الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرد على النكبة فشل عملياً ونظرياً * النكبـة في الفكـر والأدب

تم نشره في الجمعة 16 أيار / مايو 2008. 03:00 مـساءً
الرد على النكبة فشل عملياً ونظرياً * النكبـة في الفكـر والأدب د. زهير توفيق

 

 
أصبحت ثلاثية (الوحدة - التحرير - التقدم ) ثلاثية متناقضة لم ينتبه لترتيبها المنطقي والزمني فهل تحرير فلسطين مقدمة للوحدة أم أن الوحدة نتيجة للتحرير وهل التقدم سبب للوحدة؟ أم أن الوحدة سبب للتقدم

هزت نكبة فلسطين سنة 1948 البنى العربية المادية والفكرية ، واستلزم الرد عليها إعادة النظر الشاملة بتلك البنى للإطاحة بها وتجاوزها في جميع المجالات ، وخلقت السجالات الفكرية والسياسية اللاحقة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي نشوء تاريخانية او فلسفة تاريخ واعية حينا عند كبار المفكرين ، وعفوية شعبوية أحيانا عند الجماهير وكتاب الايدولوجيا ، واستلهمت تلك الكتابات على تباين مستوياتها تجارب الأمم الحية التي تعرضت للكوارث والنكبات ، ونهضت على قدميها من العدم كطائر الفينيق ، كما تم استحضار التاريخ العربي الإسلامي للتدليل على دعواها بالنهوض والتغلب على الكارثة ، وتشكيل وعي تاريخي بصيرورة الواقع والأحداث.

ونظرت تلك الكتابات للتاريخ وكأنه يعيد نفسه ، او يفترض أن يعيد نفسه لتسويغ تحليلاتها ونتائجها في مراحل السقوط والنهوض ، وكشفت تلك الكتابات عن التلازم بين الاحتلال الأجنبي ، وبين التفكك والانحطاط. كما كشفت عن علاقة التلازم بين الانتصار وبين القوة والوحدة ، واستحضرت للتدليل على ذلك جملة من الأعلام والأحداث والمقولات وأهمها المغول - الصليبيين - صلاح الدين - وحدة مصر والشام - تحرير القدس بعد تسعين عاما ، لربط الحاضر البائس وتفسيره بالماضي الخرب ، ولتسويغ العمل والأمل بالمستقبل المنشود بواسطة الماضي المجيد.

والملفت للنظر في هذا السياق الفلسفي تجاهل ابن خلدون ونظريته في قيام وانهيار الأمم والدول ، فهي في محصلتها العامة لا تفيد منهجياً ولا نفسياً في الرد على النكبة الشاملة ، فجوهر النظرية الخلدونية يتلخص بمقولته الشهيرة إذا وقع الخراب وهو هنا النكبة فلا رادّ له ولا قيام بعده. وهي نظرية يائسة مثبطة للعزائم ومدمرة للأمل والعمل.

وكان على المفكر العربي البحث عن نظرية أكثر وجاهة وتماسكا ، وتسويغ العمل والأمل في نفس الوقت ، فوجد ضالته في نظرية التحدي والاستجابة لارنولد توينبي ، التي سيطرت في ذلك الوقت على الدوائر الفكرية والأكاديمية ، واكتسبت حضورا عالميا وعربيا ، واحتراما منقطع النظير ، خاصة لمؤلفها المؤرخ توينبي ، الذي وقف موقفا شجاعا ضد المشروع الصهيوني في فلسطين ، وندد بالتواطؤ البريطاني ، واعتبر اغتصاب فلسطين جريمة تاريخية ، وندد باليهود في كتابه الموسوعي تاريخ العالم الذي استقرأ فيه حضارات العالم للوصول لنظريته ، واعتبر حضارتهم حضارة متحجرة ، وقد استلهم كبار المفكرين العرب هذه النظرية ، وخاصة نديم البيطار ، وقسطنطين زريق ، واعتبروا النكبة بغض النظر عن نتائجها الكارثية فرصة العرب للرد والتحدي ، واستنهاض الهمم والإرادة لتغيير الواقع تغييراً شاملاً. فكتب قسطنطين زريق: وهو المفكر القومي الكبير ، الذي علّم جيلاً كاملاً من المناضلين تحت عنوان معنى النكبة "إن المتتبع لتاريخ الأمم وتطور الحضارات ليلاحظ أن نشوءها وتقدمها منوطان بما يكتنفها من صعاب وشدائد ، وليس صحيحا ما يقوله البعض من أن الحضارات ظهرت أولا في بلاد خصبة الأرض ، سهلة الموارد ، جيدة المناخ ، فاليسر والسهولة لم يكونا يوما من الأيام سبيلا إلى النمو والتقدم. وإنما نشأت الحضارات ونمت عندما جابهتها في محيطها الطبيعي او البشري مصاعب ومشاكل دعتها إلى جهد الفكر وبذل النفس للتغلب عليها. فكان في هذا البذل والجهد سبب تقدمها وسبيل خلاصها أن النكبة التي نزلت بنا اليوم إذن محك لوضعنا الداخلي الحاضر ، فإذا كانت عوامل الرجعية والانحلال هي المسيطرة علينا فإن هذه النكبة ستزيدنا ضعفاً وانحلالا وتفرقاً ، أما إذا كان لعوامل التقدم والنمو بعض القوة حتى لو لم تكن سائدة ، فان الصدمة العنيفة التي تلقيناها خليقة بان تعزز هذه العوامل وتمشي بها قدما بمزيد من الهمة وتراكم اثر" وطالب د. زريق العرب أفراداً وجماعات بأن يتفحصوا ويمتحنوا حالهم وإراداتهم ويحاسبوا أنفسهم ويثوروا على مواطن الضعف والتشتت فيها ويحتفظوا بعناصر القوة ويمكنوها من ذاتهم ، فإن فعلوا ذلك خرجوا كما يقول من هذه النكبة أمضى عزيمة وأقوى اتحادا ، وكان لامتهم رجاء في الحياة وعدة للمستقبل وعند ذلك فقد يكون للنكبة معنى ايجابياً بنائياً ، وعندها ((يخرج من العسر يسر ومن الاضطراب عزم وصفاء ومن النكبة انتصار)) وكانت أسرع نتائج النكبة هي النتائج السياسية ، فقد وجهت أصابع الاتهام مباشرة للأنظمة القائمة وللنخب الإقطاعية والبرجوازية العليا وصنفت تلك الفئات والأنظمة إما عاجزة او متواطئة ، وشهدت المرحلة سيلا جارفا من الإنشاء اللفظي السياسي والايدولوجيا ، وحملت المرحلة بالانقلابات والثورات والحركات السياسية ، فئات ونخب وطبقات جديدة ذات أصول متواضعة معظمها من المثقفين والبرجوازية الصغيرة ، أسقطت الأنظمة الليبرالية والطبقات المحافظة ، وتسلمت مقاليد السلطة ، وعبرت عن مواقفها بمنتهى الثورية والراديكالية مثل: حركة القوميين العرب ، والضباط الأحرار ، والأحزاب اليسارية والقومية ، التي طالبت بالثار والتغيير الشامل ، وهيمنت الايدولوجيا ، وتراجعت المعرفة ، وافتقرت العقائد الفكرية والسياسية لمضامين اجتماعية وعلمية تسوغ نفسها كمشاريع كبرى للرد على النكبة وتجاوزها.

فالمطلوب الحشد والتعبئة وحرق المراحل والتحرك السريع لاستئصال الوجود الصهيوني قبل تجذره واستفحال أمره ، وتراجعت العقلانية وخَفَتَ صوت دعاة الليبرالية والتدرج والإصلاح ، وارتفع صوت الراديكالية والثورية وعصر الجماهير الصاخب وهدير القومية ، أما الديمقراطية التي تتطلبها معركة التحرير فذهبت ضحية الوحدة والتعبئة الشاملة ووجود قائد ملهم فذ ، وأصبحت شعارات الوحدة والتحرير والثأر شعارات مقدسة لا تعلوها شعارات ولا مبادئ للرد على"التجزؤ والتفكك والقطرية والتخلف وأذناب الاستعمار".

وأصبحت ثلاثية (الوحدة - التحرير - التقدم ) ثلاثية متناقضة لم ينتبه لترتيبها المنطقي والزمني فهل تحرير فلسطين مقدمة للوحدة أم أن الوحدة نتيجة للتحرير ، وهل التقدم سبب للوحدة؟ أم أن الوحدة سبب للتقدم. ولم يكتشف تناقضاتها المعرفية إلا بعد عشرين سنة عند د. محمد عابد الجابري في نقد الخطاب العربي المعاصر.

وتوالت ردود الأفعال السياسية على النكبة ، وكان أعمقها ما حصل في البلدان المجاورة التي انخرطت مباشرة في القضية الفلسطينية ، او وجدت نفسها متورطة في شروطها واستحقاقاتها السياسية والجغرافية ، وبرهنت الثورات والانقلابات على مستوى الاستقطاب والاختزال السياسي لموضوع التغيير على صعيد الوسائل والغايات ، فلا تغيير إلا بالسيطرة على السلطة السياسية ، وهذا ما حصل في العراق وسوريا ومصر العربية ، رغم نفي القائد الخالد جمال عبد الناصر في كتابه فلسفة الثورة التأثير المباشر لنكبة فلسطين في قيام ثورة يوليو ، إلا انه عدل عن موقفه بعد اتضاح الصورة وحجم الكارثة والخطر الصهيوني ، فأشار في البند العاشر من الميثاق الوطني الصادر سنة 1964 إلى أهمية ومركزية القضية الفلسطينية في السياسة والإستراتيجية المصرية ، وأشار لعزم الجمهورية المصرية على تخليص فلسطين من الوجود الصهيوني واعتباره اخطر جيوب الاستعمار في المنطقة.

وولدت النكبة في الأنظمة الأخرى التي صمدت في وجه الانقلابات حالة من عدم الاستقرار وحدا أقصى من الحراك السياسي.

أما على صعيد الفكر والأدب فقد نقلت النكبة الأدب العربي إلى الرومانسية الثورية وتجلت في الإبداعات الشعرية والروائية والمسرحية والقصصية فيما بعد ، وانتشرت مقولات التجديد والحداثة والأدب الملتزم والمثقف الثوري وغيرها ، وعبرت تلك الأعمال الأدبية عن النكبة بما توفر من أدواتها الإبداعية ، فظهر على صعيد الرواية روايات: لاجئة لجورج حنا سنة 1952 ، وطريق العودة ليوسف السباعي سنة 1958 ، وبيت وراء الحدود لعيسى الناعوري 1959 ، ودقت الساعة يا فلسطين ليوسف سالم سنة 1962 ، وستة أيام لحكيم بركات 1961 ، وظهرت أعمال غسان كنفاني الروائية والقصصية مثل: رجال في الشمس ، وما تبقى لكم ، والبرتقال الحزين.

وظهر جيل جديد من أدباء فلسطين يمكن تسميتهم بأدباء النكبة ومنهم: اسحق موسى الحسيني ، وراضي صدوق ، ومحمود السمرة ، وهارون هاشم رشيد ، وبشير القبطي ، وعبد الكريم الكرمي وغيرهم.....

وصدر من القصص القصيرة المعبرة عن النكبة قصص إحسان عبد القدوس (بعيدا عن الأرض) و الفتافيت وسهيل إدريس العراء وشيخ الكرامة والليل والأسلاك وقصص فريد أبو مريد إننا عائدون بالإضافة لسليمان فياض الإنسان والأرض والموت. وقصص أمين فارس ملحس وعيسى الناعوري ومحمود سيف الدين الإيراني وغيرهم.

وفي مجال المسرح ظهرت بعض الأعمال الكاملة ومنها: تسع بنادق فقط والفدائي الصغير حسن لخليل الهنداوي ، ومحاكمة إسرائيل أمام المجلس الأعلى الآلهة محمد رفعت ، ولا تدفنوا الموتى لنديم خشافه ، والأب والابن لسميح ياسين ، والهدف الكبير لجميل الجبوري وزهرة من دم ليوسف إدريس.

وتفجر الشعر السياسي بنمطية الكلاسيكي والحر ، وتم تسويغ الشعر الحديث واثبات حضوره بانهيار البنى الرجعية التقليدية ماديا ومعرفيا جراء النكبة الشاملة ، وضرورة البحث عن تقنيات وموضوعات شعرية جديدة تتجاوز الموضوعات والأشكال التقليدية لتحقيق الحداثة الشعرية ، وعبّر الشعراء العرب عن مأساة فلسطين كمحمد مهدي الجواهري الذي استشرف أبعاد الكارثة قبل وقوعها وفرضت موضوعات البطولة والأمل والتحدي والمخيم والحنين إلى الوطن السليب والعزيمة ورموز التاريخ العربي والعالمي فرضت نفسها على الشعر العربي وتجلى ذلك في دواوين عبد الكريم الكرمي: المشرد الصادر سنة 1953 ، ودواوين هارون هاشم رشيد مع الغرباء ، وعودة الغرباء ، وغزة على خط النار ، وظهرت دواوين أخرى لخليل زقطان ، وسلمى خضرا الجيوسي (العودة من النبع الحالم) ، ويوسف الخطيب ، والشهيد كمال ناصر ، وكتب الشعراء العرب في نكبة فلسطين مثل: محمود حسن إسماعيل ، وعلي محمود طه ، وعمر أبو ريشة ، وظهر جيل شاب من الشعراء والأدباء الفلسطينيين في الستينات وأبرزهم: محمود درويش ، الذي حولته نكبة فلسطين إلى شاعر عالمي ، وحول قضية فلسطين إلى قضية الإنسان في كل مكان.

وانتقلت أصداء النكبة إلى شعراء المهجر ، فكتب الياس فرحات ، وجورج صيدح ، أشعارا تندد بالتخاذل العربي ، وسمح لهم بعدهم في المهجر قول ما لا يقال. ونشرت إبداعات الشعراء والأدباء العرب في مجلات: الكاتب ، والهلال ، والآداب ، وشعر ، والدفاع ، وغيرها.

أما على صعيد الفكر العربي ، فلم يتبلور الوعي السياسي كمشروع ذاتي مستقل قادر على الرد وابتكار الردود والبدائل ، واغلب ما كتب كان يفتقر للتحليل المنهجي ، والوزن النوعي ، باستثناء بعض الإصدارات ، وأهمها كتابات: قسطنطين زريق ، ووليد قمحاوي ، ووليد الخالدي ، ونديم البيطار: وموسى العلمي ، وعبدالله الريماوي ، والموسوعة التاريخية: بلادنا فلسطين لمصطفى الدباغ.

أما قسطنطين زريق فأصدر عقب النكبة مباشرة كتاباً صغيراً بعنوان (معنى النكبة) في آب 1948 ، ثم عاد وأصدر كتاباً آخر أكثر نضجاً وتماسكاً بعد نكسة 1967 ، بعنوان (معنى النكبة مجدداً).

وحلّل في الكتاب الأول أبعاد النكبة وفداحة الخسارة ، وأشار إلى أن الانتكاسة الأعظم هي ما أصاب روح الأمة ومعنوياتها ، فهي اخطر من الخسائر المادية ، فالانكسار المعنوي يعني الاستسلام ، وأشار د. زريق لمسؤولية المثقف والمفكر العربي في تحديد طرائق الحل والخلاص ، وحمّله مسؤولية الانخراط في المعركة الشاملة ، وطالب بتسويغ مجال النقد الذاتي لكشف أوجه القصور والخلل في الحياة العربية ، وطرح طريقين لتجاوز النكبة والقضاء على الخطر الصهيوني ، والطريق الأول ما سماه بالمعالجة القريبة: أي الإجراءات الواجب اتخاذها حالاً لمواجهة الخطر الصهيوني وهي: "تقوية الإحساس القومي بالخطر الصهيوني على الكيان العربي لتحقيق أقصى درجات التعبئة والحشد. و"شحذ إرادة الكفاح ، ويتطلب هذا الإجراء: التعبئة الحسية والإرادية للمواطن العربي ، وتعبئة الجهود المادية في جميع الميادين ، وتوحيد الجهود العربية بأي شكل وحدوي ممكن ، وإشراك القوى الشعبية في النضال ، وإتقان أساليب المساومة للتضحية بالمصالح الآنية ، والمكاسب الصغيرة لدرء الخطر الأكبر." أما الحل الجذري الذي طرحه د. زريق للتخلص من الخطر الصهيوني وكل خطر أجنبي فلا يتم إلا بقيام كيان عربي قومي وحدوي وتقدمي. أما عناصر التقدم التي طالب بها زريق: فهي اقتباس عناصر التقدم الغربي: الآلة ، والصناعة ، وفصل الدين عن الدولة ، والانفتاح على الحضارات والتجارب الإنسانية ، وإعداد نخبة من القادة والزعماء المؤهلين لقيادة الأمة ، وإنشاء نخبة مناضلة منتظمة في الأحزاب والمنظمات.

وبعده اصدر موسى العلمي كتيباً سنة 1949 بعنوان (عبرة فلسطين) ، فحلّل طبيعة الحرب ومعنى النكبة ، ورصد أسبابها البعيدة والقريبة ، الداخلية والخارجية ، وأشار للتآمر البريطاني والعربي ، والفوضى والقصور في أداء الزعامات والجيوش العربية ، وخلص العلمي إلى أن أهم أسباب الهزيمة النكراء هي تفكك العرب إلى دويلات متنافسة ، وتخلف أجهزة الدولة العربية السياسية والإدارية ، وخشية تلك الأنظمة من تحريك الجماهير للرد على الخطر الصهيوني.

أما طريق الخلاص من النكبة فهي طريق الوحدة الشاملة أولا ، ونظراً لجسامة الهدف وتعقيده ، فقد أشار إلى تحقيقها المرحلي ، لتبدأ بوحدة البلدان المتقاربة ، والوحدات الإقليمية: التي تتمتع بشخصية إقليمية وتاريخية واحدة مثل: وحدة بلاد الشام ، ثم وحدة الهلال الخصيب (الشام والعراق) ، وهكذا حتى نصل الوحدة العربية ، أما وسائل هذه الوحدة فهي الوسائل السلمية والدستورية ، وثانيا لا بد من تجديد شامل لكافة شؤون الحياة العربية للدخول في عصر التقدم والقوة.

أما وليد قمحاوي ، فاصدر كتابا كبيرا وشاملا سنة 1956 بعنوان (النكبة والبناء) وهو خليط منهجي وموضوعي من السياسة والتاريخ والفلسفة ، فرضته الضرورة الموضوعية للإحاطة بالنكبة في كليتها ، واتبع ما يشبه المنهج التاريخي المقارن ، فبحث في الأسباب القريبة والبعيدة للنكبة في عصور الانحطاط العربي الإسلامي ، وخاصة العهد العثماني ، وركّز على طبيعة هذا الخراب الذي أصاب الذات العربية ، التي سمحت لعشرات الغزوات والغزاة بالمرور واحتلال الأرض العربية ، كما بحث في أصول الحركة الصهيونية ، وعلاقاتها الدولية بالدول الكبرى والدول العربية ، وفي موضوع البناء ، وهو الجزء الثاني من الكتاب ، فقد افترض أن النكبة كافية بحد ذاتها لتحقيق صدمة عميقة لإيقاظ العرب من رقدتهم ، والنهوض من جديد ، مستلهماً تجارب الأمم الحية ، التي حققت التفوق والانتصار بعد الكوارث والنكبات (مستلهما نظرية التحدي والاستجابة) أما أدواته النهضوية فهي الاهتمام أولا بالمواطن العربي وتكوين النخب العقائدية التي تسير في طليعة الركب لتحقيق الأهداف المرحلية ثم البدء بنهضة شاملة: اجتماعية تقضي على التمزق والانقسام: واقتصادية تتضمن العدالة والمساواة: وعلمية تضمن نظاما تعليميا عصريا وتعميم العلم والثقافة وتنشيط العقل وتوسيع افقه: سياسية أساسها الوحدة العربية الشاملة التي تتكون من أربع وحدات او ولايات هي شمال أفريقيا ووادي النيل والهلال الخصيب والجزيرة العربية.

أما نديم البيطار وهو المفكر القومي والسياسي الكبير ومؤسس حزب البعث ، فقد اصدر في فترة متأخرة نسبيا كتابة الفعالية الثورية في النكبة 1965 وتعود أهميته إلى مستواه النظري والمنهج الذي يليق بمفكر كبير لتجاوز اللفظية والإنشاء الأيديولوجي الذي ملأ الساحة الفكرية ، مضيفاً الجدل الماركسي والهيغلي إلى نظرية التحدي والاستجابة ، مؤمناً بالحتمية التاريخية ، التي تفسح المجال للإرادة للكشف عن فاعليتها وأصالتها ، وفي الكتاب كشف البيطار عن مهام الفكر العربي الثوري تجاه النكبة ، وتتمثل بالكشف عن الطبيعة الثورية التي تنطوي عليها النكبة ، وطبيعة مضمونها الانقلابي ، ثم الكشف عن معناها بالنسبة للوجود العربي ، والتعرف على الاتجاهات والقوانين الثورية التي تتفرع منها ، وأخيرا ، الدعوة إلى العمل بوحي من تلك الحقائق. وهو كغيره كما ذكرت في المقدمة يستوحي نظرية توينبي بالتحدي والاستجابة ، وأما النتائج هذه المنطلقات فهي أن النكبات والكوارث التي تخضع لمنطق عام تؤدي إلى نتائج متقاربة ومتشابهة. والتفكير الصحيح هو الذي يكشف عن الاتجاهات العامة التي تثوي وراء الأحداث الجزيئية ، فالنكبة تنطوي على إمكانيات ثورية تلقائية تفرضها طبيعة النكبة ذاتها ، وللنكبة مضمون ثوري ودورها الخلاق في التاريخ دور غدا معروفاً. ويضيف أن أهم نتائج النكبات فهي: انحلال المواقف والنظم التقليدية والرجعية ، وتوليد حركة ثورية تتجاوزها "إن نكبة فلسطين ستكون في المدى البعيد قوة ثورية كبيرة في تحويل العربي إلى إنسان جديد وبهذا المعنى يضيف البيطار "تخلق النكبة في تحقيقها ذاته المتناقضات والأسباب التي تنقضها وتتجاوزها ، فهناك ضرب من ديالكتيك النكبة الثوري يجعل النكبة قادرة على توليد نقيضها لأنها محملة ببذور القضاء عليها وما يؤكد ذلك مثلا أن المغلوب يقلد الغالب وان كل حركة ثورية تتأثر بعدوها وتقلد الشيطان الذي تحاربه".

ورفض البيطار كما هو متوقع المحاولات الجزئية او الإصلاحية للرد على النكبة ، وطالب بان تكون محاولات الرد لتجاوزها عميقة شاملة ، وطالب بتجديد عقائدي يؤدي إلى تجديد نفسي روحي للأمة العربية ولا يتم ذلك إلا بقيام فلسفة جديدة وأيديولوجيا ثورية قادرة على التعبئة والحشد وإضاءة الطريق.

أما جمال حمدان ، المفكر الشاب وأستاذ الجغرافيا السياسية والاستراتيجي في العهد الناصري ، فكتب العديد من الدراسات والأبحاث التي تناولت أبعاد النكبة ، والوجود الصهيوني على ارض فلسطين ، نشر معظمها في مجلتي الكاتب والفكر المعاصر ، وعالج بكتاباته قضايا التحرر والاستعمار ، والقضية الفلسطينية ، وأثر ذلك في السياسة المصرية ، واستراتيجياتها العليا ، ومن معالجاته النظرية مقالة نشرها في مجلة الكاتب جاء فيها"لا شك ابتداء أن قضيتي العرب الكبريين وهما فلسطين والقومية العربية كتجسيم وتحقيق لتحرير الأرض السليبة والقومية العربية لا شك أنهما مثاليا وعلى المستوى النظري لا يتعارضان ولا يتسابقان بالضرورة بل هما يتكاملان ويتواكبان بحيث يمكن أن تسير كل منهما جنبا إلى جنب ويدا في يد ، فليس بينهما بالضرورة أولويات او أسبقيات ولو أن سبق الوحدة اشد فائدة بصورة مباشرة لتحرير فلسطين ، وذلك بالقياس إلى تحرير فلسطين الذي يمكن لتحقيقه بالمقابل أن يفجر شلال الوحدة عارماً محطما.

ذلك هو الوضع مثالياً ، وكما ينبغي أن يكون ، غير أن الشيء الذي يبدو لا أننا نريد أن نفهمه وندركه بعمق حتى الآن ، والذي يفسر الموقف الداخلي الحافل بالمتناقضات والعداوات في المعسكر العربي هو أن القضيتين العلويتين قد كتب عليهما عمليا وفي الواقع أن يتناسبا تناسبا عكسيا ، كما كانا قطبين متنافرين ، والأسف كل الأسف ، أن واقع الحال العربي هو أن كل عمل جدي من اجل الوحدة ليبعدنا عن تحرير فلسطين ، بينما أن كل عمل جدي من اجل تحرير فلسطين يبعدنا عن الوحدة ، والذي يفسر هذا الانتهاء الخطير: هو وحدة التناقض الجذري بين التقدمية والرجعية ، فالعقبة الآن في سبيل تصفية الرجعية هي وجود إسرائيل ، وبتحديد أكثر ، هناك بلا شك وبكل أسف من العرب من له مصلحة محققة وان كانت مبطنة وغير منظورة في استمرار إسرائيل ، وباختصار أن الرجعية العربية هي سياسيا وفي حساب القضايا الفلسطينية المعادل الموضوعي لاستعمار إن لم يكن للصهيونية ذاتها".

تلك ابرز الكتابات والموضوعات التي عالجت النكبة وعكست عمق الصدمة وأبعادها الكارثية وفي نفس الوقت عكست عزيمة لا تلين وثقة بالنفس وإصرارا على تجاوزها ونفيها الجدلي مادياً وفكرياً ، إلا أنها حفلت بالمثالية ، وطغيان الايدولوجيا ، ولهذا فقد جاءت هزيمة حزيران 1967 (نفي النفي) لتضع حداً للمثالية ، واليوتوبيا ، والرومانسية الثورية ، لأن الرد على النكبة فشل عملياً ونظرياً ، مما ضاعف المهام ، وعمّق النقد الذاتي ، وتطلب الأمر إعادة النظر بالمعطى كله ، وإشهار سلاح النقد قبل نقد السلاح.



ہكاتب أردني

[email protected]

Date : 16-05-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش