الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

يوسف شاهين.. سينما تحكي عن نفسها في المرحلة الثانية من أفلام يوسف شاهين التي طغت عليها أفلام السيرة الذاتية برزت نرجسية يوسف شاهين وتطور أدواته

تم نشره في الجمعة 1 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
يوسف شاهين.. سينما تحكي عن نفسها في المرحلة الثانية من أفلام يوسف شاهين التي طغت عليها أفلام السيرة الذاتية برزت نرجسية يوسف شاهين وتطور أدواته أحمد طمليه

 

 
لعل أهم ما يميز الراحل يوسف شاهين ويجعله حالة استثنائية ليس بين أقرانه ، وبين الذين عاصروه فحسب ، بل على مستوى تاريخ السينما العربية عموماً ، أنه ظل يمارس التجريب في الأسلوب والمضمون والرؤية ، منذ فيلمه الأول "بابا أمين" 1950 حتى فيلمه الأخير "هي فوضى" 2007 ، فخلال هـذه الفتـرة حقـق شاهيـن (41) فيلماً. ولا أبالغ إذا قلت أن كل فيلم من هذه الأفلام شكل في حينه محاولة من شاهين لتقديم أسلوب مختلف والتعامل مع فكرة مختلفة عبر شكل مختلف. غير أن هذا الاختلاف في الأساليب والرؤى لم يحد عن الرؤية العامة التي تشبث بها شاهين ، والتي تعد المبدأ الذي يعمل على أساسه ، ومفادها أنه يصنع سينما متقنة وقابلة للإسقاط على الواقع الاجتماعي ، بمعنى أن أفلامه ليست واقعية بالمعنى الحرفي للمصطلح ، وليست على النقيض من ذلك أيضا ، بل هي سينما قابلة للإسقاط على الواقع. ويتفنن المخرج يوسف شاهين ، كل مرة في كيفية إحـداث عمليـة الإسقـاط تلك.

ويطيب له على أثر ذلك أن يحكي عن التأويلات التي يثيرها فيلمه الجديد ، وليس عن قصة الفيلم نفسه ، فمن يستمع إلى تصريحات وآراء شاهين كلما ظهر له فيلم جديد ، يلاحظ أنه يتحدث عن قضايا اجتماعية ، وعن ظواهر سياسية ، وعن مبادئ وأخلاق ليست واردة مباشرة في سياق الفيلم ولكن الفيلم يستشعرها أو يحذر منها. ففي سيـرته الذاتيـة الممثلة بـ"إسكندرية ليه" 1979 ، و"إسكندرية كمان وكمان" 1990 ، و"إسكندرية نيويورك" 2004 ، وأيضاً "حدوته مصرية" 1982 ، لم يعكس شاهين سيرة ذاتية على النحو المألوف ، بل عكس أزمة ذاتية ، سرعان ما تخلصت من ذاتيتها وأخذت بعدها العمومي ، ومسّت كل واحد فينا بشكل أو بآخر ، مست الروح التواقة لتثبيت القدمين على أرض تهتز من حولك.

ولأن يوسف شاهين ظل مؤمناً أن أية خطوة ينجزها تعني وجود الكثير من الخطوات التي تليها ، فقد كرس نفسه عبر مسيرته الفنية للتجديد ، بل واحيانا لمحاولة التجريب. ومن ثمّ فإن الحديث عن تجربته ورصيده يظل موضع اختلاف ، فلا يمكننا أن نقول مثلا أن فيلمه الأحدث هو فيلمه الأفضل ، بل قد نجد من يقول أن يوسف شاهين أبدع في البدايات وكشف عن طاقته الاستثنائية في "باب الحديد" 1958 ، و"الناصر صلاح الدين" 1963 ، و"الأرض" 1970 ، ثم "العصفور" 1974 ، ثم "عودة الابن الضال" ,1976 وقد لا يرى صاحب هذا الرأي جديداً لدى شاهين بعد ذلك. وفي المقابل ، هناك من يقول ان أهمية يوسف شاهين كمخرج برزت في التسعينات مع "المهاجر" 1994 ، و "المصير" 1997 ، و"الآخر" ,1999 ويرى أصحاب هذا الرأي أن شاهين ارتقى في أسلوب تعبيره في هذه الأفلام على نحو باتت الصورة في كاميرته تنطق شعراَ ، فقد لا يستوقفك الحدث في فيلم "سكوت حنصور" مثلا 2001 ، ولكن الصورة وذكاء الحوار الموجز ، وحركة الكاميرا سوف تستوقفك بالتأكيد ، مع ملاحظة أن التطور هنا ليس على الصعيد التقني فحسب ، بل وعلى صعيد المضمون والفكرة ، فقدرته على تجسيد شخصية السيدة الأرستقراطية (نبيلة عبيد) في فيلمه "الآخر" 1999 ، يعد بحد ذاته نجاحاً استثنائياً ، فشاهين لم يجسد شخصية سيدة أرستقراطية فحسب ، بقدر ما زرع الديناميت في بنية المجتمع المصري ، الذي وصل به التهافت على كل ما هو أمريكي إلى إلغاء خصوصية السيـدة العربيــة ، أو بالأحرى الأم العربيــة ، التي تحمــي ابنها بـ "رموش عينيها" كما فعلت الأم (لبلبه) في الفيلم ، لا أن تذهب بابنها إلى التهلكة كما فعلت الأم (نبيلة عبيد). وأماط اللثام عن "الطبقة المخملية" في المجتمع المصري التي وصل بها الفساد إلى حد العفن: زوجان لا يطيقان بعضهما البعض ، يعيشان تحت سقف واحد ليحكما الخناق على ابنهما الوحيد،

إن الإصرار على التجديد في مسيرة يوسف شاهين السينمائية لم يسهم ، كما أشرت ، بتراكم إبداعي لديه بحيث نضمن أن ما هو احدث من أفلامه هو الأفضل بل اسهم في تجذير التجربة ، مما أبقى خيوطا متشابكة في مجمل تجربته ، أي أنك ترى في "هي فوضى" 2007 ، شيئا من "عودة الأبن الضال" 1976 ، والعكس صحيح. غير أن الوعي الخاص بالتجربة ، وعشق يوسف شاهين للسينما ، وكثرة التحولات التي سادت خلال الفترة من 1950 - 7002 ، دفعت تجربته إلى التمحور في ثلاثة محاور إن صح التعبير ، واكتسى كل محور خصوصية معينة ، وهذا ما انعكس على الأفلام. وبهذا يمكن تقسيم أفلام يوسف شاهين إلى ثلاث مراحل حسب التدرج الزمني ، تضم المرحلة الأولى أفلامه من 1950 - 6791 ، وهي على التوالـي : "بابا أمين" 1950 ، "ابن النيل" 1950 ، "المهـرج الكبيـر" 1953 ، "صراع في الوادي" 1954 ، "شيطان الصحراء" 1954 ، "صراع في الميناء" 1956 ، "ودعت جبيبي" 1956 ، "انت حبيبي" 1957 ، "باب الحديد" 1958 ، "جميلة الجزائــريـة" 1958 ، "حب إلى الأبـد" 1959 ، "بين ايديــك" 1960 ، "نداء العشاق" 1960 ، "رجل في حياتي" 1960 ، "الناصر صلاح الدين" 1963 ، "بياع الخواتم" 1965 ، "فجر يوم جديد" 1965 ، "رمال من ذهب" 1966 ، "الأرض" 1970 ، "الاختيار" 1971 ، "سلوى" 1972 فيلم قصير ، "الناس والنيل" 1972 ، "العصفور" 1974 ، "عودة الأبن الضال" ,1976 أما المرحلة الثانية لأفلام يوسف شاهين فامتدت من 1979 - 7991 ، وهي "إسكندرية .. ليه؟" 1979 ، "حدوته مصرية" 1982 ، "وداعاً بونابارت" 1985 ، "اليــوم السادس" 1986 ، "إسكندريــة كمان وكمان" 1990 ، "المهاجر" 1994 ، "المصير" 1997 ، "كلها خطوة" 1998 فيلم قصير ، فيما اختط يوسف شاهين في نهاية عام 2000 تقريبا خطا جديداً تجلى بالأفلام التالية: "الآخر" 1999 ، "سكوت ح نصور" 2001 ، "إسكندريـة نيويورك" 2004 ، "هي فوضى" ,2007

إن المتابع لتجربة يوسف شاهين عبر هذه الأفلام ، وعبر هذا التقسيم ، الذي أستثني منه بعض الأفلام القصيرة نظرا لخصوصيتها ، يلاحظ تجذر التجربة لديه ، ففي أفلام المرحلة الأولى ، حاول شاهين أن يقترب من واقع المجتمع المصري وأن يعبر عن همومه ، وأن يتفاعل مع نبض الشارع المصري ، كما بدا واضحا رفضــه لهزيمة 67 ، وهذا ما عكسه في "الأرض" ، و"العصفــور" ، و"عودة الأبن الضال". ومع أن هذا الفيلم الأخير يحسب على مرحلة أفلام المقاومة إلا انه بشر ببدايات التحول الجديد لدى شاهين ، من حيث الابتعاد عن الانكسار والبكائية ، ومحاولة إشاعة الفرح رغم أن الظرف يطحن الجميع ، وأن الأفق معتم ، غير أن الأمل ليس معدوماً. وهذا ما برع شاهين في تجسيده حين أظهر الجد (محمود المليجي) في فيلم عودة الأبن الضال يدعو الحفيد (هشام سليم) لكي يبتعد ، ويحاول صياغة معالم مستقبله لوحده. وحرصا على إضفاء الجماليات نجح شاهين في توظيف وجه وصوت ماجدة الرومي على نحو تفاعل إيجابيا مع رشاقته في رصد الصورة والخلفيات بطريقة تداخلت معه بعض مشاهد الفيلم بالفن التشكيلي.

في المرحلة الثانية من أفلام يوسف شاهين التي طغت عليها أفلام السيرة الذاتية برزت نرجسية يوسف شاهين وتطور أدواته ، وبدا غير معني بالاستماع إلى أي رأي آخر ، وأكثر رغبة بفعل ما يدور في رأسه فقط ، ضارباً بعرض الحائط آراء نقاد ، وإيرادات شباك التذاكر ، مؤكداً ، كما جاء على لسانه: "إذا كان علي أن أقدم أفلاما على أرضية (الجمهور عايز كده) فالأجدى بي أن اترك الإخراج ، وامتهن أية وظيفة أخرى". غير أن شاهين عاد في نهاية العام 1999 ليقدم أفلاما مختلفة في الشكل والمضمون ولكنها محملة كعادته بالإشارات والدلالات والتداعيات ، كما تجلى ذلك بفيلم "الآخر" 1999 ، ثم "سكوت ح نصور" 2001 ، وأخيراً "هي فوضى" 2007 بالتعاون مع تلميذه خالد يوسف ، وكاد يوسف شاهين في هذا الفيلم الأخير أن ينقلب على نفسه ، وأن يخرج من ثوب التأويل ، ويرصد أحداثا ، بصرف النظر عن مدى المبالغة بها ، إلا أنها على تماس مع أرض الواقع. ولا استبعد أن يكون يوسف شاهين قد استعان بتلميذه خالد يوسف كي يساعده على ضبط إيقاع الفيلم في سياق واقعي إلى حد ما ، ليتسنى له إدارة فيلم تدور قصته حول أمين شرطة فاسد يستعمل سلطته ونفوذه ، ويحاول السيطرة على المحيطين به ، ويقف في وجهه وكيل نيابة شاب يرتبط بعلاقة حب مع فتاة ، وتتوالى في هذا السياق الأحداث راصدة واقع حال المجتمع المصري.

ترى ، لو أسعف الموت يوسف شاهين قليلا ، فهل يمكن اعتبــار فيلمه الأخير "هي فوضى" انعطافة جديدة في مسيرته الفنية ، مع ملاحظة أن هذه الانعطافة ليس بالضرورة أن تكون نحو الأفضل بقدر ما هي ناجمة عن الرغبة التواقة لدى شاهين للتجديد؟ إن الإجابة التي ترد فوراً على طرف اللسان هي: نعم ، وبمجرد أن نجيب بذلك فإنما نعترف باستثنائية هذا المخرج الذي ظل يبحث عن الجديد حتى الرمق الأخير،د

ہ ناقد سينمائي أردني

Date : 01-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش