الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الحاق الانسان بالآلة : التطور الوسطي بين الانسان والمادة

تم نشره في الجمعة 26 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 مـساءً
الحاق الانسان بالآلة : التطور الوسطي بين الانسان والمادة

 

 
فايز محمود

مع تقدم العلوم في العصر الحديث ، بدأ الانسان بدراسة الطبيعة من منظور تجريبي ، قصد الكشف عن علل الطبيعة واسبابها وسلوكها - وصياغة هذه المعرفة الوضعية في صورة قوانين علمية وصفية ، تمكن الانسان من السيطرة على الطبيعة ، او التحكم في قواها ، قصد تسخيرها لمنافعه الآنية والمستقبلية.

وهكذا انتقلت المعرفة الانسانية من محاولة تستهدف «تقدم الانسان داخليا» - الى معرفة ، هي اداة الانسان الكفؤة في «السيطرة على الاشياء».

ونشأت الحضارة الغربية الحديثة ، منذ القرن السادس عشر على وجه الخصوص ، من الاهتمام المتزايد المطرد بالصورة الثابتة من المعرفة - وهكذا انتهت هذه الحضارة الى ما وصلت اليه من حضارة موغلة في المادية ، استأصلت انسانية الانسان وافقدته ذاته وحولته الى «شيء» و«آلة».

وفي هذا الاتجاه المعرفي ، صار العلماء والفلاسفة اليوم يميزون بين ثلاثة اصناف من العلوم:

1 - العلوم الرياضية والمنطقية

2 - العلوم الطبيعية

3 - العلوم الانسانية

تشمل العلوم الرياضية والمنطقية - تشمل دراسة العلوم الصورية كالرياضيات والمنطق والتي يكون مقياس الصدق والتثبت فيها: هو اتساق الفكر بين المقدمات والنتائج.

وتصطنع مناهج استدلالية صورية ، مقدماتها فروض ومسلمات ومبادىء اولية واضحة بذاتها ، تدرك مباشرة وبالحدس.

ومجالها المباحث الرياضية والمنطقية المجردة.. وغايتها صياغة قوانين الكم عددا «الحساب» ، وشكلا «الهندسة».. وتتميز بالضرورة والدقة واليقين - وذلك ناتج عن انفصال هذه العلوم المطلق عن معطيات الواقع المادي المتغير.

تشمل العلوم الطبيعية كل دراسة تتناول الظواهر المادية الجزئية ، بمناهج تعتمد الملاحظة والتجربة والاختيار ، ويكون مبدأ التحقق فيها مطابقة نتائج الكشف العلمي للواقع التجريبي.

وكما وتقصد الى وضع قوانين نظرية وتفسيرات وصفية تكشف عن العلاقات العلية المطردة بين ظواهر الطبيعة وتعتمد في دراستها الاستقرائية على مبادىء عامة معتمدة ومقبولة ، وهي الحتمية والعلية والاطراد في الوقوع ، مما يبرر التنبؤ بما يحصل مستقبلا ممكنا ومحتملا.

وهذا النوع من المعرفة ، معرفة احتمالية ، لا تدعي اليقين والاطلاق.. ولهذا صارت معرفة تقدمية - اي قابلة للتعديل والتطوير والنماء.

اما الصنف الثالث من العلوم الذي اخذ العلماء والفلاسفة اليوم يميزون اصنافه في الاتجاه المعرفي للعصر الحديث - وهو الصنف الاخير كما سبق الاشارة الى ذلك ، فهو: العلوم الانسانية.

لقد اريد للدراسات الانسانية في الاتجاه المعرفي المعاصر - ان ترقى الى مستوى المعرفة العلمية.

ومن الواجب في سبيل ذلك ، ان تتخذ هذه الدراسات موقفا اصطلح على تسميته بالحياد المطلق والنزاهة التامة.

ومن بين العلوم الانسانية التي استطاعت الوفاء بشروط وخصائص المنهج العلمي ، والتي لأجلها سلكها العلماء في زمرة العلوم المضبوطة «كما يقال»: علم النفس ، وعلم الاجتماع.

فمع ظهور النزعة الطبيعية بدأ العلماء بالتفكير جديا في اتخاذ الخطوات التي تكفل نقل المباحث النفسية ، من دائرة الدراسة النظرية المجردة - الى حقل المعرفة العلمية التي تستند الى الملاحظة والمشاهدة والاختيار.

وفي هذا السياق ، انتهت مجهودات المفكرين الى التحول نهائيا من دراسة «النفس» كما هي مجردة ، الى البحث في «سلوك الانسان» ، كما يتشخص يتمثل في الظواهر النفسية والجسمية.

اما علم الاجتماع ، فكان هو الآخر قبل ان يتخذ صورة علم موضوعي على يد «اوجست كونت» يشكل جزءا من مباحث الفلسفة العلمية.

وعلم الاجتماع الحديث ينظر الى الاخلاق الفردية والعادات الاجتماعية من وجهة نظر تطورية ، خاصة عند اتباع المدرسة الوضعية - التي انتهت الى القول ، تحت تأثير نظرية «داروين» التطورية: الى ان الظواهر الاجتماعية في جملتها ومجموعها هي: عادات وعوائد وضعية ، او انفعالات ومشاعر وجدانية فردية وذاتية ، تخضع شأنها في ذلك شأن الكائنات الحية ، لسنة التطور والتحول والتغير ، فلا تكاد تلبث على حال ، ومن ثم وجب البحث في الدوافع والانفعالات ، وفي الاسباب والمؤثرات التي تخلق السلوك الاجتماعي وتسير به في اتجاه دون اخر ، معتمدة في ذلك على الاستقراء والتجربة.

فالاتجاه المعرفي المعاصر ينحاز كليا الى العلم بمعناه الحديث ولكن هل «المعرفة» متصدعة الى هذا الحد حقا ، في مجالات الحقيقة في التفكير الديني ، والتفكير الفلسفي والتفكير العلمي.

لقد عرض الدكتور «محمد كامل حسين» في كتابه عن «وحدة المعرفة» جوانب الحقيقة الواحدة في مجالات التفكير الديني والفلسفي والعلمي: الحقيقة عند العلماء هي علاقة محددة بين شيئين..ويكاد يكون هذا الطريق الصواب الوحيد الى تحديد الحقيقة الكاملة ، ولكن فيها ضعفا اصليا ، هو تحديد العلاقة المعروفة بالسببية.. تقوم السببية في اذهان الكثيرين على وجود علاقة بين شيئين يتتابعان زمنا او يتفقان مكانا..والسببية علاقة بين شيئين ولكنها من انواع كثيرة ، ولكل سبب سبب اعمق منه - فاذا قيل ان رجلا مات من ذات الرئة ، فلا يمنع هذا السبب ان يكون سبب الموت نقصا في الاوكسجين في خلايا القلب او المخ.. كلاهما سبب ، وقد تكون هناك تفسيرات اعمق من ذلك كله: وقولنا ان الوردة ازهرت لسبب حلول فصل الربيع يعد صوابا - ولكن الاسباب العميقة كثيرة جدا كيميائية وطبيعية وحيوية وكلها تعد سببا ، وهناك الاسباب الاحصائية ، وهي اشد انواع السببية تعرضا للخطأ.. وليس من الصعب ان نجد علاقة احصائية بين عدد الكلاب التي تموت في طوكيو ، مثلا ، وعدد الوزارات التي تسقط في فرنسا - وليس من المعقول ان تكون هذه العلاقة ، برهانا على السببية.. ومع ذلك فكثير من الحقائق العلمية القائمة على الاحصاء ، لا تختلف كثيرا عن هذا المثال.

وتمضي العلوم في تطورها المذهل و«السيبرنطيقا» هي احدث العلوم ، او هي علم المستقبل.

ومن تطبيقات مبادىء السبيرنطيقا ، صناعة «العقول الاليكترونية» فالعقل الالكتروني هو المماثل الآلي للمخ البشري.

لقد نشأت السيبرنطيقا بتأثير خمسة علوم هي:

الرياضيات ، والمنطق ، والبيولوجيا ، والتنظيم ، الاوتوماتيكي ، ونظرية الاتصال.

ونظرية الاتصال - هي تلك النظرية التي تتعلق بكيفية نقل الاشارات او المعلومات..فكما تصل المعلومات الى المخ عن طريق الخلايا العصبية ، تنتقل الاشارات في العقل الاليكتروني عن طريق الانابيب الاليكترونية.. اي ان كيفية الاتصال متماثلة في مخنا وفي العقل الاليكتروني.

وان العقل الاليكتروني والصاروخ الذي يقذف الطائرة انما يعمل كل منهما بنفس المبدأ الذي يعمل به المخ البشري.

اذ ان المخ تصل اليه اشارة عن طريق اجهزة الاستقبال ، اي الحواس ، فيفسر المخ تلك الاشارة ويستجيب لها بردود افعال يوجهها ما في المخ من اشارات سابقة مختزنة في الذاكرة.

وكذلك الصاروخ يبدأ عمله بوصول اشارة توضح صورة الطائرة على جهاز استقبال هو شاشة الرادار..ثم يقوم الحاسب الالكتروني بتفسير تلك الاشارة حسب المعلومات المختزنة من قبل ، ويرد على تلك الاشارة بحساب موقع الطائرة وسرعتها - بحيث يحدد المكان والزمان الذي يمكن ان يلتقي فيه الصاروخ بالطائرة.

وكما يمكن ان يحدث تشويش في الاشارة بالنسبة للصواريخ فيسبب بها خللا - فان مثل هذا التشويش هو ما يحدث ايضا بالنسبة للمخ والجهاز العصبي مسببا العديد من الامراض.

ان الانسان حيوان يصنع الادوات

ان الانسان حيوان ناطق

ان الانسان كائن عاقل

وان الادوات التقنية العديدة ستصبح في المستقبل لاصقة بالانسان - لصوق القوقعة بالحلزون ، او الشبكة بالعنكبوت.. وستكون هذه الادوات التقنية اللاصقة بالانسان ، جزءا من العضوية الانسانية - بالاحرى منها اجزاء من الطبيعة المحيطة بنا.

تنبأ العالم الامريكي «هيرمان كان» عن الحياة في قرننا الحالي «القرن الماضي» بان العقول الالكترونية سوف تتحسن من مئة بليون مرة ، الى مئة ترليون مرة: وانها ستتفوق على الانسان في التفكير وفي الابداع الفني.

وهو يعتقد ان العقول الالكترونية ، بالتالي ، ستكون لها القدرة على «التكاثر» وصناعة نفسها.



ہ كاتب واديب اردني

من كتاب «تيارات فكرية: مطالعات في الفكر والفلسفة» يصدر لاحقا

Date : 26-12-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش