الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

براءة يوسف شاهين فنياً من تلميذه خالد يوسف

تم نشره في الجمعة 9 أيار / مايو 2008. 03:00 مـساءً
براءة يوسف شاهين فنياً من تلميذه خالد يوسف أحمد طمليه

 

 
لا أدري هل يؤخذ عليه أم يسجل للمخرج يوسف شاهين أنه مخرج نخبوي ، يتعامل مع النخبة ، وآخر ما يهمه شباك التذاكر وعدد الحضور في القاعة ، بل وماذا يمكن أن يكتب عن فيلمه ، فالأهم بالنسبة له أن ينجز رؤيته السينمائية على النحو الذي يريده.

وإذا كان هذا الأمر يؤخذ على يوسف شاهين فلأنه يبتعد به عن نبض الناس ، فلا يعود ملتزماً بالواقعية التي تعد سحر الشاشة كما أبدعها أقرانه من المخرجين وعلى رأسهم الراحل صلاح أبو سيف. وبالتالي فإن أفلام شاهين في الكثير من الحالات ، فيها شي من الذاتية أو النرجسية ، كما لاحظنا ذلك في سيره الذاتية عبر فيلمي "اسكندرية ليه" و"اسكندرية كمان وكمان" ، وباستحضاره الرمزي للتاريخ ، كما في "المصير" ، و"المهاجر".

غير أن هذه الذاتية لم تنل من قدرة شاهين على تقديم فيلم نخبوي بحت ، ليس على صعيد الفكرة والأسلوب فحسب بل وحتى في قدرته على اختيار الكادر الذي يعمل معه ، وفي قدرته على إنجاز فيلم لا زيادة فيه ولا نقصان ، فالحوار في أفلامه موجز ومعبر ، والصورة تنطق بما تكشفه ، ولا يوجد في إطار الشاشة ما هو خارج السياق ، حتى الدور البسيط الذي يؤديه الكومبارس ، فهو متقن في حدوده ، تماماً كحال الإضاءة الخافتة المنبعثة من أحد المنازل البعيدة ، وصوت سكون الليل ، والسيارات العابرة.

وقد نجح شاهين في هذا السياق بتقديم وجوه جديدة على الساحة سرعان ما أصبح لها شأن في عالم السينما ، أمثال الممثل هشام سليم الذي جاء به صبياً يافعاً ليؤدي دوراً في فيلم "عودة الابن الضال".

وقد تجرع هشام سليم الدرس وما زال حتى اللحظة لا يحيد عن الحضور البهي. والأهم من ذلك أن شاهين أعاد صياغة الكثير من الممثلين ، وأعاد الوهج لأغلبهم ، فمن رأى نبيلة عبيد في فيلمه "الآخر" لا يقول إنها هي نفسها التي ظهرت في عشرات الأفلام التجارية قبل ذلك وبعده. ومن رآه وهو يعيد ماجدة الخطيب إلى الشاشة في فيلم "سكوت حنصور" ، يوافقه الرأي بأن ماجدة كانت لا تزال تعطي. ولا يغيب عن ذهني الدور الذي أدته الممثلة لبلبة في فيلم "الآخر" فيكفي أن هذا الدور أعاد للبلبة الكثير من الثقة بالنفس.

وإذا كان كل مخرج يستهويه العمل مع ممثل ما كما لاحظنا كيف اعتمد المخرج الراحل عاطف الطيب على نور الشريف في أكثر من فيلم سينمائي فأبدعا معاً أعمالاً لا تنسى مثل "سواق الأتوبيس" و "ليلة ساخنة" ، وذلك قبل أن ينتبه عاطف الطيب للممثل أحمد زكي فأكمل معه المشوار وأبدعا "الهروب" ، والبريء". وبالمقابل فإن من استهوى شاهين من الممثلين وكان يحترم العمل معه هو الممثل محمود المليجي وقد أبدعا معاً ، فيلمي "الأرض" و "عودة الابن الضال". ولعل في اختيار شاهين لهذا الممثل أكثر من دلالة تصب في مصلحة شاهين.

أتحدث عن المخرج يوسف شاهين وفي ذهني تلميذه خالد يوسف الذي تربطه بأستاذه علاقة خاصة لدرجة أن المخرج خالد سمّى نفسه خالد يوسف تيمناً بيوسف شاهين. ومن هذا المنطلق تابعت المخرج التلميذ لأرى كيف يستفيد التلميذ من أستاذه: هل يقلده ، أم يضفي على ما تعلمه جديداً ، أم يتعثر ولا يعود قادراً على اللحاق بالأستاذ؟ ووجدت أن خالد يوسف تعثر وأنه ليس قادرا على مجاراة الأستاذ ، وفيما يلي التفاصيل:

بعد سلسلة من الأعمال الفنية السينمائية المشتركة بين المخرجين كان آخرها فيلم "هي فوضى" ، بدأ خالد يوسف يعمل منفرداً من أجل الخروج بمشروعه الخاص. ويبدو أن فكرة النخبوية بالطريقة التي يلتزم بها يوسف شاهين لم تكن حاضرة في ذهن التلميذ فحاول أن يطيح بها وينجز أعمالاً موجهة مباشرة للجمهور وأن يعتمد في نجاحه أو فشله على إيرادات شباك التذاكر ، فأنجز في هذا السياق سلسلة أفلام بتوقيعه الخاص ، منها فيلم "أنت عمري" الذي حاول من خلاله تقديم دراما رومانسية.

وقد أوشك أن يوفق في ذلك لولا غلطته في الثلث الأخير من الفيلم عندما قرر أن يمضي بالأحداث إلى آخرها. فبدل أن ينهي الفيلم الذي يحكي قصة رجل مصاب بالسرطان يتعلق أثناء رحلة علاجه بصبية مصابة بالسرطان أيضاً فيحبان بعضهما البعض ، إذا به ينهي الفيلم عندما تعلم الزوجة (منة شلبي) بهذه القصة ويدور صراع لدى الرجل (هاني سلامة) هل يعود إلى زوجته وابنه أم يكمل المشوار مع حبيبة القلب الجديدة (نيلي كريم). خالد يوسف اختار أن يخرج عن السياق ويسمح للأيام أن تمر إلى أن يصبح الطفل شاباً وتتوثق العلاقة بين الزوجة والحبيبية ويوارى الزوج التراب. ومثل هذه الإطالة لم تكن مبررة على الإطلاق.

ومن أفلامه أيضاً "خيانة مشروعة" الذي واصل فيه الاقتراب أكثر وأكثر من شباك التذاكر فقدم قصة بوليسية تدور حول قاتل يقتل شقيقه للحصول على الإرث كاملا ، ثم يحدث تحول في شخصية هذا القاتل بعد أن توثق علاقته بأرملة شقيقه ، ولاحظنا في هذا الفيلم كيف حاول خالد يوسف أن يلعب على عنصر التشويق على حساب روح الفيلم ونبضه.

ونقف ، أخيراً ، عند المحطة الأهم في مسيرة المخرج خالد يوسف ، والمتجلية بفيلمه الأخير "حين ميسرة" الذي حاول فيه أن يخوض غمار الواقعية على أرضها ، أي على أرض الحواري العشوائية في القاهرة ، وكيف يتنامى هناك الفكر ويتلاقى مع العنف ، وينتهي إلى التطرف والارهاب. ورغم القسوة التي تعمد المخرج إظهارها ليقول إنه عبر عن الواقعية بتفاصيلها القاسية ، إلا أن الفيلم كله خرج من بين يديه وذلك حين أضفى على تلك الأحياء كل الاكسسوارات التي تخطر وقد لا تخطر بالبال.

إنه يشحن سكان تلك الأحياء بالنبض ، فبدا الناس في الأحياء الشعبية العشوائية ، وكأنهم لا يعيشون بقدر ما يصطلون بنار الشوق والحرمان والجوع.

وفقدت الأفعال مبرراتها ، تماماً مثل التحول الذي طرأ على ابن الحي الشاب ، الذي انتقل بلمح البصر من شاب مسالم شهم ، إلى إرهابي متطرف ، وكذلك حال ابنة الحي (سمية الخشاب) الذي تعمد المخرج اغلاق البواب في وجهها ليجد لها مبرر الانحراف ، مع العلم أننا كلنا نعلم أن الأبواب لا توصد مرة واحدة إلا في وجه من يريد في قرارة نفسه ذلك. أما الأم (هالة فاخر) التي أراد المخرج أن يبرز من خلالها البذرة المتجذرة في عمق الأرض ، فقد بدت أشبه بممثلة "موتورة" تؤدي مونودراما تراجيدية غير موفقة على خشبة مسرح يخلو من الجمهور.

على العموم ، ليس في نيتي أن أسهب بالحديث عن هذا الفيلم ، بقدر ما أردت رصد المسافات التي تتسع يوماً بعد يوم بين يوسف شاهين ، الأستاذ النخبوي الذي يقول ما يدور في ذهنه وينام ليله الطويل ، وبين خالد يوسف التلميذ الذي يصل ليله بنهاره لعله ينجح في قول ما يريد أن يقول،



ہ ناقد سينمائي وكاتب أردني

Date : 09-05-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش