاحقه بتهمة الخيانة. أما ما يسمى بثورة عام 1917 الروسية ، فهي ثورة شباط. أسبابها المحركة كانت بالفعل تنبع من واقع روسيا ما قبل الثورة. لم أزعم في حياتي أبدا غير ذلك. كان لثورة شباط جذور عميقة (وهذا ما وضحته في ملحمتي"العجلة الحمراء ") . هذه الجذور تجلت في التناقض الحاد ما بين الفئة المتعلمة والمثقفة من جهة وما بين السلطة من جهة أخرى ، السلطة التي جعلت من جميع حلول الوسط"الكمبرميس"غير ممكنة...ولم تبحث عن أي مخارج بناءة للأزمة. وبالتالي فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق السلطة. من المسؤول عن غرق السفينة غير القبطان؟

أجل ، يمكن اعتبار الأسباب الموضوعية لثورة شباط هي نتاج النظام الروسي السابق. لكن هذا لا يعني أبدا أن لينين كان شخصية طارئة. بل أن المساهمة المالية للإمبراطور الألماني وقتذاك لم تكن كبيرة. في انقلاب أكتوبر لم يكن ثمة ما هو نتاج لظروف طبيعية في روسيا ، بل على النقيض: قصم ظهرها، الإرهاب الأحمر الذي أطلق له العنان من قبل قادة الانقلاب ، واستعداد هؤلاء القادة لإغراق روسيا بالدماء لهو دليل قاطع على ذلك.

شبيغيل: في كتابكم المكون من جزءين "مائتا عام معا" ، حاولتم مؤخرا كسر التابو الذي كان يحرم لسنوات نقاش التاريخ المشترك للروس واليهود. هذان الجزءان أثارا في الغرب حالة من عدم الفهم. فيهما تصفون بالتفصيل كيف أن اليهودي صاحب المطعم في العهد القيصري اغتنى ، مستغلا بؤس الفلاحين المدمنين. تقولون أن اليهود هم الصف الأمامي في رأس المال العالمي ، الذين قادوا تحطيم البناء البرجوازي. من مصادركم الغنية بوسعنا حقا أن نصل إلى نتيجة: أن اليهود أكثر من غيرهم يتحملون مسؤولية فشل تجربة المجالس التعاونية؟

سولجينيتسين: أنا بالتأكيد لا أقول ما يلمح إليه سؤالكم: لا أدعو إلى تحميل المسؤولية أو مقارنه المسؤولية الأخلاقية لهذا الشعب مع ذاك ، فضلا عن أنني أنفي تحميلي المسؤولية لشعب أمام آخر. دعوتي تكمن في إعادة التفكير. في كتابي بوسعكم أن تحصلوا على إجابة على سؤالكم:"...يتحتم على كل شعب أن يجيب أخلاقيا عن ماضيه ، وعن كل ما جلب له العار . كيف نتصدى لهذه المسألة؟ - في محاولة التفكير والتأمل والفهم: لماذا سُمح بذلك؟ أين تكمن غلطتنا؟ وهل من الممكن أن يتكرر ذلك؟

بهذه الروح يتحتم على الشعب اليهودي أن يجيب عن قادته الجزارين في الثورة ، وعن الكتائب الجاهزة لخدمته. لا يتحتم علي الشعب اليهودي أن يجيب عن ذلك أمام شعب آخر وإنما أمام أنفسهم وأمام وعيهم وأمام الرب. تماما مثلما يتحتم علينا نحن الروس أن نجيب عن الهجمات الشعبية التي كان يشنها الروس ضد اليهود وعن الفلاحين الذين بلا رحمة أشعلوا الفتائل ، عن أولئك الجنود المجانين الثوار ، وعن الضباط المتوحشين.



شبيغيل: يبدو لنا كتابكم "أرخبيل الجولاج" هو أكثر أعمالكم التي أثارت صدى في الغرب. في هذا الكتاب تصورون الطبيعة الشريرة للديكتاتور السوفييتي. اليوم ، وبالنظر إلى الخلف ، هل بوسعنا القول إن ذلك ساهم في الهزيمة التي تعرضت لها الشيوعية في كل العالم؟

سولجينيتسين : هذا السؤال لا يوجه إلي. ليس الكاتب هو من يتوجب عليه أن يعطي تقييمات كهذه.

شبيغيل : كيف تقيمون الفترة التي شغل فيها بوتين السلطة ، بالمقارنة مع غورباتشوف ويلتسن؟

سولجينيتسن: الحكم الغورباتشوفي يّذهل بسذاجته السياسية وبعدم خبرته وبعدم كونه أهلا للمسؤولية التي القيت على كاهله أمام البلد. تلك لم تكن سلطة ، بل تسليم وتفكيك متسرع للسلطة ، أما إعجاب الغرب حينها فقد عزز من سوء الوضع. ولكن هنا يجب الاعتراف أن غورباتشوف بالذات (وليس يلتسين كما يّقال اليوم ) هو أول من أعطى شعبنا حرية الكلمة وحرية الحركة. حقبة يلتسين تميزت بعدم تحملها المسؤولية عن حياة الشعب بدرجة لا تقل عن حقبة غورباتشوف ، ولكن في اتجاهات أخرى: التسرع المنفعل في تحويل الملكية الحكومية إلى ملكية خاصة. يلتسين أطلق العنان في روسيا لنهب جماعي لمليارات من الممتلكات الوطنية. لقد كان بأفعاله ودعواته إنما يدفع البلاد بشكل مباشر وصريح نحو التفتت ويعمل على تعزيز هذا التفتت. لقد حطم الدولة الروسية . وفي ذات الوقت حطم الدور التاريخي الفعال لروسيا ، ودورها على الساحة الدولية في العالم. مما أثار تصفيقا حارا من قبل الغرب.

أما بوتين فقد ورث دولة منهوبة الخيرات يعمها الخراب ، بأغلبية شعب فقد قيمه وأخلاقه وتم إفقاره لدرجة البؤس. فباشر بمشروع إصلاح الأمور - لنلاحظ : البطيء والتدريجي - الممكن. هذا المجهود كان ملاحظا فورا ، بل ومحل تقييم. ثم أن بوسعكم أن تجدوا في التاريخ الكثير من الأمثلة الشبيهة: متى كانت الجهود الرامية إلى بعث القوة من جديد في قلعة الدولة المتهالكة تقابل بترحيب من الخارج؟،

شبيغيل: هل روسيا بحاجة إلى الفكرة القومية؟

سولجينيتسين: مصطلح "الفكرة القومية" لا يحتوي على مضمون علمي محدد. يمكن الاتفاق في الرأي على أن هذه الفكرة التي راجت ذات يوم ، هي تصور لنموذج حياة يتمناه الجميع في البلاد ، تصور كان يسيطر على أذهان الكل.

هذا التصور - المفهوم الذي يوحد الجميع يمكن أن يكون مفيدا. لكنه لا يجب أبدا أن يكون مصطنعا أو مبتدعا من قبل السلطة العليا ، أو مفروضا بشكل قصري. في المراحل التاريخية المنظورة. أفكار كهذه ظلت صامدة. في فرنسا (بعد القرن الثامن عشر) وفي بريطانيا العظمى ، وفي الولايات المتحدة ، وفي بولندا وغيرها من الدول.

عندما بدأ النقاش المتسرع لمسألة "الفكرة القومية" في روسيا بعد انهيار الشيوعية ، حاولت أن أخفف من حدته بموقفي الرافض ، إذ وبعد كل الذي عانيناه من خسارات فادحة ، كانت قضية ممتلكات الشعب الذي يموت تكفينا لوقت طويل.

شبيغيل: ومع كل ذلك فإن روسيا عادة ما تشعر بنفسها وحيدة. في الفترة الأخيرة حدث انقطاع في علاقات روسيا مع الغرب ، بما في ذلك مع أوروبا؟ ما السبب؟ وبماذا يعجز الغرب عن فهم روسيا الحديثة؟

سولجينيتسين: الأسباب كثيرة ، لكن أكثر ما يثير اهتمامي هي الأسباب النفسية. وبالذات عدم تقاطع الآمال الواهمة - في روسيا وفي الغرب - مع الواقع. عندما عدت إلى روسيا في العام 1994 وجدت فيها حالة تكاد تصل إلى تقديس الغرب وأنظمته الحكومية. يجب الاعتراف بأن هذه الحالة لم تكن تعكس خيارا فكريا ومعرفيا بقدر ما كانت تجسد نفورا من النظام البلشفي ودعايته المروجة ضد الغرب. لكن الوضع بدأ يتغير ما أن قام حلف الناتو بالقصف العنيف لصربيا. بهذا الفعل لطخ الغرب صورته بخط أسود ، ولا أجانب الموضوعية إذا قلت أن هذا الخط من الصعب محوه لدى جميع طبقات وفئات المجتمع الروسي. ثم زاد الوضع سوءا حينما بدأ حلف الناتو بمحاولة جر الجمهوريات السابقة في الاتحاد السوفييتي إلى صفوفه ، وبالذات جر اوكراينا التي تربطنا بها علاقات دم وقرابة توحد ملايين العائلات. هذه العلاقات أصبحت معرضة لخطر القطع بسبب الحدود العسكرية للحلف الجديد. وهكذا فإن الموقف من الغرب الذي كان يعتبر حقا فارس الديمقراطية ، تغير إلى موقف آخر: محبط بفعل براهين تثبت أن أساس السياسة الغربية قائم على البراغماتية ، وأركز هنا على أنها براغماتية انتهازية... استعراضية. الكثيرون في روسيا آلمتهم هذه الحقيقة ، كأنها انهيار آخر للمثل.

في ذات الوقت ، فإن الغرب الذي راح يحتفل بنهاية الحرب الباردة التي أنهكت قواه ، وراح يراقب حقبة غورباتشوف وحقبة يلتسين اللتين امتدتا على مدار عقد ونصف ، راقت له الفكرة المبسطة بأن روسيا أصبحت واحدة من دول العالم الثالث... وهكذا ستبقى مدى الحياة. ولكن حينما بدأت روسيا بالنهوض الاقتصادي والحكومي ، قوبل هذا النهوض في الغرب - الذي ، ربما ، ما زال يعاني في لاوعيه من الرعب - بالخوف والتوتر.

شبيغيل: هل أعاد ذلك إلى ذهن الغرب فكرة القوة العظمى - الاتحاد السوفييتي؟

سولجينيتسين: أبدا. فقبل ذلك سمح الغرب لنفسه بأن يعيش في وهم ( وربما في خبث مبطن ) أن روسيا شابة في ديمقراطيتها ، في الوقت الذي كانت فيه الديمقراطية غير موجودة أصلا في روسيا. بالطبع روسيا اليوم ما زالت دولة غير ديمقراطية. إنها تتعلم بناء الديمقراطية. وليس هناك ما هو أسهل من تقديم لائحة طويلة بالخروقات والمآخذ والأخطاء. ولكن ، في الصراع الذي بدأ بعد 11 أيلول ، ألم تمد روسيا يدها بعلنية ووضوح لمساعدة الغرب؟ فقط بعدم التقبل النفسي ( وعلى الأغلب بانعدام أفق الرؤيا ) يمكن تفسير هذا الصد اللاعقلاني لتلك اليد. الولايات المتحدة ، وبعد أن حصلت على مساعدتنا الكبيرة في أفغانستان ، سرعان ما توجهت إلى روسيا بمطالب جدية وجديدة. أما مآخذ أوروبا على روسيا فجذورها واضحة للعيان ، تلك الجذور التي تنبع من مخاوفها - غير المبررة - بشأن مسألة الطاقة.

شبيغيل : في جميع أعمالكم الإبداعية تمر فكرة حول تأثير الأرثوذوكسية على العالم الروسي. ما هي اليوم طبيعة التوجهات الأخلاقية لدى الكنيسة الأرثوذوكسية؟ يبدو لنا أنها من جديد تتحول إلى كنيسة سلطة ، كما كانت قبل مائة عام: مؤسسة ، في واقع الأمر ، هي التي تمنح سلطة الكرملين شرعيتها ، بوصفها ممثلا للرب.

سولجينيتسين: بل على العكس ، إذ يجب أن نندهش ، كيف أنه وبعد مضي سنوات قليلة فقط على الزمن القمعي الذي كانت فيه الكنيسة تابعة للنظام الشيوعي ، استطاعت هذه الكنيسة أن تحصل على استقلاليتها. لا تنسوا العدد المريع للضحايا البشرية التي تحملتها الكنيسة على مدار القرن العشرين. إنها الآن بالكاد تحاول النهوض. أما حكومة ما بعد السوفيتية ، الشابة فبالكاد تحاول تعلم احترام الكنيسة ككيان مستقل. البرنامج الاجتماعي للكنيسة الأرثوذوكسية يتقدم على برنامج الحكومة. في الفترة الأخيرة قام الأب كيريل - وهو الممثل الأعلى للسلطة الروحية في الكنيسة - والمعبر الأوضح عن موقف الكنيسة ، بدعوة ملحة لتغيير نظام الضرائب. في خطوة لا تتفق بتاتا مع توجهات الحكومة ، وقد فعل ذلك علنا على محطات التلفزيون الرئيسية.

" منح الشرعية لسلطة الكرملين" ؟ لابد أنكم تقصدون مراسيم دفن يلتسين التي تمت في الكاتدرائية الكافيدرالية ، والتراجع حينها عن طقوس الوداع الجماعي التي كانت تتم في السابق؟

شبيغيل: بما في ذلك هذا الأمر.

سولجينيتسين: حسنا، على ما يبدو أن ذلك كان الوسيلة الوحيدة لاحتواء وتلافي الغضب الشعبي الذي لم يبرد بعد من يلتسين خشية أن ينفجر في مراسيم الجنازة في حال أقيمت حسب طقوس التشييع الجماعي. لكنني لا أرى في ذلك أساسا لفهم هذا السلوك على اعتبار أنه إرساء متفق عليه لتقليد مستقبلي في مراسيم دفن القادة الروس. أما فيما يخص الماضي فإن الكنيسة تؤدي صلوات متواصلة ليلا ونهارا من أجل ضحايا الإعدامات التي قام بها النظام الاشتراكي ، في ضواحي موسكو وفي سولوفكي وفي أماكن أحرى تكتظ بالمقابر الجماعية.

شبيغيل: ماذا يعني الدين لكم؟

سولجينيتسين: بالنسبة لي هو أساس ومدعم لحياة الإنسان الشخصية.

شبيغيل: هل تخافون الموت؟

سولجينيتسين: لا ، منذ زمن طويل لم أعد أهاب الموت. في شبابي ظل موت أبي المبكر يرفرف من حولي. كنت أخشى أن أموت قبل أن أنجز أفكاري الأدبية. ولكنني ما بين الثلاثين والأربعين من عمري توصلت إلى حالة من الاطمئنان الذاتي في علاقتي مع الموت. أحسه كحالة طبيعة لكنها ليست بالضرورة نهاية لوجود الذات.

شبيغيل : دعونا نتمنى لكم المزيد من سنوات العطاء الإبداعي،

سولجينيتسين: لا. لا. لا... ما عشته يكفي،



ہ روائية أردنية

Date : 05-09-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش