الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لا وجود لهوية إلا مقابل هوية أخرى : الأنا والآخر والارتباك الفاصل بينهما

تم نشره في الجمعة 23 أيار / مايو 2008. 03:00 مـساءً
لا وجود لهوية إلا مقابل هوية أخرى : الأنا والآخر والارتباك الفاصل بينهما د. فيصل درّاج

 

 
هل صعود خطاب الأنا والآخر ، الذي جاء به بعض الفلاسفة الغربيين في العقود الأخيرة ، هو ما يدفع الناقد الأدبي إلى الأخذ به ، أم أنّ صورة العربي - المسلم اليوم هي التي تملي هذا الحديث؟ وهل تشتق المواضيع من المصطلحات المتجددة أم أن هذه المواضيع ، معقدة كانت أم بسيطة ، موجودة قبل فلسفة جاك دريدا وبعدها؟ ألم يعرف حقل الأفكار ، في الفلسفة ، كما في الأدب ، أفكاراً شبيهة رغم اختلاف الكلمات؟ وهل يمكن الحديث عن "أنا" دون الرجوع إلى التاريخ الفعلي الذي كوّنها ، وأقام مسافة بينها وبين "آخر" له تاريخ متميز خاص به؟ يعرف العاملون في النقد الأدبي ، منذ انتشار أعمال الروسي ميخائيل باختين في الثلث الأخير من القرن الماضي ، ما عرف بـ "الخطاب الحواري" ، الذي تحدّث عن أنا كاتبة ، أو مكتوبة ، لا تكتمل إلاّ بغيرها. تأمل باختين أديباً (دوستويفسكي)يلقّن شخصياته الكلام وتلقنه شخصياته الكلام ، مؤكداً أن كل كلام حي يحتاج إلى كلام آخر ، يضيئه ويطوّره ويكشف عن معناه. نقض الناقد ، وهو يحجب قولاً سياسي المضمون بلفظية أدبية ، الصوت المنفرد المستبد الذي يختصر الكلام إلى ثنائية التلقين والاستظهار ، حالماً بكلام متعدد العناصر تصوغه فرديات حرة متنوعة. لم يكن ما جاء به الناقد الروسي إلاّ صياغة مغايرة لموضوع "الأنا" الممتدة في غيرها ، و "الآخر" الذي اجتمعت في خطابه أنوات متعددة.

وسواء وقع خيار الناقد الأدبي على فلسفة دريدا ، الفيلسوف الذي قال عن ذاته أنّه كيان هجين يتعايش فيه الفرنسي والجزائري واليهودي والغربي ، أم آثر الاكتفاء باجتهاد باختين ، فهو لن يعطي شيئاً مفيداً إلاّ إذا مايز بين الخطاب النظري وموضوعه المادي الملموس ، الذي يفيض على كلام نظري. يظهر الأمر واضحاً ، بقدر أو آخر ، في الرجوع إلى القاعدة القائلة: إنّ قوة الكلام من قوّة المتكلّم ، ذلك أن العلاقة بين الأنا والآخر مسكونة بميزان قوى محدد ، لا يوزع الكلام على الطرفين بأقساط متساوية. وجاء في الموروث العربي: أن كلام الملوك ملوك الكلام ، مشيراً إلى العلاقة بين الكلام والقوة ، وإلى إمكانية الحوار وسرابه: إذ الضعيف يتوسّل الحوار ولا يصل إليه ، وإذ القوي يعتبر الحوار منجزاً قبل البدء به.

وواقع الأمر أن خطاب الأنا والآخر ، في شكله العاري ، هو خطاب الهوية ، حيث رفع شعار الهوية والتصفيق له ، كما الزهد بمصطلح الهوية أو رفضه ، تعبير عن تاريخ يفصل بين الطرفين وتعليق عليه. فلا وجود لأنا إلاّ داخل تاريخ اجتماعي - ثقافي أنتجها ، ولا وجود لآخر إلاّ في علاقة مع آخر غيره ، اعترف به أو أخضعه ومنع عنه حقوق الاعتراف المتبادل. ولعل هذا الفرق ، الذي يعيّن القوة مرجعاً لطرفين ، هو ما أنتج مفهوم "الهوية العربية" في القرنين التاسع عشر والعشرين ، لأنه لا وجود لهوية إلاّ مقابل هوية أخرى ، ولا حديث عن الهوية إلاّ في مجال قوامه طرف مهدّد وآخر متفوّق عليه يسوسه بأدوات الوعيد والتهديد. والسؤال هو : ما هي حدود الأنا والآخر في شرط تاريخي يقول بأنا مهدّدة وبأخرى مهدّدة لها؟ ألا يحمل مصطلح الأنا والآخر ، إذا جرّد من سياقه ، تعميماً أقرب إلى التجهيل؟ وإذا كانت "الأنا" ، كما "الآخر" ، تبدأ بلام التعريف ، ألا يفرض ذلك قراءة هذه الأنا في شروطها المشخصة وفي التاريخ الذي أفضى إليها ، وفي نزوعها المستقبلي الذي يتلامح مآله في الحاضر؟ أليس في مقولة "الأنا والآخر" ما ينقل ، بشكل مبسّط ، أفكاراً أدبية - نظرية إلى حقل أكثر تعقيداً مثل حوار الثقافات أو صراع الحضارات؟ في روايته "عائد إلى حيفا" أنتج الفلسطيني غسان كنفاني ، أدبياً ، معنى الأنا والآخر ، بعد أن حرّر المعنى من تجريده ، وقرأه مشخصاً في شروطه المشخصة. قابل الفلسطيني ، الذي أتاحت له هزيمة حزيران 1967 أن يزور بيته المغتصب ، الإسرائيلي المنتصر ، حاوره وعرف أسباب انتصاره وتعلّم منه ، ورجع مقتنعاً أن كل مآل إنساني يترجم الجهد الذي بذل فيه. وسواء قبل القارئ بما انتهى إليه الروائي الفلسطيني أو رفضه ، فإن الواضح الأكيد في الخطاب الروائي يتمثل بأمرين: تقضي معرفة الآخر الاعتراف به والتعرّف على الأسباب المادية والمعنوية التي جعلته منتصراً ، ومحاولة التعلّم منه ، لأن لانتصار ، كما الهزيمة ، ظاهرة إنسانية قابلة للقراءة والتحليل. يشتق الأمر الثاني من الأول ويكتمل به ويقول: لا تستطيع الأنا أن تواجه الآخر ، حواراً أو نزالاً ، إلاّ إذا عرفت ذاتها أولاً ، كما يقول سقراط ، وكشفت عن مواقع الضعف والقوة في بنائها ، وإلاّ عاشت وهماً مزدوجاً: وهما عن ذاتها وتحويل الآخر إلى وهم لا يمكن التعامل معه.

إذا تركنا النموذج الروائي الفلسطيني جانباً ، وتأملنا السياق العالمي الراهن الذي يزاوج ، البعض فيه ، بين الإرهاب والإسلام ، أو بين العرب والتخلّف ، أصبح لزاماً على العربي ، أو على العربي - المسلم ، أن يطرح على ذاته أسئلة ثلاثة: من أنا؟ فلا تمكن معرفة الآخر دون معرفة الأنا ، من أين جاء ضعفها ، وما هي الأسباب التي جعلت الآخر متفوقاً؟ يحيل السؤال الأول على القومية العربية ، التي يقبل بها بعض العرب لا كلهم ، وعلى الإسلام ، الذي يأخذ به الكثير مرجعاً ، وعلى العروبة والإسلام معاً ، كاشفاً عن ذات لم تتوحّد بعد. وإذا كان في ارتباك الأنا ، التي تريد أن تكون قومية ودينية وطائفية في آن ، ما يؤسس لضعفها ، فإن هذا الارتباك يزداد ويتسع ، حين تنظر الذات المرتبكة إلى الآخر. ذلك أن ذاتاً إسلامية ، دينية المبدأ والمنتهى ، تختزل العالم ، والغربي منه بخاصة ، إلى كيان ديني محض ، وهو تفسير يجافي الحقيقة. وكذلك حال الذات القومية المغلقة ، التي تختصر الحضارة الغربية إلى العنف والاستعمار ، وصولاً إلى ذات إسلامية - قومية انتقائية ، عاجزة عن أن ترى العالم في الأسباب التي أفضت إلى توحيده. وبداهة فإن المطلوب ليس الفصل المريض بين الإسلامي والعروبي ، ولا الفصل الأكثر مرضاً بين العرب والعالم ، بل المطلوب هو الوصول إلى منظور متسق يبدأ من الحاجات الفعلية لا من الأفكار الوهمية والمتوهّمة.

اختصر الأديب المصري مصطفى صادق الرافعي الغرب ، في النصف الأول من القرن الماضي ، إلى مجتمع مادي مأخوذ بإشباع الغرائز ، واختصره آخرون ، يتناتجون حتى اليوم ، إلى عقول عدوانية وأخلاقية مريضة. أدار الطرفان حديثهما في مجال الاختراع ، أي أنهم اخترعوا غرباً لا يعرفون عنه شيئاً ، ولا يعترفون به ولا يطلبون منه أن يعترف بهم. وبداهة فإن اختراع الآخر لا يكتمل إلاّ باختراع الأنا ، بما يمنعها أن ترى حاضرها وأن تقرأ تاريخها ، وأن ترى في قراءة تاريخ الأنا وتاريخ الآخر بدعة ، تحرّض عليها النفوس الضعيفة. وواقع الأمر أن اختراع الآخر لا يتم إلاّ في حالين: حال الجهل المتغطرس ، الذي يمارسه بعض المنتسبين زوراً إلى الإسلام متناسين أن الحضارة الإسلامية تعلّمت من غيرها وعلّمت غيرها ، حال التفوق المتغطرس ، الذي أمر مؤرخاً فرنسياً هذا العام (سيلفيان جونجهايم) ، أن يمحو كلياً دور الحضارة الإسلامية في نقل التراث اليوناني إلى أوروبا العصور الوسطى.

يستلزم الحديث عن الأنا والآخر اعترافاً موضوعياً بإمكانية الطرفين ، يميّز بين الفصل والاختلاف ، ذلك أن الفصل يقوّض الجسور الإنسانية ، على خلاف الاختلاف ، الذي يرى إلى إنسانية موحدة في تعدديتها. بل إن الاختلاف يدافع عن التعددية ويأمر بها ، لأن غياب الاختلاف يؤدي إلى التجانس المتعسف ، الذي يؤسس لأشكال مختلفة من العنف والممانعة المتعصبة. وما حديث الأنا والآخر إلاّ حديث عن الاختلاف المنتج ، الذي يدفع إلى الابتكار والتقارب ، شريطة وعي الأسباب الموضوعية التي تعطي التنوع في الوحدة والوحدة في التنوع.

هل العالم موحّد ، وإذا كان موحدّاً فهل يمكن الانسحاب منه؟ يشكّل الاعتراف بوحدة الزمن العالمي شرطاً لكل حديث عن الأنا والآخر ، ذلك أن الذين يتوهمون إمكانية الخروج منه والرحيل إلى ماضً بعيد لا يحتاجون إلى حوار زمنهم ، ولا إلى تبادل الاعتراف مع الذين بنوه ويعيشون فيه. ولعلّ وهم الرحيل إلى ماضً بعيد هو الذي يجعل العقول المغلفة تختصر كل ما خارجها إلى عدو تنبغي محاربته والتخلّص منه. يصبج الآخر عندها ، هو العدو ، وتغدو الأنا قاضياً مستبداً يوزّع ما خارجه إلى مراتب ، ويقترح لها مواقع مختلفة في النعيم والجحيم. ومن الطريف أن رافضي العالم الموحّد ، كما العولمة ، يقبلون ما يرفضونه وفقاً لمنطق انتقائي ، يدعهم يرفضون الآخر ويقاتلون بسلاحه ويستعملون تقنياته بأشكال مختلفة. والأمر في النهاية قائم في وحدة القيم والمعرفة ، وفي معنى الزمن التاريخي الذي أنتجهما ، ذلك أن القيم منظومة مجرّدة لا تفعل ، ولا تحقق ما تريد ، إلاّ انطلاقاً من المعارف الجديدة ، فالمعرفة قوة ، سواء كانت معرفة عن الآخر أو معرفة عن الذات ، متحرّرة من الأوهام.

من أين تأتي قوة الأنا ، بلغة معينة ، أو قوة الهوية بلغة أخرى؟ تصدر هذه القوة عن تعددية العناصر التي تبني الأنا - الهوية المفترضة. فإذا كان العنصر الديني ، كما الوازع القومي ، يشكل مستوى من مستويات الأنا ، فإن هذه الأخيرة لا تقوى على الوقوف دون الاستفادة من معارف الآخر المتراكمة ، والتعرّف على الوجوه الإيجابية في الخبرات المختلفة للمجتمعات المتقدمة ، كان ذلك في السياسة والثقافة والقوانين أو في المناهج المدرسية. إن الانفتاح على الآخر قوة ، لا بالمعنى الأخلاقي البسيط الذي ينهى عن احتكار الحقيقة ، بل بمعنى سير البشر جميعاً إلى هدف مشترك ، وانتمائهم جميعاً إلى زمن عالمي لا يمكن الانسحاب منه. والأمر لا جديد فيه ولا بدعة ، فقد أسهب في الحديث عنه المصري رفاعة الطهطاوي ، في القرن التاسع عشر ، وطه حسين وسلامة موسى وروحي الخالدي في القرن العشرين. وما الفوات التاريخي ، الذي يعيشه العرب اليوم ، إلا ترجمة لمنطق الاختراع ، الذي يستبدل بوقائع الحضارة الحديثة بلاغة قديمة ، أو يقع في تصور انتقائي محاولاً الجمع بين أزمنة تاريخية متعددة لا تقبل بالجمع والمصالحة.

ہ ناقد ومفكر فلسطيني

Date : 23-05-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش