الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حين يتحول السجن إلى قصيدة موشومة على الجسد

تم نشره في السبت 24 أيار / مايو 2008. 03:00 مـساءً
حين يتحول السجن إلى قصيدة موشومة على الجسد جمال الموساوي

 

 
قد تكون كتابات السجن مجرد تطهير لذوات أصحابها ، أو محاولة للتخلص من ثقل فظاعات الجراح والألم ، وقد تكون أيضا أعمالا أدبية يشكل الخيال جزءا من بنيتها ، وهي فرصة للوقوف على جزء من الثمن الذي دُفع من أجل أن يعيش المغرب تحوله اللازم والضروري. وقد كان هذا الثمن باهظا في كل الحالات ، سواء تعلق بالموت في الأقبية المظلمة الباردة أو بالاختفاء الأبدي. وبقدر ما تعكس هذه الكتابات معاناة كتابها فهي تساهم في تشكيل وعي من لم يعايشوا تلك المرحلة حيث اتسع هامش الحرية اليوم وصار الخوف من الكلام أقل ، مما فتح المجال لكتابات السجن ومراراته لتكون أكثر غزارة ولتعبر عن وحشية المرحلة بجرأة أكبر ، ونقد أكثر مضاضة. وفي سياق هذه الكتابات التي تناسلت في السنوات الأخيرة ، مثل رواية "كان وأخواتها" لعبد القادر الشاوي التي صدرت بينما كان الكاتب يمضي عقوبة السجن ، يأتي كتاب الطاهر محفوظي "أفول الليل ، يوميات من سنوات الجمر والرصاص". وإذا كان ثمة من ملاحظات أولية حول هذا الكتاب ، الذي صنفه صاحبه في خانة اليوميات ، فهي أن هذه اليوميات لا تحمل تواريخ تشير إلى الأيام التي كتبت فيها ، على عادة اليوميات كما نجد في "يوميات بوليفيا" لتشي غيفارا مثلا ، باستثناء الرسائل المنشورة في الفصل المعنون ب"رسائل اغبيلة" ، واغبيلة سجن بمدينة الدار البيضاء قضى فيه الكاتب ، والكثير من المعتقلين السياسيين فترات من" عقوباتهم". ويمكننا هنا أن نقرأ ، معاناة السجناء الذين يعيشون خارج الزمن على مستويين أولهما أن ما تعرضوا له من تنكيل وتعذيب ومحاكمات غير عادلة وتهريب بعيدا عن أعين الأهل وغير الأهل يتنافى مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي من بينها الحق في المحاكمة العادلة ، بتعبير آخر كان هؤلاء في مغرب خارج العصر الذي عرف ميلاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وشهد تقدما واسعا باتجاه ضمان الحريات الأساسية للأفراد. وثانيهما أنهم كانوا فعلا خارج الزمن حيث إنهم لم يكونوا يعرفون اتجاه عجلة الوقت.

تتجاور في هذا الكتاب أجناس كتابية متنوعة بين النثر والشعر والرسائل إضافة إلى قاموس "مصطلحات سجنية" المبثوث في الصفحة 168 ، ولم يفت القاص أحمد بوزفور في كلمة على ظهر الغلاف أن يلحظ هذا التعدد بقوله " يضم هذا الكتاب قطعا نثرية صغيرة ومعنونة وكذلك أشعارا ورسائل ، وأعتقد أن الشعر الموجود في القطع النثرية أجمل وأعمق تأثيرا".

لا يقدم الطاهر محفوظي في " أفول الليل" تجربة سجنه بمعزل عن الواقع السياسي العام في المغرب ، قبل اعتقاله وأثناءه وبعد إطلاق سراحه ، والكتاب بذلك توثيق لمرحلة كاملة من تاريخ المغرب الحديث. يتفاعل فيه التاريخ الشخصي للسارد ـ المؤلف مع تاريخ رفاقه في التجربة ، وتاريخ نضال اليسار الجديد في المغرب مجسدا بالأساس في منظمتي "إلى الأمام" و 23" مارس" والنقابة الوطنية للتلاميذ. خيال عاطل الوقائع التي يقدمها الكاتب هي وقائع عارية ، يبدو فيها الخيال عاطلا ، أو أن الطاهر محفوظي ، بالأحرى ، عطله عن قصد متوخيا الاقتراب ما أمكن من بعث هذه الوقائع كما حدثت بالفعل ، ويمكن أن نستدل على ذلك بجملة كتبها في المقدمة التي استهل بها الكتاب " لقد توخيت الصدق والدقة ، فإن أخطأت أو قصرت فلرفاق التجربة أن يصححوا أو يضيفوا ، فكلهم لازالوا أحياء باستثناء المرحوم ادريس جنتير". وهكذا نصادف في الكتاب إضافة إلى لائحة بأسماء رفاق السجن ، والقاضي الذي حكم على المجموعة مع نص الحكم ، شخصيات مغربية ثقافية وسياسية كان لها الأثر العميق في مسار مجموعة من الأحداث التي عرفها المغرب خلال الستينيات والسبعينيات ، ومنها من امتد تأثيرها إلى يوم الناس هذا مثل المهدي بن بركة الذي لم تكشف بعد جميع الخيوط المرتبطة باختفائه ، وبهذا يبقى الكاتب وفيا للوقائع وتداعياتها.

ألم وسخرية يرتبط الألم في "أفول الليل" في مستوى أول بالتجربة الحياتية للذات التي أنتجتها ، وفي مستوى ثان للذوات التي يشكل أصحابها شخصيات الكتاب ، وبهذا فإن "أفول الليل" يصدر عن ركام من الألم الجسدي المادي والروحي المعنوي ، وهو ليس ألما قائما على الخيال الأدبي من خلال إبداع مسارات مفترضة لهذه الشخصيات بل بألم حقيقي امتزج فيه السوط بالحرمان ، إمعانا في مضاعفة الألم وإرغام السجناء ، قبل تقديمهم إلى المحكمة ، على الإدلاء باعترافات ، ولعل أصدق صور الألم الجسدي التي جاءت في الكتاب هي عنوان اليومية السادسة في الصفحة 19 "انتزاع الروح أو الاعترافات" بحيث لا يجد المعتقل أمامه أكثر من خيارين أحلاهما مر ، والكاتب يدقق في وصف هذه الحالة الفارقة والعصيبة في الصفحة ذاتها بقوله " أنت متشبث بروحك ، تحب الحياة ، وهم لا همَّ لهم إلا المعلومات ، الرفاق ملح الأرض وخميرة هذا الشعب ، وهم أعز من الروح ، ، ، والسوط لن يتوقف دون أن تهدي لإله القسوة والجبروت مزيدا من اللحم الآدمي قربانا" هذا الوضع يؤكد بقدر ما أن الألم لم ينته ، حتى بعد خروج السارد ـ الكاتب من السجن في تاريخ محدد هو يوم 28 أبريل 1975 ، ب"سراح مؤقت" ، ذلك أنه لم يعد الأمر يتعلق بحرية مسلوبة أو بسجن تعسفي ، بل بواقع يعيش تحوله الشامل ، تحول صارت فيه قبضة السلطة أقوى ، ولم تترك هامشا لأحد. هكذا يخرج الألم من فضاء السجن ، ليخيم على فضاء الحرية ، ويجعل متعتها ناقصة ، ففي أول أيام حريته يذهب السارد للتعزية في رفيق ، ويبكي بكاء مرا ، وهذا أحد تجليات الألم المرتبط بالحرمان ، وقد اتخذ الحرمان في الكتاب مظاهر كثيرة ، لعل أبرزها السجن نفسه حيث الحرمان الأكبر ، الانزواء في زنزانة ضيقة ، لاجترار اللحظات والتساكن مع الذكريات التي تزيد الألم اشتعالا ، وقد كانت وفاة الأب أولى بوادر الحرمان ، ثم جاء دور الأم ، لتتوالى المآسي.. كل ذلك لم ينته مع إطلاق السراح "المؤقت" سنة 1975 أو البراءة التي حصل عليها من المحكمة سنة 1976 "بعد تعذيب شديد وتجويع ومحاولات فاشلة للتركيع وبعد السجن والإضرابات عن الطعام" (ص (313 ، بل اتخذ الحرمان أشكالا أخرى بموت بعض الرفاق ، وبالمنع من السفر ، وكأن الحياة لا تريد أن تتسع ، وأن الكماشة لا تريد إرخاء قبضتها.

السخرية لعل السخرية هي أكثر الأسلحة فعالية لتجاوز الوضعيات المأزقية ، خاصة عندما يكون المرء أعزل من أي سلاح آخر ، ولا يلجأ الكاتب إلى هذا السلاح إلا لتحقيق هذا التجاوز ، يقول عزيز الوديع " السخرية في الكتابة عن السجن تعال عن حالة الاعتقال والتعذيب واستهزاء منها"(2). تأتي السخرية في على صهوة المفارقة التي أنتجتها العديد من المواقف ، وحولها الطاهر محفوظي بكثير من الدقة إلى مفارقات لغوية ، تضحك بقدر ما تؤلم ، فهو يحول جلسة تعذيب إلى لحظة فكهة ، كي يجعل ألمه الذاتي أقل. يبقى "أفول الليل" جزءا من كتاب السجن الذي لم ينته بعد ، وربما لن ينتهي قريبا ، مادام أن ثمة من لم يتكلم بعد ، وأكثر من ذلك ، ما دام أن هناك من لن يكتب أبدا ، إما لأنه مات هناك وإما لأنه يحمل كتابه موشوما على جسده.

- شاعر وصحافي مغربي



Date : 24-05-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش