الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سلطة النموذج : قــراءة الــواقعيــة الاشتراكية في زمن آخر

تم نشره في الجمعة 1 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً
سلطة النموذج : قــراءة الــواقعيــة الاشتراكية في زمن آخر د. فيصل دراج

 

 
ميّزت الواقعية الاشتراكية نفسها ببعدين متكاملين: فهي أولاً شكل أدبي جديد يمتثل إلى منظور علمي للعالم ، وهي ثانياً عنصر أيديولوجي في بناء مجتمع لا طبقات فيه. صاغ البعدان معاً أسطورة "الإنسان الجديد" ، الذي استعاد جوهره المفقود ودخل إلى مملكة الحرية. ولم يكن الإنسان الجديد إلا الشكل النوعي لإنسان أخير ، خلّف وراءه ما قبل التاريخ وذهب إلى تاريخ غير مسبوق لا اغتراب فيه. جاءت بداهة "الإنسان الأخير" من "إيمانية التقدّم" ، التي بشّرت بوصول أكيد إلى ذروة التاريخ ، أو سقفه. وسواء صدر الإيمان عن تاريخ عاقل ، أم عن إرادة إنسانية تحاور التاريخ وتتحالف معه ، فقد كان هناك حلم بكون شفاف ، أزيلت غوامضه ، يسيطر الإنسان فيه على ذاته وعلى ما حوله في آن.

يصل الإنسان الجديد بين ما قبل التاريخ وبعده ، معلناً عن نهاية التاريخ في الانتقال من مجتمع طبقي إلى آخر يغايره. وبما أن التاريخ ، مهما تكن درجات ضعفه أو قوته ، صراع بين أنصار التقدّم وخصومه ، فقد عرف دائماً صراعاً بين "أدب تقدمي" وأدب ينصر الموت والعبودية. جعل هذا المعطى التاريخي من الواقعية الاشتراكية ، كما رأى أنصارها ، ذروة للأدب التقدمي ووريثه في آن. تضيئه وتستضيء به ، وتنصره وتستنصره مؤكدة ، أنها خلاصة الأدب التقدمي في جميع العصور وتجاوز له.

قسمت الواقعية الاشتراكية الأدب في زمنها ، كما في ما سبق من أزمنة ، إلى معسكرين: معسكر الأدب التقدمي الممتد من عمر الخيام إلى جوته ومكسيم غوركي ، ومعسكر الأدب الرجعي الممتد من أدب السلاطين إلى هولدرين وجيمس جويس. أمدّ هذا المنظور الأدب ، في حقبه المختلفة ، بدلالة فوق تاريخيه ، تعيّنه مرجعاً أدبياً لكل"حساسية تقدمية" ، مثلما أسبغ على الأدب الرجعي ، في جميع الأزمنة ، هوية كونية ذات دلالة فوق تاريخية أيضاً. والنتيجة المنتظرة قسمة ميتافيزيقية تساوي بين الخير وأحد الطرفين وبين الشر والأدب غير الواقعي ، وتلغي الفروق بين الأعمال "التقدمية" المختلفة ، مستبقية مضموناً إيجابياً يتوزّع على جميع الأزمنة. اختزل التصوّر تاريخ الأدب إلى مضمون غير أدبي ، يصيّر التقنيات الأدبية إلى سؤال لا ضرورة له. إضافة إلى ذلك ، فإن اختزال أزمنة الإنتاج الأدبي المتنوعة إلى زمن أخلاقي غير قابل للتعيين ، صادر بدوره أزمنة القراءة الاجتماعية ، طالما أن القراءة فعل مشروط بسياق تاريخي محدّد في مكوّناته.

أنتجت الواقعية الاشتراكية ، في مقولاتها المختلفة ، خطاباً مسكوناً بالمفارقة: ربطت بين حاضر الأدب وماضيه ، موحية بزمنين تاريخيين متمايزين ملغية فعلياً الزمن ، في شكليه ، ومختصرة "علم الجمال" إلى "علم أخلاق" ، لا تاريخ له ، مثلما أكّدت العلاقة بين النص الأدبي وقارئه واختزلت القارئ ، في أشكاله المتنوعة المحتملة ، إلى قارئ غُفْل هو : الشعب ، الذي يحدّد التزام الأدب بقضاياه ، أو "تحرّره" منها ، تقدميّة الأدب أو رجعيته. تصدرة المقولة الثانية عن الأولى ، كاشفة عن ميتافيزيقية التصوّر ، فقد عالجت الأولى الأدب بعمومية ثنائية الخير والشر ، وحوّلت الثانية القارئ إلى "مؤمن عام" ، أو إلى "جماعة"تفصل بين الكتب الصالحة والكتب الطالحة. ترافدت المقولتان وانتهيتا إلى ثالثة تعمّم التجانس ، إذ للأدب التقدّمي جمهورعام تقدّمي ، وإذ للأدب الرجعي جمهور على صورته. وعلى الرغم من أن الاختزال ، في مستوياته المختلفة انتسب إلى مفهوم نظري ممكن التحديد ، هو الصراع الطبقي ، فإن ماجاء به يتفق مع "الاختراع الأيديولوجي" ولا يأتلف مع المفاهيم النظرية.

رأت الواقعية الاشتراكية وظيفتها في إنشاء مجتمع متجانس متقن البناء والهندسة ، يشرف عليه حزب يمتلك الحقيقة والإرادة ، ويدير علاقاته "إنسان جديد" تصالح عقله وقلبه ووعيه ولا وعيه ، بلا اضطراب أو تناقض. فقد حاول ستالين ، مؤمناً بصورة الإنسان الأعلى ، أن يستبدل بالسديم الاجتماعي مجتمعاً منسجماً متجانساً ، أعيد تصميمه والسيطرة على وجوه الحياة العامة والخاصة فيه. وكان على الأيديولوجيا الستالينية ، القائلة أن "البلاشفة" قادرون على فعل أي شيء" ، أن تعيد تصميم وهندسة الإنتاج الأدبي - الفني ، كي يكون جزءاً من البناء الاجتماعي الجديد ، وعنصراً فاعلاً في تحقّقه. فرض هذا التصوّر على الأدب ، في المستوى الظاهري ، أن يحاكي الواقع المنشود الواجب بناؤه ، وفرض عليه ، في المستوى الجوهري ، أن يحاكي صورة المجتمع ، كما تأمر بها الأيديولوجيا المتحزّبة. دار الأمر ، في الحالين ، داخل فضاء أيديولوجي خلط بين القائم والممكن ، وبين الواقعي والطوباوي ، وأمر الأدب ألاّ يتعامل مع الموجود ، بل مع ما هو واجب الوجود.

أكّدت الواقعية الاشتراكية ، التي أسبغت على الإنسان قوة خارقة ، أمرين: رسم المحتجب الآخذ بالتخلّق والتكوّن ، ووصف جوهر القوى الاجتماعية التي تنجزه ، المكوّنة من الحزب والقائد والطبقة العاملة ، كما تقول بها الأيديولوجيا المتحزّبة. شيء قريب من الأيديولوجيا الدينية ، التي لا تعاين الأشياء الملموسة ، بل تنصرف إلى الخفاء الكبير الذي يخلق الأشياء ويسيّرها. كأن نقرأ: "إن المهم من وجهة نظر المنهج الجدلي هو ليس ما يبدو ، في لحظة معينة ، ... ، بل ما يتخلّق في سيرورة مخاض وتطوّر.". (1) . يحاكي الأدب الأيديولوجي الغائب قبل أن يحاكي الحاضر ، مذكّراً بخارطة فاضلة لا يزال المهندس ينقب عن المواد الأولية اللازمة لبنائها. لا غرابة أن تحرّض "المدينة النموذجية" على مفهوم "النموذجي" ، الذي أخذه لوكاتش من انجلس ، وأعطاه التنظير الستاليني دلالة إدارية. فالنموذجي ، أو النمطي ، بلغة أخرى ، يعكس شكل الواقع في وعي الأديب ، لا الواقع القابل للقياس والمعاينة ، بما يختزل الواقع إلى معطى أيديولوجي ، وبما يقلّب العلاقة بين الوعي والواقع ، مهمّشاً الأخير ومعطياً الأول موقع الأولوية. يصبح الوعي انعكاساً لأيديولوجيا طوباوية ، ويغدو الواقع انعكاساً مهمّشاً لانعكاس آخر. تتكشّف ، في هذه الحدود ، الإيمانية النظرية القائلة بإمكانية صناعة التاريخ ، وبإمكانية صنع "الكادر الشيوعي" ، التي تمدّه الصناعة الأيديولوجية بصفات لا توجد في غيره. يتجاوز الأمر ، بداهة ، الوهم الذاتي ، ذلك أن "الكادر" مؤمن برسالته ، ومؤمن أكثر بالأيديولوجيا التي تقترح الرسالة.

عاش الأديب الشيوعي ، بالمعنى الستاليني ، سعادة مخادعة ، موحداً بين الحاضر والمستقبل ، وحاجباً شقاء حاضره بوعود السعادة القادمة. ولم تكن هذه السعادة المخادعة ممكنة من دون إيمان عميق بفكرة: الإنسان الخالق ، الذي يجسّر المسافة بين الحاضر والغائب ، ويعترف بالغائب قبل أن يتأمل الحاضر والغائب. لا تختلف دلالة البطل الإيجابي ، في هذه الحدود ، عن دلالة البطل السلبي ، فكلاهما يحيل على واجب الوجود لا على ماهو موجود ، وكلاهما تصور جمالي مرغوب. ذلك أن الواقعية الاشتراكية ، في شكلها الستاليني ، انصرفت إلى توصيف ما لم يأتً بعد وسردت آثاره على ما هو موجود وقائم. شيء قريب من دلالة الأيديولوجيا عند ألتوسير ، من حيث هي حل وهمي لقضايا واقعية ، أو أطروحات وهمية تفعل في الواقع المادي. لا غرابة ألاّ تتحدّث الواقعية الاشتراكية عن "تمثيل" البطل ، سلبياً كان أم إيجاباً ، بل عن "تجسيده بأدوات فنية موائمة" ، كما لو كانت الأدوات الأيديولوجية - الفنية ، وقد أحسن ابتكارها وأتقن صوغها ، كافية وحدها لتجسيد البطل الذي لا وجود له. ربما كان في صورتيّ ستالين وتروتسكي ، في الأيديولوجيا الستالينية ، مايفصح عن الخير والشر الجوهريين ، الذين "تجسدهما" أيديولوجيا تضيف الغائب إلى الحاضر ، منتهية إلى "الإلهي" و "الشيطاني" ، مازجة ، بكثير من المفارقة ، بين اللاهوت والمادية الجدلية. إنه طقس التوليد الذي تضمنه قوى غامضة ، كي تعلن هزيمة الشر أمام الخير ، اعتماداً على وسائل فنية مولـّدة تجمع بين الدقة والحقيقة. ربما كانت طقوس التوليد ، التي قالت بجديد شامل في البيولوجيا وعلم اللغة وعلم النفس ، هي التي وضعت الثقافة الستالينية داخل التاريخ وخارجه: فهي في القرن العشرين بفضل مقولات الطقبة العاملة وصراع الطبقات والصراع بين الشيوعية والفاشية ، وهي في أزمنة سبقته ، لأنها احتفت بـ "اليوم الموعود" قبل وصوله(2) .

من أين جاءت صورة الإنسان الخالق الذي يؤبلس ما شاء ويُرَحْمن ما يريد؟ يعزو الجواب البسيط الصورة إلى "إرادوية لينين" ، الذي أعطى للإرادة دوراً حاسماً في الثروة البلشفية ، ويعزوها الجواب الأكثر بساطة ، وابتذالاً ربما ، إلى ديكتاتورية ستالين. بيد أن المعنى ، المبرّأ من الابتذال ، يقوم في مكان آخر أكثر تعقيداً ، لا تنقصه المجازفة والتجريب والإيمان بقدرات الأنسان اللامتناهية. جاءت الصورة من تصوّر يثق بالعلم ثقة مطلقة ، ويرى إلى "إنسان علمي" يفكك غوامض الكون والإنسان جميعاً.

اعتمد التصوّر على أطروحتين غير متجانستين جمعتا ، بشكل غريب ، بين الماركسية وأفكار متصوفة غامضة. تقول الأولى وهي ماركسية تماماً: لا يتعيّن تقدم الإنتاج الإنساني بمواضيعه ، بل بالعناصر التقنية المستخدمة في إنتاج المواضيع ، بما يجعل من التقدّم التقني مرجعاً للتقدم ومعياراً له. وتقول الثانية ، وهي عنصر حاسم في الأيديولوجيا الستالينية: لا يكمن سر الإنتاج في الوسائل التقنية المكرّسة لأجله ، بل في طريقة استخدام الوسائل ، بما يجعل الإنسان ، أو جوهر الإنسان بشكل أدق ، قوّاماً على التقنية والتاريخ التقني. تبدو الأطروحة الثانية ، للوهلة الأولى ، عادية ، تثني على الإنسان وقدراته المبدعة ، قبل أن تصبح ، في خطابها النظري المتواتر ، لاهوتاً جديداً ، يخلط بين العلم والفولوكلور العلمي ، وبين التصوّر المادي للتاريخ والميتافيزيقا (3).

تفسّر الأطروحة الثانية انجذاب الستالينيين ، الذي لا اقتصاد فيه ، إلى كلمة العلم التي أضيفت بشكل احتفالي إلى مواضيع عدة : الاشتراكية العلمية ، الفلسفة العلمية ، التصوّر العلمي للتاريخ ، السياسة العلمية ، وصولاً إلى "علم الثورة". تحوّلت الواقعية الاشتراكية ، في مجال الإيمان العلمي ، إلى نظرية علمية في الأدب ، تنتج نصاً أدبياً قادراً على التنبؤ ، وينتج نصها بطلاً دقيق الصياغة ، قابلاً للتفكيك والقراءة بلا غموض ، لأنه في ماديته العلمية متحرر من التباسات الشعور وغوامض اللاوعي. لا غرابة أن يكون "الكادر" ، أو المهندس ، مجازاً للثقافة الستالينية بامتياز ، فهو الإنسان الخالق الذي يتفوق على التقنية التي يستعملها ، وأن تكون "الساعة" مجاز الإنسان والمجتمع الشيوعيين معاً لا يردّ الإنسان "الذي يشبه الساعة" إلى الإذعان والسيطرة ، بالمعنى المتداول ، بل إل حلم صياغة "الإنسان العلمي". وإذا كان هناك من استبداد ، وكان قائماً بالتأكيد ، فهو لا يفسّر فقط بشخصية ستالين ، أو بالماركسية من حيث هي ، بل بضرورة تأمين الشروط المختلفة لإنتاج "إنسان علمي" ، وبوجوب امتثال الإنسان إلى سياسة ستالين التي ابتغت مجتمعاً علمياً. تراءى هذا النزوع واضحاً في الصيغ الأكثر انتشاراً آنذاك: "إرادة الفولاذ" ، "مهندس الأرواح" ، أو بالأغنية التي قالت: "لنا أجنحة من فولاذ ، ولنا مكان القلب محرك من لهب". رأى هذا التصور إلى عالم منظّم تقنياً ، يتكشّف في علماء ومهندسين ، وفي بشر ينظمهم العلم ، ويبتكرون عالماً على صورتهم ، كما لو كان العلم يجانس بين البشر والأشياء.

تمكن قراءة تاريخ الواقعية الاشتراكية ، في شكلها الستاليني ، انطلاقاً من الأطروحة التالية: حين تلتقي المعرفة والسلطة ، تخرج المعرفة من اللقاء خاسرة. تنشد السلطة المنفعة وتتطلع إلى المعرفة ، كما أن المعرفة لا تقبل بالشَخْصنة ، على خلاف السلطة التي تشخصن المعرفة ، طاردة المعايير الموضوعية خارجاً. خرجت الواقعية الواقعية الاشتراكية ، وهي محصلة لكلمتين غير متجانستين ، من اللقاء خاسرة ، فقد أزاح عنف اللقاء مفاهيمها النظرية من مكان إلى آخر.

يتكشّف الانزياح الأول في مفهوم الفرد الذي محاه ، أو كاد ، شعار "البطل الإيجابي" ، الذي هو تجريد قيمي ـ أيديولوجي ، يحيل على "الحزب البروليتاري" ، أو على "قائده" ، أو على "الكادر"ـ الذي هو مزيج من المعرفة الصائبة والإرادة الفولاذية. فمن المفترض أن "البطل الإيجابي" تجسيد لمفرد نوعي ، يرى غيره قبل أن يرى ذاته ، واعداً الغير بعالم مثالي. بيد أن انشداد البطل الرومانسي إلى صورة ـ مثال ، وضع مرجعه الذاتي خارجه ، ودفع به ، بوعي أو من دونه ، إلى محاكاة مستحيلة ، تستبدل بالفردية الطليقة ذاتاً منضبطة على مستوى الوعي ، واللاوعي ، إن أمكن. قادت فكرة النموذج إلى إلغاء الفرد ، وعمل النموذج المعمّم على تحويل "الجمهور" إلى جماعة منضبطة ، يتقاسم أفرادها محاكاة الصورة - المثال ، بدءاً من اللغة الجاهزة والمواقف المتناظرة ، وصولاً إلى تجانس المعاييروالأحكام. تستدعي المحاكاة ، في مستوى أول ، فكرة التحزّب قبل أن تستدعي ، في مستوى أعمق دلالة ، ثنائية: الأحادية والجماعة ، إذ للجماعة مثال وحيد تندفع إليه ، وإذ الجماعة كيان واحد لا تمايز فيه. شيء قريب من علاقة الوجه بالقناع المستديم ، الذي يمحو الوجه مستبقياً قناعاً التبس بوجوه كثيرة.

استولدت المعرفة السلطوية من "البطل المفرد" نموذجاً ذهنياً يتجاوز الأفراد ، وحوّلت الإرادة السلطوية "الجمهور الواعد" إلى جماعة متجانسة. ولعلّ عادات الفكر والانقياد هي التي ساوت بين "العقل المتحرّر" والهرطقة ، بلغة معينة ، أو التحريفية ، بلغة أخرى مصيّرة "أسطورة بروميثيوس" ، التي انشد إليها ماركس الشاب والماركسيون بعامة إلى مجرّد درس تربوي منقطع عن الحياة. وإذا كان في سلطة النموذج ، التي تلغي الأفراد ، استعادة لممارسات تقليدية ، لا تحتاج إلى الماركسية ولا تقبل الأخيرة بها ، فقد تجلّت التقليدية المغلقة في مجال آخر يمكن أن يدعى بـ "تقديس الأصول" ، وفقاً لتراتبية ذات رنين ديني. فما قاله ماركس ، في شذراته القليلة عن علم الجمال ، أصبح قاعدة لا سبيل للخروج عنها ، وما قال به لينين عن السياسة الإعلامية التحريضية صار "نظرية جمالية" ، وما جاء به ستالين عن معنى اللغة تحوّل إلى مرجع يقيس به العلماء اجتهاداتهم . أعطت أيديولوجيا تقديس الأصول "كلاسيكي الماركسية" بعداً دينياً صريحاً: قالت بأصول نظرية أولى لا يمكن تجاوزها ، لأنها كلية المعرفة ، وقرّرت ، ضمناً ، محاكية الأيديولوجيا الدينية ، بأن "الزمن النظري الأول" هو الأكثر نقاء ، وأن ما يتلوه يقصّر عنه. وبداهة ، فإن الأمر الأكثر خطراً ماثل في اختزال النظرية ، التي تقول بأولوية الممارسة على المعرفة ، إلى أيديولوجيا مغلقة ، حقيقتها في ذاتها ، فإن كان من خطأ فمرده قصور عن إدراك النظرية ووعيها. هكذا انتقلت أفكار ماركس ، عن الاقتصاد والسياسة والتاريخ ، إلى مجال مغاير عنوانه :"علم العلوم" ، الذي يهدي العلوم الجزئية إلى السبيل المستقيم ، ولا يحتاج إلى علم من خارجه. والواضح هو مبدأ الإقصاء ، الذي يسخّف ما خارج الماركسية ، وما خارج الواقعية الاشتراكية ، وما هو خارج الطبقة العاملة ، التي هي تجسيد مادي للوعي الصحيح ، كما قال جورج لوكاتش في كتابه الشهير :"التاريخ والوعي الطبقي".

تجلّى تصنيم النظر ، إذن ، في موقعين أساسيين: التشكيك بالمفرد النقدي لصالح الجماعة المتجانسة ، الأمر الذي فرض على "الأديب الملتزم" ، أن يعيد كتابة ماكتبه غيره ، مخصصاً الزمان والمكان إذا لزم الأمر. وإذا كان "الالتزام" قد خلق فكرة "البطل الإيجابي" ، فإن البطل المفترض أسس لنصوص روائية متجاورة متوازية ومتشابهة في آن. يستطيع القارئ على سبيل المثال أن يقارن مآل البطل في "نجران تحت الصفر" ليحيى يخلف ، و "الياطر" لحنا مينة ، و "أم سعد" لغسان كنفاني. فهذه النصوص ، رغم الفروق بينها ، وزّعت نهاية واحدة على الأبطال جميعاً ، كما لو كان هناك"بطل أصل" أيقظه الروائين الثلاثة بأشكال مختلفة.

ظهر الموقع الثاني في "تقديس الأصول" ، حيث ما قال به غوركي مرشد للأديب الذي يقتفي آثاره. اكتمل الموقعان النظريان بفكرة دينية ثالثة هي "الضمان" ، التي تعني أن ثورة أكتوبر انتصرت بكتاب "رأسمال المال" ، وأن مراجع "الأدب الطبقي" تكفل تقدمه على غيره ، وأن "علم العلوم" الذي يظلل الأديب الملتزم والبطل الإيجابي وعلم الجمال الماركسي يضمن الانتصار على النقائض جميعاً والغائب في هذه الإيمانية هو :المقارنة ، فلا سبيل إلى مقارنة "العلم المجزوء" بـ "علم العلوم" ، ولا يمكن التقريب بين البطل الإيجابي وغيره ، ولا يقدر منظّر الأدب أن يقتنع بملاحظات أندريه مالرو ، بعد أن بسط له غوركي الحقيقة كاملة. تعني المقارنة ، في هذا الاتجاه ، التحرر من اليقين ومجابهة البديهيات ، والاعتراف بأن المواضيع مثقلة بنقائضها. وهي أخذ مسافة عن المعطى والبديهي والانتهاء إلى سؤال جديد ، كان يبدو في البدء غائباً ، وهي الثمن الفكري الواجب دفعه ، كي تظهر الأمور أكثر وضوحاً. والمقارنة ، في الحالات جميعاً ، قطع مع الأفكار المسيطرة والأحكام الجاهزة. نقضت الواقعية الاشتراكية ، كما الماركسية الستالينية بعامة ، مبدأ المقارنة مقتربة من مجانسة تشبه الصمت ، ومن صمت قوامه المجانسة.

تستأنف المقولات السابقة ، دون أن تدري ، صفات الأصولية ، القائلة بـ "امتلاك الحقيقة والإجماع وتقديس الأصول وحيازة الضمان المنفتح على الظفر وبداهة إقصاء "الآخر" ، والقائلة أولاً باليقين المصمت الذي لا ثغرات فيه ولا شروخ. والماثل ، في الأحوال جميعاً ، تلك الشكلانية القامعة ، التي تعترف بـ "الأسماء المفردة" وتقذف بها ، لاحقاً ، في أتون يذيب الأسماء وأصحابها.

ہ ناقد ومفكر فلسطيني

إشارات

1. Boris Groys: Staline, oeuvre d'art totale Eds: J.Chambon, Paris, ,0991 P:77 - ,87

2.. Lecourt: Lyssemko, Paris, ,6791 P: 331

3. Katerina clark: The soviet novel, Chicago - London, 1891 .

Date : 01-08-2008

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش